غزة - زمن FM- غالبية الأنظمة الجديدة في الدول التي مرت بثورات أسقطت أنظمة، أو تلك التي تنتابها تظاهرات بين الحين والآخر ثم تعاود الخفوت تؤكد أن النساء يحظين بمكانة عظيمة، وينعمن بمكتسبات رائعة، وحققن مكانة لم تتحقق من قبل. أما الواقع الحال فيشير غالباً إلى تراجع لا إنجاز، وتدهور لا تحسن.
في تونس، حيث انطلقت شرارة الاحتجاجات العربية، كانت التونسيات في الصفوف الأمامية للأحداث. شاركت في التظاهرات وهتفت وغضبت والتزمت الشوارع والميادين، وواجهت ما واجهه الرجال.
وخلال احتجاجات يناير (كانون الثاني) عام 2011 في مصر، كانت المرأة المصرية في قلب ميدان التحرير، عند الخطوط الأمامية والخطوط الخلفية وفي قلب الميدان ظلت موجودة إلى نهاية الـ 18 يوماً. وتعرضت لترويع جماعات الإسلام السياسي، ولم يرهبها ذلك، ولاقت نصيبها من عنف المواجهات الأمنية، ومضت قدماً. وحين استدعى الأمر نزولها مجدداً عام 2013، لم تعاود الكرة فقط، بل اصطحبت معها الأمهات والجدات وأعضاء "حزب الكنبة" إنقاذاً للبلاد من حكم الجماعة.
ومع انطلاق أحداث ديسمبر (كانون الأول) عام 2018 في السودان، شكلت النساء السودانيات الجانب الأكبر في الاحتجاجات، وعلى رغم العنف والقمع واعتقال الآلاف منهن، فإنهن بقين في المقدمة إلى أن خرجت الأمور عن السيطرة، وتحولت الأحداث إلى حرب.
وفي اليمن، وعلى رغم العادات المحافظة والتقاليد الصارمة، خرجت النساء في الموجات الاحتجاجية والثورية المختلفة مرات عدة منذ عام 2011، مطالبات بالحرية والكرامة والكهرباء والغذاء والماء، وكلما ضاقت الحال باليمن وأهله وتفاقمت الأخطار والأهوال، خرجت المرأة اليمنية تهتف وتطالب من دون كلل أو خوف.
ومع بدايات الأحداث الاحتجاجية في سوريا، كانت المرأة السورية وقوداً محورياً وأداة فاعلة لتحريك الجموع، على رغم ما تعرضت له من قمع وترويع واعتقال وتهديد، إلى أن تحولت الثورة إلى اقتتال وجماعات مسلحة ووقوع مدن بأكملها في قبضة تنظيم "داعش"، ففرض الواقع الجديد قواعده على الجميع.
وفي إيران، تتبوّأ المرأة مكانة الصدارة خلال موجات الاحتجاجات التي تتفجر بين الحين والآخر، فتخرج وتهتف وتُقتل وتعتقل، ثم تنتظر الموجة المقبلة وهلم جرا.
خطوط أمامية تغذيها النساء
الخطوط الأمامية في الثورات والاحتجاجات لا تتوقف، والنساء لا يتوقفن عن الاندفاع نحو هذه الخطوط، وعلى رغم ذلك هن أول الخاسرات، أو في الأقل يعدن لبيوتهن من دون مكتسبات. في كل مرة، تتنافس العناوين على إبراز دور النساء. "المرأة المصرية في ميدان التحرير: صمود وشجاعة"، "المرأة اليمنية أيقونة الثورة ورمز التحدي"، "المرأة التونسية وقود ثورة الياسمين"، "انتفاضة النساء في إيران شعلة لا تنطفئ"، "على رغم التهديد والتشهير، المرأة العراقية في ساحات الاحتجاج"، "تضحيات المرأة السودانية تفوق الرجال في ساحات الاحتجاج" والأمثلة كثيرة ومتكررة ومستمرة، وهي ليست حكراً على المنطقة العربية، لكن اندفاع المرأة نحو الخطوط الأمامية في فعاليات التغيير ورغبات التخلص من الظلم أو القمع أو الفساد وآمال إعادة البناء على أسس أكثر عدلاً ومساواة سمة عالمية. إنها المشاركات الأكثر استحواذاً على اهتمام الإعلام، والأكثر جذباً للمشاهدات وإعادة المشاركة، والأكثر إثارة لسكان الأرض لأسباب مختلفة.
أما ما تؤول إليه أوضاع هؤلاء النساء أنفسهن بعد انتهاء الفعاليات الثورية وإسقاط النظام القديم وتدشين الجديد وتنظيف الشوارع وطلاء الواجهات وعودة الحياة لطبيعتها والناس لإيقاعهم اليومي، فيكاد أيضاً يكون صفرياً. نمط يشير إلى أن مكاسب النساء تقترب من الصفر، وأحياناً يفقدن حقوقاً كنّ حصلن عليها أثناء النظام الذي سقط.
عام 2012، وبعد ما كانت "ثورات" عدة قد تفجرت في عدد من الدول العربية، وقبل أن ينقسم العالم مؤيداً من دون شروط، ومشككاً يصر على أنها مؤامرة، ومتأرجحاً بين رغبة عارمة في التغيير وشعور خفي بأن جماعات وقوى خفية تنتظر اللحظة الحاسمة للقفز على الثورة وسرقة المكتسبات وإزاحة الآخرين من على الساحة، ولا سيما الأخريات، اعتقد كثرٌ بأن المرأة العربية آتية بكل ثقة وتأكيد، ووصل الأمر إلى درجة اليقين، وتحدث خبراء في العلوم السياسية والاجتماعية وقادة دول ومديرون أمميون بلهجة اليقين أن المرأة العربية التي ظلت مرابطة على الخطوط مقبلة بثقة وسرعة وكفاءة.
سودانيات فررن من الصراع في إقليم دارفور السوداني يحملن حطب الطهي على شاحنة صهريج المياه (رويترز)
الأمينة التنفيذية السابقة لـ"الإسكوا" ريما خلف تحدثت عام 2012 عن رؤيتها عن حال المرأة في أعقاب الثورات العربية، وأقرت بوجود حال من القلق حول ما ستؤول إليه أوضاعها، وأشارت إلى الأصوات التي كانت بدأت تتعالى محذرة من الأثر السلبي لهذه الثورات على المرأة وحقوقها، وتراجع إنجازات الماضي. وقالت إن "بعض القوى، ولا سيما في الأوساط العلمانية والنسائية، أخذت ترسم صورة قاتمة لآفاق النهوض بالمرأة في ظل التغيرات المجتمعية والسياسية التي نتجت من هذه الثورات". وتحدثت خلف عن وقوف وصمود المرأة في "ميادين التحرير" العربية، مع الرجال ضد الاستبداد والقهر، مشيرة إلى أن بعضهم يتخوف من غياب المرأة عن الترتيبات السياسية بعد الثورات، وحددت أربعة عوامل تؤدي إلى تصاعد هذه المخاوف، وهي ارتفاع منسوب التوقعات والتطلعات الشعبية في أعقاب الانتصار الأول للثورة، والتهميش النسبي للمرأة في بعض الترتيبات السياسية الانتقالية، والصعود الملحوظ للتيار الإسلامي على المشهد السياسي، وارتفاع أصوات متشددة تطالب بالتخلي عن المكتسبات التشريعية التي حققتها المرأة في ظل الأنظمة التي سقطت.
واللافت أن خلف لم تعتبر صعود تيارات الإسلام السياسي في دول "الربيع" تهديداً، بل رأت أنها (التيارات) التزمت تعهداتها بعدم المساس بالحريات الاجتماعية، مرجحة أن تسترشد الأحزاب الإسلامية الصاعد نجمها في الدول العربية بالإجماع الوطني على قيادة عملية الانتقال إلى الديمقراطية.
عودة للتهميش
ما حدث بعد ذلك معروف للجميع، فلا التعهدات احترمت، ولا المرأة حازت ما كانت تطمح إليه، بل يمكن القول إنها خسرت كثيراً من مكتسباتها السابقة. وعادت لبيتها أو عملها بعد "الثورة"، لتفاجأ أنه يجري تهميشها واستبعادها من صنع القرار، وأحياناً استهدافها بردود فعل عنيفة، تارة من قبل النظام الجديد الذي يعيد ترتيب أوراق نظام جديد قديم قائم على قيم ومبادئ الذكورية الكلاسيكية، أو عبر ولادة صراع من رحم الثورة والنساء الأكثر سداداً لفواتير الحروب، أو بفعل الاستعاضة عن جماعة أو تيار ديني محافظ بآخر أكثر محافظة لتهدئة الشارع الغارق في الأصولية، أو لإرضاء الأجيال الجديدة من المتدينين الجدد الذين يعتقدون بأن التزمت والتشدد والتطرف تشكل الحياة كما ينبغي أن تكون، أو إنه خليط من كل ما سبق.
إنها البطلة الضحية والمقدامة المهزومة والعورة الثورة. هي بطلة العمل الثوري المتحول "كومبارس" في ما بعد. هي رفيقة الميدان التي تشعله هتافاً واحتجاجاً، ثم تتحول بقدرة قادرة من قلب الثورة النابض إلى جسد وكيان يصارعان رجعية دينية تارة، وإقصاءً مجتمعياً تارة أخرى، وصراعاً من أجل البقاء بعيداً من الهامش دائماً.
وكشف استطلاع رأي أجراه "الباروميتر العربي" (شبكة بحثية لقياس توجهات الرأي العام) لعام 2023 -2024 عن تحول ملحوظ في اتجاهات الرأي في ما يختص بدور المرأة ومكانتها في عدد من الدول العربية هي فلسطين والأردن والكويت وموريتانيا ولبنان وتونس والمغرب، مقارنة بعام 2021 - 2022.
وشهدت معدلات تأييد فكرة أن "الرجال أفضل من النساء في المناصب السياسية" زيادة في كل الدول، ما عدا فلسطين. وأقبلت النساء في غالبية هذه الدول بقدر أكبر من الرجال على تأييد فكرة أن الرجال أفضل في تقلد المناصب السياسية، وإن ظلت نساء هذه الدول الأكثر ميلاً إلى رفض فكرة تفوّق الرجال. وقال عدد كبير من المستطلعة آراؤهم في خمس من الدول السبع أن العنف الممارس ضد النساء زاد عما كان عليه من قبل.
كانت التونسيات في الصفوف الأمامية للاحتجاجات (رويترز)
غالبية الأنظمة الجديدة في الدول التي مرت بثورات أسقطت أنظمة، أو تلك التي تنتابها تظاهرات بين الحين والآخر ثم تعاود الخفوت تؤكد أن النساء يحظين بمكانة عظيمة، وينعمن بمكتسبات رائعة، وحققن مكانة لم تتحقق من قبل. أما الواقع الحال فيشير غالباً إلى تراجع لا إنجاز، وتدهور لا تحسن. ويُلاحظ أيضاً أن صاحبات الشأن أنفسهن ينتابهن أحياناً شعور بأنه ليس في إمكانهن طلب المزيد، أو أنهن لا يستحققن وضعاً أفضل، أو أن الهم طاول الجميع، رجالاً ونساءً وعلى المتضرر التزام الصمت. وفي أحوال أخرى، تتزعم النساء أنفسهن مسيرة الرضا بالحقوق المتراجعة والمكانة المتدهورة، تحت راية "التكريم"، أو التأجيل، أو إعادة ترتيب الأولويات.
وثبت أن إعادة البناء في ما بعد الثورات تأتي عادة على حساب حقوق النساء، أو أنقاضها. فأولويتا تحقيق الأمن وإنقاذ الاقتصاد تهيمنان لأعوام، مما يدفع النساء عادة إلى العودة للمربع صفر، أو ما قبل الصفر. وأثناء العودة، لا تلتفت الغالبية، بما في ذلك النساء أنفسهن للمطالبة بحقهن في ممارسة الحقوق وتقلد المناصب السياسية. وغالباً يكتفين بأقل القليل ومعظمه في الهامش.
وفي هذا الهامش تنمو وتزدهر النزعات المحافظة بأنواعها، وفي المنطقة العربية، غالباً تكون النزعة الدينية شديدة المحافظة، إضافة إلى بذور المجتمع الأبوي الذي يسيطر فيه الرجل على السلطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية السمة الغالبة، وهي السمة التي تتنكر في هيئة قوة إصلاح فاعلة بعد الاضطرابات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكبرى، وكذلك الحروب والنزاعات.
معاودة اعتناق هذه النزعات المحافظة، واستمرارها على مدى "أعوام إعادة البناء" أو "المرحلة الانتقالية" يؤديان إلى إعادة إنتاج دعائم المجتمع المحافظ أو المتشدد الذي تمثل فيه المرأة دور البطولة، وهلم جرا.
المجتمعات المحافظة قوامها المرأة، فهي الأكثر تأثيراً ولو من خلف الأبواب المغلقة، والأكثر ظهوراً من خلال رسائل واضحة يجري إشهارها عبر أكواد ملابس بعينها، مما يرسخ الإطار العام للمجتمع "المحافظ" الجديد خلال أعوام ما بعد الثورة. ويجري استخدامهن لتعزيز هذه القواعد المحافظة، بدلاً من تحديها، لحين إشعار ثوري آخر.
المصدر :

