%90 من قطاع الطباعة متضرر.. غزة تواجه أزمة الورق والحبر

داخل خيمة تعليمية بمنطقة المواصي غرب مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، يُدوّن محمد أبو داوود، مدير مدرسة دار العلم والثقافة ومعه الطاقم التدريسي، أسماء طلبتهم يدويًا على قطع من كرتون صناديق المساعدات، لعدم توفر الورق بسبب منع الاحتلال إدخاله للقطاع منذ بداية الحرب في تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

لا يبدو أن تدمير الاحتلال لغالبية المطابع في القطاع هو السبب الوحيد في إصابة هذا المورد الاقتصادي بالشلل الكبير، إذ تبدو الأزمة أكثر تعقيدًا في مجال الطباعة

كان ذلك الخيار اضطراريًا لدى أبو داوود قبل بضعة أشهر، بيدَ أنّ الحال لم يتغير كثيرًا للأفضل، فعلى الرغم من دخول الورق بكميات قليلة، إلا أن غلاء أسعاره ظلّت المعضلة الأبرز في اقتناءه وتوفيره للمدارس والجامعات والمستشفيات والنقاط الطبية، مثل باقي القطاعات الحيوية والخدميّة الأخرى.

شرح أبو داوود لـ"الترا فلسطين" معاناته اليومية مع انقطاع الإمداد بالورق وغلاءه، قائلاً: "قبل الحرب كان سعر حزمة ورق A4 لا تتجاوز 16 شيكلًا، أما الآن فيصل سعرها إلى 300 شيكل في بعض الأحيان، والداعمون للمدارس غير قادرين على توفيره، وهذا يعطّل عملنا ويُضاف إلى قائمة التحديات التي تعرقل التعافي في مجال التعليم".

غلاء أسعار الورق ليس المعضلة الوحيدة أمام أبو داوود، فعدم توفر الطابعات وأجهزة المسح الضوئي وشح عبوات الحبر، فضلًا عن انقطاع التيار الكهربائي، كلها عوامل تراكمت داخل النقاط التعليمية لتجعل من طباعة ورقة واحدة عجزًا أمام أنظار طاقم التدريس.

لا يبدو أن تدمير الاحتلال لغالبية المطابع في القطاع هو السبب الوحيد في إصابة هذا المورد الاقتصادي بالشلل الكبير، إذ تبدو الأزمة أكثر تعقيدًا في مجال الطباعة. 

ولا تستطيع المطبعة العمل بمجرد امتلاك آلة نجت من أهوال الحرب، إنما تحتاج أيضًا إلى ورق وأحبار ومواد تنظيف وتشغيل، وقطع غيار، وكهرباء مستقرة، ومهندسين وفنيين استشهدوا أو جُرِحوا، بالإضافة إلى شبكة نقل وسوق قادرة على دفع تكلفة الإنتاج بأسعار مناسبة، وهذا ما دمره الاحتلال على مدار أكثر من ألف يوم من عمر الإبادة.

قال عساف محمد (36 عامًا) وهو مالك مطبعة مسك بمواصي خان يونس، لـ"الترا فلسطين"، إنّ أسعار الطباعة قبل الحرب كانت زهيدة مقارنة بما هي عليه الآن، فسعر طباعة متر الجلد كان يتراوح من 10 إلى 15 شيكلًا، أما الآن فأسعاره تصل إلى 200 شيكل، كذلك البوستر الورقي فقد كانت تكلفته 5 شواكل والآن يصل سعره إلى 50 شيكلًا.

ولم تكن أسعار الحبر بمنأى عن هذا الغلاء الفاحش، وأضاف محمد: "حاليًا وصل سعر طقم الحبر للطباعة الجلديّة سعة 4 ليترات بألوانه الأربعة 20 ألف شيكل بعد أن كان في السابق لا يتجاوز 280 شيكل، بمعدل يقارب 80 ضعفًا".

وتابع: "هذه الأسعار توضح حجم الخسارة التي يتكبدها أصحاب المطابع في غزة، والسر في هذا الغلاء لا يقتصر على كبار التجار بقدر ما يعود إلى ندرة هذه السلع بسبب تقلص إدخالها من المعابر".

وأشار فنيّ الطباعة إلى التحول  الذي طرأ على مجال استيراد هذه السلع، حيث دخلت فئة جديدة من التجار الذين فطنوا إلى هامش الربح في هذه الصناعة، لكنهم على غير دراية بتقنياتها وأسعارها الحقيقية، وبالتالي دفع تكلفة أعلى للتنسيق لإدخال البضائع أو تهريبها أحيانًا، مما أضر بالسوق بشكل كبير.

وأوضح محمد أن أسعار الورق متذبذبة بحسب وضع المعابر، فقبل نحو شهر ونصف وصل سعر كرتونة الورق إلى 1500 شيكل، بسبب منعه من دخول القطاع بشكل تام، ثم سمح الاحتلال بإدخال كميات محدودة منه لا تلبي حاجة السوق المحلي إلا أن ذلك قلل سعرها في غضون يوم واحد إلى 250 شيكلًا ولاحقًا إلى 100 شيكل، هذا التذبذب وعدم الاستقرار في الأسعار يحرم هذا القطاع الحيوي من التعافي ومحاولة النهوض، لعدم وجود هامش من الأمان الاقتصادي.

المصدر: الترا فلسطين 

وعلاوة على أسعار الحبر والورق، ذكر محمد معاناته مع توفير قطع الغيار وتذبذب الكهرباء، قائلًا: جميع عمليات إصلاح ماكينات الطباعة تتم حاليًا بإيجاد بدائل ترقيعية من ماكينات أخرى تالفة أو تضررت من القصف، بفعل منع استيراد قطع الغيار من الخارج، فضلًا عن تذبذب الكهرباء من الطاقة الشمسية وانقطاعها مرات عديدة وهذا يزيد من فرص تعطّلها بشكل متكرر".

وخلص محمد إلى مجمل التحديات، موضحًا: المعاناة لا تقتصر على جانب بعينه، إذ إن توفير صنف واحد مع منع كمالياته يعني توقف المنظومة برمتها وهذا ما نخشاه مستقبلًا في حال استمر هذا الوضع".

بدوره، قدّر القائم بأعمال اتحاد الصناعات الورقية في غزة، يوسف الحايك، حجم الضرر في قطاع الطباعة عمومًا الناتج عن الحرب بنسبة 90 بالمائة، منها 50 بالمائة ضرر كلي و40 بالمائة ضرر جزئي.

وأشار الحايك في حديثه لـ"الترا فلسطين"، أن قطاع الطباعة في غزة يعمل فقط بطاقة إنتاجية لا تتجاوز 2% عمّا كان عليه قبل الحرب.

وبيّن الحايك أن مجرد إدخال ورق A4 بكميات قليلة لا يحرك سوى بعض الأعمال المكتبية، ولا يغذي المطابع التي تُقوِّم هذه الصناعة. ولفت الحايك إلى أن هذا الضرر لم يقتصر على عمل المؤسسات والوزارات فحسب، بل امتد إلى التأثير على القطاع التجاري الخاص والصحافة والمجال الإرشادي والصحي وغيره.

وأوضح الحايك أن عملية إنعاش قطاع الطباعة وتعافيه يستلزم بداية الحماية الأمنية ضمن منطقة صناعية آمنة، ومنع استهداف المطابع من قبل الاحتلال، كون هذا القطاع يندرج ضمن الأعيان المدنية المحميّة بالقانون الدولي.

وعلاوة على إعادة تأهيل البنية التحتية واللوجستية للمطابع، نوه الحايك إلى ضرورة إعادة التأهيل النفسي للعاملين في مجال الطباعة.

كما أشار إلى ضرورة الاهتمام بمواكبة أحدث التقنيات في مجال الطباعة الرقمية، لأن انقطاع غزة عن العالم لثلاث سنوات شكّل فجوة أضرت بنقل التجارب والخبرات والتحديثات التي جرت عالميًا في هذا المجال.