كتب انور عطا الله ... بين الإغلاق والإغراق… اقتصاد غزة بين خنق الإنتاج وإغراق السوق

يمكن النظر إلى السياسة الإسرائيلية تجاه الاقتصاد الفلسطيني في غزة من زاوية تقوم على مسارين متناقضين في الشكل، لكنهما يلتقيان في النتيجة . الإغلاق أو الإغراق.

الإغلاق يعني تقييد حركة الأفراد والبضائع والمواد الخام، ومنع الاقتصاد من الوصول إلى مدخلات الإنتاج والأسواق، بما يؤدي إلى تعطيل المصانع والورش والمزارع والمنشآت الاقتصادية. أما الإغراق فيعني تدفق السلع إلى سوق محلية عاجزة عن الإنتاج والمنافسة، بما يحولها تدريجيًا إلى سوق استهلاكية تعتمد على الخارج.

وفي الحالة الغزية الراهنة، يبدو المشهد خليطًا من الاثنين؛ فهناك قيود شديدة على قدرة الاقتصاد على الإنتاج، وفي الوقت نفسه حاجة متزايدة إلى تنويع السلع القادمة من الخارج لتلبية الاحتياجات الأساسية، بينما تغرق إسرائيل أسواق غزة بأنواع محددة.

وهنا تكمن المشكلة الاقتصادية الأعمق: لا يمكن لاقتصاد أن يتعافى من خلال الاستهلاك وحده، مهما ارتفعت قيمة المساعدات أو تدفقات السلع بالطريقة الحالية.

وفي ظل بطالة مرتفعة جدًا، وصلت، وبحسب التقارير، إلى 90%، فإن إعادة تشغيل عجلة الإنتاج تصبح ضرورة اقتصادية .

فالبيت الذي يُعاد بناؤه يوفر مأوي، والطريق الذي يُصلح يعيد الحركة، لكن المصنع الذي يعود إلى العمل يوفر إنتاجًا ودخلًا ووظائف، والأرض التي تعود إلى الإنتاج توفر غذاءً ودخلًا، والمنشأة التجارية التي تستعيد نشاطها تعيد تدوير المال داخل الاقتصاد.

ومن هنا، فإن المعادلة الحقيقية لتعافي غزة ليست:

مساعدات أو عمل المعبر بصورته الحالية: (عدد محدود من التجار، وعدد محدود من السلع)، ثم استهلاك ثم تعافٍ ونمو .

إنما:

يحتاج الاقتصاد إلى دورة إنتاجية متكاملة: إنتاج، ودخل، وتشغيل، واستهلاك، واستثمار، ثم نمو وتعافٍ.

وإذا تعطلت الحلقة الأولى، فلن تستطيع بقية الحلقات أن تولّد تعافيًا.

وهذا هو الفارق بين اقتصاد يُدار للبقاء على قيد الحياة، واقتصاد يُبنى ليستعيد قدرته على الحياة.

لذلك، فإن استمرار الوضع الحالي دون استعادة الإنتاج وخلق فرص العمل في قلبه، سيبقى أقرب إلى إدارة الأزمة منه إلى بناء التعافي الاقتصادي المستدام.

أنور محمد عطالله
باحث دكتوراه إدارة مخاطر وأزمات – جامعة القاهرة
ماجستير اقتصاد – جامعة الأزهر بغزة