كتب أنور عطا الله ... غزة… حين يتحول الركام إلى خطر يهدد صحة المواطن

مع استمرار الحرب التي شارفت على الثلاث سنوات، وبحسب التقارير، هناك نحو 68 مليون طن من الركام موجودة في غزة، وهي كمية هائلة لا تمثل فقط تحديًا أمام إعادة الإعمار، بل أصبحت بحد ذاتها مصدرًا من مصادر الخطر التي تهدد حياة المواطن وصحته.

دأبت إسرائيل، ومنذ اليوم الأول للحرب، على تدمير المنازل والمنشآت على نطاق واسع، لأسباب عديدة، منها أن المواطن الفلسطيني لديه ارتباط عاطفي بمسكنه؛ فهو لا ينظر إليه باعتباره مجرد منزل، بل يعتبره وطنه الأول. ومن وجهة نظر إسرائيل، فإن السبب الثاني هو رفع كلفة   إعادة الإعمار، إن حدثت، بينما يتمثل السبب الثالث في جعل غزة غير قابلة للحياة.

لكن تدمير المنازل لم يتوقف أثره عند فقدان المأوى؛ فقد خلق بيئة جديدة تحت الركام، أصبحت مناسبة لوجود وتكاثر القوارض والأفاعي والحشرات، في ظل صعوبة الوصول إليها ومكافحتها. ومع تراكم الركام واستمرار وجود هذه الكائنات، تزداد المخاطر الصحية والبيئية، بما قد ينعكس على انتشار الأوبئة والأمراض، خصوصًا في ظل ضعف منظومة الصحة والنظافة العامة.

وهنا يظهر عامل خطر خفي قد يكون أكثر خطورة عند بدء إزالة الركام. فعملية الإزالة لن تكون مجرد نقل لأكوام من الحجارة والخرسانة، بل قد تؤدي إلى تصاعد الغبار والأبخرة والمواد الملوثة العالقة داخل الركام، وهو ما يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة على الجهاز التنفسي، ويشكل خطرًا أكبر على المرضى والأطفال وكبار السن، وحتى المواطن السليم.

والخطر لا يرتبط فقط بعملية إزالة الركام، وإنما بما قد يحتويه هذا الركام من مواد مختلفة نتيجة تدمير المنازل والمنشآت، وما يمكن أن ينتج عن خلطها وتحريكها من مخاطر صحية وبيئية. ولذلك فإن التعامل مع الركام باعتباره مجرد مخلفات إنشائية قد يؤدي إلى تجاهل جزء مهم من منظومة المخاطر.

من هنا، فإن إزالة الركام في غزة يجب ألا تُدار باعتبارها عملية هندسية فقط، بل باعتبارها عملية لإدارة مخاطر صحية وبيئية وإنسانية. وهذا يتطلب قبل البدء وضع خطة واضحة تحدد مصادر الخطر، وآليات التعامل معها، ووسائل حماية المواطنين والعاملين، وآليات التخلص الآمن من المواد التي قد تشكل خطرًا على الصحة العامة.

لذلك، يجب على المؤسسات وأصحاب الاختصاص والخبرات العمل من الآن على إعداد خطة وطنية لإدارة مخاطر الركام، تشارك فيها الجهات الصحية والبيئية والهندسية والبلديات والجامعات والباحثون، بحيث تكون حماية صحة المواطن جزءًا أساسيًا من عملية إزالة الركام، وليس إجراءً يأتي بعد وقوع الضرر.

وهنا يبقى السؤال: كيف نحمي الإنسان من مخاطر ما تركته الحرب وراءها؟

انور محمد عطالله

باحث دكتوراه ادارة مخاطر وازمات جامعة القاهرة

ماجستير اقتصاد جامعة الأزهر بغزة