منذ اليوم الأول للحرب، كان واضحًا أن أحد أخطر أهدافها هو دفع سكان غزة نحو التهجير، من خلال جعل القطاع مكانًا غير قابل للحياة، عبر تدمير المنازل والمنشآت والبنية التحتية، وضرب مقومات الحياة الأساسية.
لكن الخسارة لم تتوقف عند الحجر.
فالحرب أسهمت أيضًا في استنزاف رأس المال البشري، بما يشمله من عقول وكفاءات وخبرات راكمت سنوات طويلة من العلم والعمل والتجربة. فهناك من قُتل، وهناك من اعتُقل، وهناك من اضطر إلى مغادرة غزة بحثًا عن الأمان له ولأسرته، في ظل ظروف إنسانية وأمنية بالغة القسوة.
وهنا تظهر واحدة من أخطر نتائج الحرب التي قد لا نراها بالعين المجردة: نزيف العقول والكفاءات، واستنزاف أحد أهم موارد المجتمع في مواجهة الأزمات وإعادة التعافي.
ومع كل التقدير والاحترام للكفاءات والخبرات التي ما زالت موجودة في غزة، وتواصل أداء دورها رغم الظروف القاسية، فإن حجم الاحتياج اليوم يفوق كثيرًا ما هو متاح من قدرات بشرية، خاصة في بعض التخصصات الحيوية.
غزة اليوم تعاني نقصًا واضحًا في العديد من التخصصات والخبرات، ويظهر ذلك بصورة أكثر وضوحًا في القطاع الصحي، مع فقدان عدد كبير من الأطباء المتخصصين وأصحاب الخبرة الواسعة، إلى جانب الكوادر التمريضية والفنية. وهذا النقص لا يعني فقط انخفاض عدد العاملين، بل يمثل فقدانًا لرأس مال بشري متراكم يصعب تعويضه في فترة قصيرة.
والأمر نفسه يمتد إلى المهندسين، وأساتذة الجامعات، والباحثين، والمعلمين، والخبراء الاقتصاديين، والمحاسبين، والمحامين، والتقنيين، والإداريين، وأصحاب الخبرات في قطاعات الصناعة والتجارة والمقاولات والطاقة والمياه والاتصالات وغيرها.
ومن منظور إدارة المخاطر والأزمات، فإن فقدان هذه الكفاءات يمثل خطرًا استراتيجيًا على قدرة المجتمع على الصمود والتعافي؛ لأن الاستجابة للأزمة وإدارة آثارها لا تعتمد فقط على الموارد المالية والمادية، وإنما تعتمد بدرجة كبيرة على توفر الكفاءات القادرة على التخطيط، واتخاذ القرار، وإدارة الموارد، وتشغيل المؤسسات واستعادة الخدمات الأساسية.
إن إعادة بناء غزة لن تكون مجرد عملية لإعادة تشييد المنازل والشوارع والمستشفيات والمدارس، بل ستكون قبل ذلك عملية لإعادة بناء الإنسان والمؤسسات والقدرات المهنية، واستعادة ما يمكن استعادته من رأس المال البشري الذي تعرض للاستنزاف خلال الحرب.
لذلك، فإن عودة الكفاءات إلى غزة ليست قضية ثانوية، بل هي جزء أساسي من إدارة مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، وتقليل مخاطر المستقبل، واستعادة قدرة المؤسسات والمجتمع على العمل والإنتاج.
والسبيل الوحيد لعودة هذه الكفاءات يبدأ بوقف الحرب وتوفير الأمن والاستقرار، وجعل غزة منطقة آمنة وقابلة للحياة، ثم وضع خطة وطنية لاستعادة الخبرات الفلسطينية وإشراكها في إعادة بناء المؤسسات التعليمية والصحية والاقتصادية، وتعزيز رأس المال البشري وقدرة المجتمع على التعافي والصمود أمام الأزمات المستقبلية.
فإعادة إعمار الحجر قد تحتاج إلى سنوات، لكن إعادة بناء منظومة الخبرات التي فقدتها غزة قد تحتاج إلى عقود.
غزة لا تُبنى إلا بأبنائها.
أنور محمد عطا الله
باحث دكتوراه في إدارة المخاطر والأزمات – جامعة القاهرة
ماجستير اقتصاد – جامعة الأزهر بغزة
