بحر غزة… من جغرافيا الأزمات إلى اقتصاد الفرص: طريق بحري لإدارة المخاطر وصناعة التعافي
أدت الحرب إلى تدمير واسع لشبكة الطرق في غزة، وأصبح التنقل بين شمال القطاع ووسطه وجنوبه أكثر صعوبة، في ظل الركام والأنقاض والازدحام وانتشار الخيام ومناطق الإيواء على امتداد طريق الرشيد. ولم تعد المشكلة في الطرق المتضررة وحدها، بل في محدودية البدائل وقدرة شبكة النقل الحالية على استيعاب حركة السكان. وفي إدارة الأزمات، يعني الاعتماد على مسار واحد للحركة زيادة الهشاشة التشغيلية وارتفاع مخاطر الاختناق والتعطل.
ومن هنا يمكن التفكير في استثمار الواجهة البحرية لغزة لإنشاء مسار نقل بحري ساحلي يوازي الطرق البرية ويخفف الضغط عنها. ولا تتوقف الفكرة عند النقل، بل يمكن أن تجمع بين المواصلات والإنعاش الاقتصادي والترفيه، لتصبح جزءًا من منظومة أكثر مرونة وقدرة على خدمة سكان القطاع.
البحر كطريق مواصلات وكأصل اقتصادي
يمكن التفكير في إنشاء نظام نقل بحري ساحلي للركاب يربط النقطة الحدودية في شمال غزة بالنقطة الحدودية في جنوب رفح، بمحاذاة الساحل، مع إنشاء مجموعة من المحطات البحرية التي تسمح للمواطنين بالصعود والنزول على امتداد الخط.
ويمتد المسار المقترح لنحو 45 كيلومترًا تقريبًا، على أن يتم تحديد موقعه النهائي وفق دراسة الأعماق البحرية وحركة الأمواج والتيارات ومتطلبات السلامة. وفي التصور الأولي يمكن دراسة مسار يبعد عن خط الشاطئ نحو 400 إلى 700 متر، مع ترك تحديد المسافة النهائية للدراسة البحرية والهندسية.
والأهم اقتصاديًا أن ننظر إلى هذا المشروع باعتباره أصلًا اقتصاديًا متعدد الاستخدامات، وليس مجرد بنية تحتية للنقل. فكل محطة بحرية يمكن أن تتحول إلى مركز اقتصادي وخدمي وترفيهي مصغر، يخلق طلبًا جديدًا على النقل والخدمات والمطاعم والمقاهي والأنشطة الترفيهية، ويولد فرص عمل مباشرة وغير مباشرة. وبذلك ينتقل المشروع من مفهوم الإنفاق على البنية التحتية إلى مفهوم الاستثمار في البنية التحتية المنتجة التي يمكن أن تحقق عائدًا اقتصاديًا واجتماعيًا طويل الأجل.
عدة محطات من الشمال إلى الجنوب
يمكن أن تكون المحطات هي: المحطة الشمالية بالقرب من نقطة الانطلاق الحدودية، محطة شمال غزة، محطة بيت لاهيا/شمال القطاع، محطة مدينة غزة، محطة جنوب مدينة غزة، محطة دير البلح، محطة شمال خان يونس، محطة جنوب خان يونس، محطة شمال رفح، والمحطة الجنوبية بالقرب من النقطة الحدودية في جنوب رفح.
ولا يشترط أن تكون جميع المحطات بالحجم نفسه؛ فمن الأفضل أن تكون هناك محطات رئيسية ذات حركة ركاب مرتفعة، وأخرى متوسطة تخدم المناطق الواقعة بينها.
خط سريع وخط محلي
ولزيادة كفاءة النظام، يمكن تشغيل نوعين من الرحلات: خط سريع يتوقف في المحطات الرئيسية فقط، ويخصص للركاب الذين يريدون الانتقال من شمال غزة إلى جنوبها أو العكس في أقصر وقت ممكن، وخط محلي يتوقف في المحطات المختلفة ويخدم حركة المواطنين بين المناطق المتقاربة.
وهذا يحقق مفهومًا مهمًا في إدارة الأزمات، وهو تنويع مسارات الحركة وتقليل مخاطر نقطة الاختناق الواحدة.
كم يستغرق الانتقال من الشمال إلى الجنوب؟
إذا استخدمت مراكب ركاب سريعة بسرعة تشغيلية متوسطة تتراوح بين 35 و45 كيلومترًا في الساعة، فإن قطع مسافة تقارب 45 كيلومترًا يمكن أن يستغرق نحو ساعة إلى ساعة وربع تقريبًا دون احتساب التوقفات. ومع التوقف في المحطات، يمكن أن تتراوح الرحلة الكاملة بين 75 و95 دقيقة تقريبًا، وفق عدد المحطات وطبيعة التشغيل.
كم مواطنًا يمكن أن ينقل المشروع؟
إذا افترضنا أن القارب الواحد يحمل بين 150 و200 راكب، وبمتوسط حسابي يبلغ نحو 175 راكبًا، فإن تشغيل القارب في المتوسط 6 رحلات ذهابًا وإيابًا يوميًا يوفر قدرة نظرية تقارب 2,100 راكب يوميًا للقارب الواحد في حالة الامتلاء.
وبناءً على ذلك، يمكن لأسطول من 10 مراكب نقل نحو 21 ألف راكب يوميًا، بينما يمكن أن تصل الطاقة الاستيعابية إلى نحو 50 ألف راكب يوميًا مع 24 مركبًا، وفق عدد الرحلات ومعدلات الإشغال.
وهذه أرقام تقديرية نظرية، وسيحدد الاستخدام الفعلي حجم الطلب وتوزيعه بين المحطات والخطوط السريعة والمحلية.
كم مركبًا يحتاج المشروع؟
يمكن أن يبدأ المشروع بصورة تدريجية؛ ففي المرحلة الأولى يمكن تشغيل 5–6 مراكب، مع تخصيص مركب إضافي للاحتياط والصيانة، بحيث يكون الأسطول الأولي في حدود 6–7 مراكب. ومع ارتفاع الطلب يمكن رفع عدد المراكب العاملة إلى 10–12 مركبًا، وصولًا إلى نحو 24–25 مركبًا إذا أصبح النقل البحري جزءًا رئيسيًا من منظومة النقل العام.
وبذلك يمكن أن يتطور الأسطول وفق منهجية التوسع المرحلي، بحيث يرتبط حجم الاستثمار بالنمو الفعلي في الطلب، بدل تحميل المشروع منذ البداية بأعباء تشغيلية واستثمارية أكبر من حاجته.
إدارة المخاطر والأزمات
من منظور إدارة المخاطر والأزمات، فإن إنشاء مسار بحري موازٍ للطرق البرية يعني تنويع مسارات الحركة وتقليل مخاطر نقطة الاختناق الواحدة. وبذلك يمكن للمشروع أن يساهم في معالجة أكثر من أزمة في وقت واحد: الازدحام، وصعوبة الوصول إلى الخدمات، وضعف النشاط الاقتصادي، ونقص فرص العمل، والحاجة إلى مساحات ترفيهية جديدة.
البحر كمساحة للترفيه
فيمكن أن تتحول المحطات الرئيسية إلى واجهات بحرية حضرية تتضمن مناطق للمشي، ومساحات عامة، ومقاهي ومطاعم، وأكشاكًا ومشروعات صغيرة، ومناطق للجلوس، ومرافق ترفيهية وعائلية، وفق تخطيط حضري منظم.
ويمكن أن تصبح الرحلة البحرية نفسها منتجًا ترفيهيًا وليس مجرد وسيلة انتقال.
من مشروع نقل إلى مشروع إنعاش اقتصادي
يمكن لهذا المشروع، إذا أُدير بصورة صحيحة، أن يخلق سلسلة قيمة اقتصادية تبدأ من إنشاء المحطات والمراكب، وتمتد إلى التشغيل والصيانة والخدمات البحرية، ثم إلى المطاعم والمقاهي والمشروعات الصغيرة والأنشطة الترفيهية والخدمات المرتبطة بالسياحة الداخلية.
كما يمكن أن يخلق وظائف مباشرة في تشغيل المراكب والمحطات، ووظائف غير مباشرة في الخدمات والصيانة والأمن والنظافة والضيافة والأنشطة التجارية.
وبذلك يصبح المشروع جزءًا من سياسة تحفيز اقتصادي، ويساهم في تنشيط الطلب المحلي وخلق مصادر دخل جديدة، وليس مجرد مشروع مواصلات.
كيف يمكن إدارة المشروع وحمايته؟
يمكن أن تتولى اللجنة الإدارية لغزة مسؤولية إنشاء هيئة مستقلة للنقل البحري الساحلي، تكون مهمتها التخطيط لإنشاء المشروع والإشراف على تنفيذه وإدارته وتشغيله وصيانة محطاته ومراكبه، ووضع قواعد السلامة وتنظيم حركة الركاب.
وتكون الهيئة مسؤولة أيضًا عن التنسيق مع الجهات المحلية والدولية المعنية، وربط المحطات البحرية بشبكة النقل البرية، ووضع نظام موحد للتذاكر والمواعيد وحركة المراكب، والعمل على تعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي من المشروع.
أما من الناحية الأمنية، وفي حال دخول قوات دولية إلى غزة ضمن ترتيبات مستقبلية، فيمكن أن تتولى هذه القوات، وفق تفويضها واتفاقها، ضمان وجود فصل أمني واضح بين ممر النقل المدني الساحلي ومنطقة انتشار البحرية الإسرائيلية، بما يحافظ على نطاق آمن ومحدد لحركة مراكب الركاب ويمنع الاحتكاك أو التداخل، ويضمن استمرار الحركة المدنية وفق الترتيبات الدولية المتفق عليها.
وبذلك يكون للمشروع ذراع إداري ومدني واضح يتولى تشغيله وتطويره، وإطار أمني دولي يوفر البيئة اللازمة لاستمرارية حركة النقل.
فلماذا لا يصبح بحر غزة طريقًا آخر للحياة… ومتنفسًا للناس، وواجهة للترفيه، وجزءًا من الحل؟
أنور محمد عطالله
باحث دكتوراه إدارة مخاطر وأزمات – جامعة القاهرة
ماجستير اقتصاد – جامعة الأزهر بغزة
