بقلم المستشار: د. علي شقور
أثار توجه وزارة التربية والتعليم العالي نحو اعتماد مصادر تعليمية رقمية ومفتوحة للصفوف من الأول حتى الرابع نقاشًا واسعًا بين المعلمين وأولياء الأمور والأكاديميين والمهتمين بالشأن التربوي.
وقد انقسمت الآراء سريعًا بين من يرى في الخطوة انتقالًا ضروريًا نحو التعليم الرقمي، ومن يعتبرها إلغاءً متسرعًا للكتاب الورقي، ومن يرفضها قبل معرفة تفاصيلها. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل نحن مع الكتاب الورقي أم مع الكتاب الرقمي؟ بل: هل صُمم هذا التحول وفق أسس تربوية وعلمية، واقتصادية، واجتماعية، واضحة؟
من الإنصاف القول إن الوزارة أوضحت أن التوجه يأتي ضمن خطة «التعليم من أجل التنمية»، وأن تجربة سابقة نُفذت في 64 مدرسة، وخضعت، بحسب بيان الوزارة، لدراسة بحثية تقييمية، إلى جانب سلسلة من المشاورات واللقاءات مع الميدان التربوي والخبراء. غير أن البيان المنشور لم يعرض نتائج الدراسة تفصيلًا، ولا منهجيتها أو بياناتها ومؤشرات القياس التي استند إليها قرار التعميم، الأمر الذي يجعل نشر الدراسة أو ملخص تنفيذي عنها ضروريًا لتعزيز الثقة وإتاحة نقاش علمي مستنير حول القرار.
ومن حق المجتمع أن يعرف: هل المقصود إلغاء الكتب الورقية تمامًا أم تقليل الاعتماد عليها؟ هل سيحتاج كل طفل إلى جهاز؟ من سيوفره؟ وهل ستعمل المواد دون إنترنت دائم؟ وما البدائل للأسر غير القادرة، وللمدارس التي تفتقر إلى بنية تقنية مناسبة؟
هذه ليست تفاصيل هامشية، بل شروط أساسية لنجاح القرار.
كما ينبغي الاستفادة من التجارب العالمية، لكن دون التعامل معها وكأنها تسير في اتجاه واحد. فكوريا الجنوبية، مثلًا، أدخلت كتبًا رقمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي بصورة تدريجية وفي مواد وصفوف محددة، مع تدريب المعلمين وتطوير البنية التحتية، ولم تبدأ بإلغاء شامل ومفاجئ للكتب الورقية.
وفي المقابل، أعادت السويد النظر في التوسع الكبير في استخدام الشاشات، ولا سيما في السنوات الدراسية الأولى، وركزت من جديد على القراءة والكتابة والكتب المادية. وهذا لا يعني فشل التكنولوجيا، بل يؤكد الحاجة إلى التوازن بين الشاشة والكتاب والكتابة اليدوية والتفاعل المباشر.
فالكتاب الرقمي ليس متقدمًا لمجرد ظهوره على شاشة، والكتاب الورقي ليس متخلفًا لمجرد أنه مطبوع. المعيار الحقيقي هو جودة التعلم الذي ينتجه كل منهما.
وتشير تقارير دولية، ومنها تقارير اليونسكو، إلى أن التكنولوجيا قد تحسن الوصول والجودة، لكنها قد تزيد التفاوت أو تضر بالتعلم إذا استُخدمت دون بنية تحتية مناسبة، وحوكمة واضحة، وإعداد جيد للمعلمين. كما أن توزيع الأجهزة وحده لا يؤدي تلقائيًا إلى تحسن التعلم.
وفي السياق الفلسطيني، تزداد المسألة تعقيدًا. فهناك تفاوت كبير بين الأسر في القدرة على توفير الأجهزة والإنترنت، وبين المدارس في جاهزيتها التقنية، إلى جانب الظروف الاقتصادية الصعبة وعدم انتظام رواتب المعلمين. لذلك يجب احتساب الكلفة الحقيقية للتحول، بما يشمل الأجهزة، والصيانة، والإنترنت، والدعم الفني، والتدريب، وحماية البيانات، وتوفير بدائل للفئات الأقل قدرة.
كما أن الحديث عن الصفوف الأولى يتطلب حذرًا إضافيًا، لأنها مرحلة تأسيس القراءة والكتابة والحساب والانتباه والمهارات الحركية الدقيقة. لذلك لا يكفي أن نسأل إن كان الأطفال يحبون الأجهزة، بل يجب أن نسأل: ما مقدار الوقت المناسب أمام الشاشة؟ وما الأنشطة التي تصلح رقميًا؟ وما الذي يحتاج إلى الكتاب والقلم والمواد المحسوسة؟
والأهم أن قرارًا بهذا الحجم لا ينبغي أن يصدر من أعلى ثم يُطلب من الجميع التكيف معه. الوزارة هي الجهة المسؤولة عن السياسة التعليمية، لكن نجاح القرار يتطلب مشاركة حقيقية من المعلمين وأولياء الأمور والطلبة والخبراء والأكاديميين ومؤسسات المجتمع المدني والمتخصصين في التقنية، والصحة والطفولة والاقتصاد.
المشاركة لا تعني إدارة التعليم بالتصويت الشعبي، بل تعني عرض التصور، ومناقشة البدائل، والاستماع إلى الاعتراضات، وتجريب النموذج، ونشر نتائجه، ثم تعديل القرار في ضوء الأدلة.
وعندما تغيب التفاصيل، ينشأ فراغ معلوماتي تملؤه الشائعات والاجتهادات، ويتحول النقاش من قضية تربوية إلى استقطاب بين تأييد مطلق وهجوم مطلق.
ليس المطلوب جلد الوزارة أو التشكيك في كل خطوة، كما ليس المطلوب مطالبة المجتمع بالصمت. المطلوب هو نشر تصور واضح يجيب عن الأسئلة الأساسية: ما المشكلة التي سيحلها القرار؟ ما الأدلة التي يستند إليها؟ ما نتائج التجربة؟ ما خطة التنفيذ؟ كيف ستُحمى الفئات الأقل قدرة؟ وما مؤشرات النجاح ومواعيد المراجعة؟
والخيار الأكثر أمانًا في هذه المرحلة هو تبني نموذج هجين ومتدرج، يحتفظ فيه الطفل بالمواد الورقية الأساسية اللازمة للقراءة والكتابة، ويستفيد في الوقت نفسه من المصادر الرقمية التفاعلية في المجالات التي تضيف فيها قيمة حقيقية.
بعد ذلك يمكن التوسع أو التعديل وفق نتائج تقاس داخل المدارس الفلسطينية، لا بناءً على الانبهار بالتكنولوجيا ولا الخوف منها.
القضية ليست: ورق أم شاشة؟
القضية هي: أي تعلم نريد لأطفالنا؟ وكيف نتخذ قرارًا يحقق هذا التعلم، ويضمن العدالة، ويحظى بثقة المجتمع، ويستطيع الاستمرار؟
