"إدارة النار" في غزة: تصعيد متدرج يعيد ملامح الإبادة تحت غطاء التهدئة

شهد قطاع غزة تصعيدًا إسرائيليًا متدرجًا رغم استمرار وقف إطلاق النار المعلن في 10 تشرين الأول/ أكتوبر2025، يتمثل في تكثيف الاغتيالات والاستهدافات الجوية والمدفعية للأحياء السكنية وخيام النازحين والمقار المدنية والشرطة، إلى جانب توسع أوامر الإخلاء وموجات النزوح، وتوسيع "الخط الأصفر"، وسط مخاوف من تقليص المساحة المتاحة للسكان.

وبالتوازي مع التصعيد الميداني، شددت إسرائيل القيود المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية والإمدادات الأساسية، بما يشمل الغذاء والدواء والوقود، الأمر الذي فاقم حالة الانهيار الإنساني والصحي في القطاع، في ظل تحذيرات أممية ودولية متزايدة من اتساع رقعة المجاعة وانهيار ما تبقى من الخدمات الأساسية.

منذ مطلع أيار/مايو، صعّد الاحتلال الإسرائيلي سياسة تدمير المنازل والمربعات السكنية عقب إخلائها، ما خلّف دمارًا واسعًا في مناطق متضررة أصلًا، وشهد مخيم الشاطئ في 8 أيار/مايو أولى هذه العمليات بعد وقف إطلاق النار

وبرز تصعيد إسرائيلي غير مسبوق في قطاع غزة منذ شباط/فبراير الماضي، عبر عمليات عسكرية واستهدافات يومية طالت المدنيين ومركبات الشرطة الفلسطينية ونقاطًا أمنية، في مؤشر على اتساع رقعة العمليات العسكرية وتصاعد وتيرتها في مختلف مناطق القطاع.

منذ مطلع أيار/مايو، صعّد الاحتلال الإسرائيلي سياسة تدمير المنازل والمربعات السكنية عقب إخلائها، ما خلّف دمارًا واسعًا في مناطق متضررة أصلًا، وشهد مخيم الشاطئ في 8 أيار/مايو أولى هذه العمليات بعد وقف إطلاق النار، حين أدى قصف منزل إلى تضرر أكثر من 20 منزلًا. وتكررت منذ تلك الفترة مرات عدة.

فيما ووثق مركز غزة لحقوق الإنسان تصاعد عمليات قصف الاحتلال المنازل السكنية خلال شهر أيار/ مايو الجاري، مشيرًا إلى أن عشرات المنازل والمباني تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي عقب أوامر إخلاء إسرائيلية. 

في سياق متصل، وسّع الاحتلال ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" داخل قطاع غزة، مستحدثًا خلال الشهر الأخير "الخط البرتقالي" لإعادة ترسيم السيطرة الميدانية، لتصل المساحات الخاضعة لسيطرته إلى نحو 60% من مساحة القطاع، مع تحذيرات من تقليصها إلى 35% للسكان.

فيما عمد الاحتلال الإسرائيلي خلال الأسابيع الأخيرة إلى تكثيف عمليات الاغتيال وكان أبرزها الإعلان عن اغتيال القائد العام لكتائب القسام عز الدين الحداد، وقائد هيئة أركانها محمد عودة، بالتزامن مع استهداف مكثف للأحياء السكنية والمناطق المكتظة بالنازحين.

وبالتزامن مع ذلك، قفزت وتيرة أعداد الشهداء المسجلة منذ التوصل إلى اتفاق وقف النار في غزة بشكل كبير، حيث تشير آخر إحصائية صادرة عن وزارة الصحة، إلى تسجيل نحو 925 شهداء، فيما أصيب 2,790 آخرون، وارتفعت حصيلة ضحايا الإبادة الإسرائيلية إلى 72,819 شهيدًا، إضافة إلى 172,894 إصابة منذ بدء حرب الإبادة على غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. 

يرى مراقبون أن هذا التصعيد يعكس توجهًا إسرائيليًا قائمًا على إدارة التصعيد تحت مظلة تهدئة هشة، عبر توظيف أدوات الضغط العسكري والإنساني والأمني بصورة متزامنة لإعادة تشكيل الواقع الميداني والديموغرافي داخل قطاع غزة، وتشمل هذه السياسة تقليص المساحات التي يُنظر إليها كمناطق آمنة، واستنزاف البنية المدنية والخدمية، ومنع أي فرصة لتعافي الأوضاع الإنسانية أو استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي، بالتزامن مع استمرار ارتفاع أعداد الشهداء وتفاقم الانهيار الصحي والمعيشي في القطاع.

مرحلة "إدارة النار"

يقول الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة لـ"الترا فلسطين"، إن "عودة الاغتيالات الإسرائيلية في قطاع غزة تعكس انتقال الاحتلال من مرحلة وقف إطلاق النار إلى مرحلة "إدارة النار تحت سقف التهدئة"، موضحًا أن هذه السياسة باتت تُستخدم كأداة مزدوجة تستهدف استنزاف قدرات المقاومة ميدانيًا، وفي الوقت ذاته توجيه رسائل تفاوضية مفادها أن أي تعثر في المسار السياسي سيُقابل بكلفة أمنية مباشرة، بما يهدف إلى دفع المقاومة للقبول بالشروط الإسرائيلية المطروحة.

ويضيف عفيفة لـ"الترا فلسطين" "أن توسيع ما يُعرف بـ’الخط الأصفر’ لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار نهائي بشن عملية عسكرية واسعة، لكنه يهيئ الظروف الميدانية لذلك، ويُستخدم كوسيلة ضغط على الجانب الفلسطيني عبر تقليص المساحات الآمنة، ودفع السكان نحو المناطق الغربية، وتحويل الجغرافيا إلى ورقة تفاوضية تفرض واقعًا ديموغرافيًا وجغرافيًا جديدًا قد يُراد له أن يستمر لفترة طويلة".

يشير إلى أن الاحتلال يعيد تفعيل ما يُعرف بـ"هندسة الخوف والنزوح" عبر سياسة الإخلاءات والإنذارات، بعد تراجع نسبي عقب وقف إطلاق النار، قبل أن تُستأنف مجددًا ضمن مساعٍ لتهيئة بيئة عملياتية تقوم على إفراغ مناطق سكنية، واختبار الردود، ورفع الضغط النفسي على السكان والوسطاء.

ويبين أن ما يجري حاليًا يمكن توصيفه بأنه انتقال تدريجي نحو "حرب منخفضة الوتيرة" قد تتوسع لاحقًا، موضحًا أن المشهد لم يصل بعد إلى مستوى الحرب السابقة، إلا أن عناصرها تعود بشكل متدرج، من خلال الاغتيالات والقصف وتوسيع مناطق السيطرة والإنذارات المتكررة، إلى جانب انسداد أفق التفاوض، وكل ذلك يجري تحت مظلة وقف إطلاق النار القائم.

يرى عفيفة أن الاحتلال يسعى لتكريس معادلة مفادها أن وقف إطلاق النار لا يقيّد عملياته العسكرية، مع إبقاء الميدان أداة ضغط تفاوضي لفرض شروطه، خاصة في ملف سلاح المقاومة، وتثبيت واقع عسكري وجغرافي جديد، مع توجيه رسالة بأن الرفض للشروط الإسرائيلية سيقابل بسياسة استنزاف تدريجي بدل حرب شاملة.

دلالات تتجاوز البعد الأمني

من جانبه، يؤكد الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية، رامي أبو زبيدة، أن تصاعد استهداف الاحتلال الإسرائيلي لعناصر الشرطة والمقار الأمنية والمركبات الشرطية في قطاع غزة يحمل دلالات تتجاوز البعد الأمني المباشر، موضحًا أن جهاز الشرطة، في ظل الحرب والانهيار الواسع للبنية المؤسساتية، لم يعد يؤدي دورًا أمنيًا تقليديًا فحسب، بل بات يشكل الركيزة الأساسية لتنظيم الحياة اليومية وتأمين المرافق، وإدارة الشؤون المدنية داخل القطاع. 

يقول أبو زبيدة لـ"الترا فلسطين" إن استهداف الشرطة يعكس محاولة إسرائيلية لإحداث فراغ أمني داخل قطاع غزة وتهديد الاستقرار المجتمعي، عبر إضعاف قدرة الأجهزة الشرطية على حفظ النظام، بما قد يفاقم الجريمة، مشيرًا إلى سعي الاحتلال لإنهاك البنية المدنية والأمنية وتقويض قدرتها على العمل.

يشير استهداف المركبات والمقار الشرطية إلى محاولة لتعطيل الأجهزة الأمنية وشل قدرتها الميدانية، وتقليص استجابتها في الملفات المرتبطة بضبط الأسواق وتأمين المساعدات الإنسانية وحل النزاعات الداخلية، ويُنظر إلى ذلك ضمن مساعٍ أوسع لمنع أي قدرة تنظيمية داخل غزة على استعادة الحد الأدنى من النظام العام.

ويشدد على أن المرحلة الحالية مقارنة مع الأسابيع الأولى التي أعقبت وقف إطلاق النار تبدو أكثر حساسية، مع عودة الاحتلال إلى تكثيف الضغط المباشر على الأجهزة الأمنية عقب ظهور مؤشرات على قدرتها، ولو بشكل محدود، على إعادة ترتيب المشهد الداخلي، ما يعكس توجهًا يستهدف منع أي تعافٍ أو استقرار للمؤسسات الأمنية في قطاع غزة.

ارتفاع متسارع في أعداد الشهداء

من جهته، يؤكد زاهر الوحيدي مدير وحدة المعلومات في وزارة الصحة بغزة، أن ارتفاع أعداد الشهداء بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة مقارنة بالأسابيع الأولى التي أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، مشيرًا إلى تصاعد تدريجي ومتسارع في وتيرة الاستهدافات الإسرائيلية، خاصة منذ مطلع العام الجاري.

يوضح الوحيدي لـ"الترا فلسطين" أن عدد الشهداء منذ بدء سريان الاتفاق بلغ نحو 925 شهيدًا، بينهم 247 طفلًا و191 امرأة، ما يعكس استمرار ارتقاء أعداد كبيرة من المدنيين.

ويضيف أن شهر نيسان/ أبريل الماضي كان الأكثر دموية منذ بدء الهدنة بتسجيل نحو 117 شهيدًا، مقارنة بـ79 شهيدًا في آذار/ مارس، فيما تتواصل خلال أيار/ مايو الحالي وتيرة القصف وارتفاع أعداد الضحايا بشكل متسارع.

ويبيّن المسؤول في وزارة الصحة أن هذا التصاعد يعكس، سياسة تصعيد تدريجية تهدف لفرض واقع إنساني وأمني أكثر قسوة على سكان القطاع، في ظل غياب ضغط دولي فعّال، مؤكدًا أن القطاع الصحي يعيش أوضاعًا كارثية مع استمرار الحصار ومنع إدخال الأدوية والمستلزمات.

سياسة ممنهجة

أما رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد) صلاح عبد العاطي، يؤكد أن سياسة الإخلاءات والإنذارات المتكررة التي ينفذها الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة تجاوزت نطاق الإجراءات العسكرية، لتتحول إلى سياسة ممنهجة لإدارة السكان بالقوة وإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي عبر التهجير الجماعي والترويع المستمر.

يوضح الحقوقي الفلسطيني لـ"الترا فلسطين" أن القانون الدولي الإنساني يجيز الإنذارات المسبقة للمدنيين لتقليل الخسائر، شرط توفر إخلاء آمن، إلا أن ما يجري في غزة، وفق قوله، يكشف استخدامها كأداة حرب في ظل غياب مناطق آمنة، واستمرار القصف أثناء النزوح، والحصار ومنع الغذاء والدواء.

وينبه إلى أن أوامر الإخلاء الواسعة والمتكررة، وإجبار المدنيين على النزوح المتكرر تحت القصف، تمثل انتهاكًا للمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر النقل القسري الجماعي للسكان المدنيين، كما تتعارض مع قواعد التمييز والتناسب والضرورة العسكرية في القانون الدولي الإنساني.

ويشير إلى أن الإنذار المسبق لا يعفي من المسؤولية القانونية عن استهداف المدنيين أو الأعيان المدنية، مؤكدًا أن المسؤولية تبقى قائمة في حال كان القصف عشوائيًا أو غير متناسب، أو عند غياب ممرات آمنة للإخلاء، فضلًا عن استهداف مناطق سبق توجيه السكان للنزوح إليها باعتبارها "آمنة".

ويضيف، أن هذه الممارسات قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، خاصة مع تنفيذها بصورة واسعة ومنهجية ضد المدنيين، كما أن اقتران الإخلاءات بسياسات التجويع والحصار ومنع المساعدات وتدمير مقومات الحياة قد يعزز التوصيف القانوني المرتبط بجريمة الإبادة الجماعية، إذا ثبتت نية التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية.

وفي السياق الإنساني، يشير المكتب الإعلامي الحكومي في إحصائية حديثة إلى أن الاحتلال واصل فرض قيود مشددة على دخول المساعدات والاحتياجات الأساسية إلى قطاع غزة، في ظل تفاقم الكارثة الإنسانية. وبيّن أن عدد الشاحنات التي سُمح بدخولها بلغ 97349 شاحنة تم الاتفاق عليها، بنسبة التزام لم تتجاوز 36%.

حصار المساعدات

يؤكد المختص الاقتصادي محمد بربخ أن قطاع غزة يعتمد بصورة شبه كلية على المساعدات الإنسانية، محذرًا من أن أي تراجع في عمل المؤسسات الإغاثية سينعكس مباشرة على الأوضاع المعيشية للسكان، عبر انخفاض المساعدات الغذائية والطبية وتراجع خدمات الإيواء والرعاية الصحية، ما يفاقم معدلات الفقر والجوع في ظل انهيار واسع للبنية التحتية والخدمات الأساسية.

وفي الوقت ذاته، رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية قبل أيام التماسًا قدمته منظمات إغاثية دولية عاملة في فلسطين، ومنحتها مهلة شهر لتسليم قوائم بأسماء موظفيها للحكومة الإسرائيلية أو وقف أنشطتها، في خطوة أثارت مخاوف من تضييق إضافي على العمل الإنساني داخل القطاع.

ويشير بربخ لـ"الترا فلسطين" إلى أن قرار إلزام المؤسسات الإنسانية بتقديم معلومات عن موظفيها يهدد استقلالية العمل الإغاثي، ويخلق مخاوف أمنية وقانونية لدى العاملين، الأمر الذي قد يدفع بعض المؤسسات إلى تقليص أنشطتها أو تعليق جزء من عملياتها، بما يعرقل وصول المساعدات إلى مستحقيها.

يوضح أن بعض المؤسسات بدأت بالفعل بخفض خدماتها نتيجة القيود الأمنية والإدارية، وصعوبة إدخال المساعدات والوقود، إضافة إلى الأزمات المالية واللوجستية التي تواجهها، ما أثر على قدرتها في الاستمرار بالوتيرة السابقة.

ويحذر من أن استمرار القيود على المعابر وحركة البضائع أدى إلى نقص حاد في السلع الأساسية وارتفاع كبير في الأسعار، إلى جانب اضطراب سلاسل التوريد وظهور السوق السوداء، ما ضاعف الأعباء الاقتصادية والمعيشية على المواطنين.

وبحسب بربخ أن المؤشرات الحالية تعكس تعمق الأزمة الإنسانية والاقتصادية في قطاع غزة، مع ارتفاع البطالة والفقر وتراجع القدرة الشرائية وتوقف قطاعات واسعة عن العمل، مؤكدَا أن القطاع يواجه انعدامًا خطيرًا للأمن الغذائي وسوء تغذية متزايدًا، وسط تحذيرات من الوصول إلى مرحلة المجاعة.

المصدر: الترا