صيادو بحر غزة… بين الاعتقال أو الموت
كان البحر أحد أهم مصادر الرزق في غزة، وقطاع الصيد جزءًا من اقتصادها المحلي وسلة غذائها. لكن الحرب لم تستهدف القوارب والمرافئ ومعدات الصيد فقط، بل أصابت القدرة الإنتاجية ومصادر الدخل ورأس المال وسلاسل الإمداد، وتركت آلاف الصيادين أمام واقع اقتصادي وإنساني قاسٍ؛ فالبحر الذي كان مصدر رزقهم أصبح بالنسبة لبعضهم طريقًا محفوفًا بخطر الاعتقال أو الإصابة أو الموت.
لم يكن البحر بالنسبة إلى غزة متنفس مهم فقط ، بل كان على مدار عقود مصدر رزق وغذاء وحياة لآلاف العائلات. وكان قطاع الصيد يعتمد عليه أكثر من 6 آلاف شخص بصورة مباشرة، بينهم نحو 4,200 صياد ومالك قارب، فيما امتدت فوائده الاقتصادية إلى عشرات الآلاف من العاملين في الأنشطة المرتبطة به.
كان الصياد يعود من البحر محملًا بالأسماك، لا ليطعم أسرته فقط، وإنما ليغذي سوقًا اقتصادية متكاملة تضم التجار والباعة وصانعي الشباك ومصلحي القوارب والمحركات ووسائل النقل والتسويق. كما أصبح الاستزراع السمكي رافدًا إضافيًا للإنتاج المحلي والأمن الغذائي، ووسيلة لتوسيع قاعدة الإنتاج وتوفير فرص عمل جديدة.
لكن الحرب قلبت هذه المنظومة رأسًا على عقب. فقد تعرضت القوارب والمرافئ ومعدات الصيد والبنية التحتية لأضرار واسعة، وتقدر الأمم المتحدة أن نحو 72% من أصول قطاع الصيد تعرضت للضرر، فيما قدرت منظمة الأغذية والزراعة خسائر القطاع بنحو 84 مليون دولار.
أما القوارب، فقد وصلت الخسائر إلى مستويات كارثية؛ إذ أشارت بيانات أممية إلى تضرر أو تدمير 87% من قوارب الصيد، شملت 96 قاربًا مزودًا بمحركات ونحو 900 قارب دون محرك. ومع اختلاف التقديرات بحسب الفترة ومنهجية الحصر، يمكن القول إن نحو ألف قارب على الأقل تضرر أو دُمّر، بما يعني فقدان جزء كبير من رأس المال المادي للقطاع.
ولم يتوقف الضرر عند القوارب والمرافئ، بل امتد إلى مزارع ومنشآت الاستزراع السمكي. فقد دُمّرت مزرعتا الاستزراع الرئيسيتان في غزة، إلى جانب منشأة للتفريخ، ما أدى إلى توقف إنتاج كان يقدر بمئات الاطنان من الأسماك سنويًا. ومن منظور إدارة الأزمات، فإن تدمير هذه المنشآت يعني فقدان أصول إنتاجية ورأس مال تشغيلي وخبرات فنية تراكمت على مدار سنوات.
فإن ما تعرض له القطاع يمثل أزمة مركبة؛ بدأت بخطر مباشر على الأرواح والأصول، ثم تحولت إلى توقف في الإنتاج وفقدان للدخل وارتفاع في المخاطر الاقتصادية والغذائية. لذلك فإن التعامل مع آثار الأزمة لا ينبغي أن يقتصر على تعويض القوارب والمعدات، بل يجب أن يشمل إدارة الخسائر، واستعادة القدرة الإنتاجية، وتقليل المخاطر، وبناء قدرة القطاع على الصمود والتعافي.
وتتجاوز الخسارة الاقتصادية قيمة ما دُمّر من أصول؛ فهناك خسائر الإنتاج والدخل وفرص العمل وسلاسل التوريد، إضافة إلى تكلفة الفرصة البديلة الناتجة عن توقف قطاع كان يوفر الغذاء والدخل لعشرات الآلاف بصورة مباشرة وغير مباشرة.
أما الصياد اليوم، فأصبح أمام مخاطر متعددة ومتزامنة: خطر على الحياة، وخطر على رأس المال، وخطر على مصدر الدخل، وخطر على الأمن الغذائي. ومع ذلك، لا يزال بعض الصيادين يحاولون دخول البحر، مدفوعين بالحاجة إلى توفير قوت أسرهم. وهنا تتحول المخاطرة من قرار اقتصادي محسوب إلى مخاطرة اضطرارية تفرضها الأزمة الإنسانية والاقتصادية.
وتحتاج غزة، في مرحلة التعافي، إلى إعادة بناء الأصول الإنتاجية، وإعادة تأهيل المرافئ ومنشآت الاستزراع السمكي، واستعادة سلاسل الإمداد، وتوفير بيئة آمنة تسمح للصياد بالعمل. فالتعافي الحقيقي لا يعني إعادة ما دُمّر فقط، بل إعادة بناء قطاع أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات والمخاطر المستقبلية.
وفي النهاية، يبقى خلف كل رقم إنسان، وخلف كل قارب أسرة تنتظر صاحبها. الصياد لا يريد الكثير… يريد أن يعمل، وأن يعود إلى بيته سالمًا بأرزاق أولاده.
أنور محمد عطالله
باحث دكتوراه إدارة مخاطر وأزمات – جامعة القاهرة
ماجستير اقتصاد – جامعة الأزهر بغزة
