كشف الأستاذ المشارك في كلية الصيدلة بجامعة القدس، الدكتور يوسف نجاجرة، عن تقدم مشروع بحثي فلسطيني مشترك لتطوير تقنية نانوية تتيح نقل دواءين معًا إلى المواقع العلاجية المستهدفة، مشيرًا إلى تحقيق نتائج أولية وصفها بالمبشرة، والعمل على تقييم الجوانب الابتكارية للمشروع، تمهيدًا لاحتمال تقديم طلب براءة اختراع مشتركة.
جاء ذلك خلال مقابلة إذاعية ، الخميس 29 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تحدث فيها نجاجرة عن أحدث أبحاثه في تطوير الأدوية، والجهود العلمية الرامية إلى تحسين فاعلية العلاجات وتقليل آثارها الجانبية، إلى جانب إدراج اسمه ضمن «أطلس أعلام فلسطين» تقديرًا لمسيرته البحثية.
وأوضح نجاجرة أن المشروع الجديد يجمع جامعة القدس وجامعة النجاح الوطنية وشركة بيت جالا للصناعات الدوائية، ويستند إلى استخدام تقنية النانو لتطوير نظام قادر على حمل دواءين في الوقت نفسه، بهدف تحسين توصيلهما إلى المواقع العلاجية المستهدفة.
وقال إن الفريق البحثي استخدم الأدوية المضادة للفطريات نموذجًا لتطبيق التقنية، في ظل الحاجة إلى تحسين الخيارات العلاجية للمرضى الأكثر عرضة للعدوى الفطرية، ومن بينهم بعض مرضى السرطان الذين يعانون ضعف المناعة نتيجة المرض أو العلاجات المستخدمة.
وأشار إلى أن الباحثين نجحوا في تحميل دواءين معًا باستخدام تقنية النانو، وأن النتائج التي توصلوا إليها حتى الآن مشجعة، مؤكدًا أن المشروع لا يزال في مرحلة البحث والتقييم العلمي.
وأضاف أن الفريق يدرس الجوانب الابتكارية للتقنية تمهيدًا لاتخاذ الخطوات المتعلقة بحماية الملكية الفكرية، معربًا عن أمله في التقدم بطلب براءة اختراع مشتركة بين المؤسسات الثلاث المشاركة في المشروع.
ثلاثة مسارات بحثية لتطوير أدوية السرطان
وتطرق نجاجرة إلى البرامج البحثية التي يعمل عليها منذ سنوات في جامعة القدس، موضحًا أنها تركز على تطوير علاجات أكثر فاعلية وأقل سمية، والتغلب على بعض التحديات المرتبطة بالأدوية المستخدمة حاليًا في علاج السرطان.
وبيّن أن المسار الأول يتمثل في اكتشاف وتصميم مركبات دوائية جديدة، بدءًا من التصميم باستخدام الحاسوب، مرورًا بتحضيرها داخل المختبرات، وصولًا إلى دراسة فاعليتها على الخلايا السرطانية، ثم الانتقال إلى التجارب على النماذج الحيوانية عند توافر الشروط العلمية اللازمة.
أما المسار الثاني، فيركز على تحسين خصائص الأدوية الموجودة، بهدف تقليل آثارها السامة وزيادة فاعليتها، خصوصًا أن بعض علاجات السرطان قد تتسبب في مضاعفات تؤثر في الكلى أو الأعصاب أو أعضاء أخرى.
وأوضح أن تحديًا بحثيًا آخر يتمثل في مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج، إذ قد يستجيب المريض لبروتوكول دوائي في مرحلة معينة، قبل أن تتراجع استجابته لاحقًا، ما يستدعي البحث عن مركبات وآليات علاجية جديدة.
وأشار إلى أن المسار الثالث يرتبط بتطوير أنظمة نقل الأدوية وتوجيهها إلى المواقع المستهدفة داخل الجسم، وهو المجال الذي يجري العمل فيه حاليًا ضمن المشروع المشترك باستخدام تقنية النانو.
الذكاء الاصطناعي يدخل أبحاث تطوير الأدوية
وأكد نجاجرة أهمية إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي في عمليات تصميم وتطوير الأدوية، موضحًا أن هذه التقنيات يمكن أن تساعد الباحثين على تحليل المركبات الكيميائية ودراسة خصائصها واختيار المرشحين الأكثر ملاءمة للتجارب.
وقال إن توظيف الذكاء الاصطناعي بصورة علمية مدروسة قد يسهم في اختصار مراحل من البحث والتطوير وتقليل التكاليف المرتبطة بها، دون أن يلغي الحاجة إلى التجارب المخبرية والاختبارات اللازمة للتحقق من سلامة الأدوية وفاعليتها.
وشدد على أن تطوير الأدوية عملية طويلة ومعقدة، تتطلب استثمارات مالية وعلمية وبشرية، وقد تستغرق سنوات قبل الوصول إلى نتائج قابلة للتطبيق الطبي.
وأضاف أن التقدم الذي أحرزته الأبحاث العالمية أتاح تحسين فرص علاج أنواع مختلفة من السرطان، كما ساعد على تحويل بعض الحالات إلى أمراض يمكن السيطرة عليها لفترات طويلة، بفضل التطور المستمر في العلاجات.
إدراج نجاجرة في أطلس أعلام فلسطين
وفي جانب آخر من المقابلة، أعرب نجاجرة عن اعتزازه بإدراج اسمه ضمن «أطلس أعلام فلسطين»، موضحًا أنه اكتشف وجود اسمه في المنصة أثناء بحثه عن مراجع إلكترونية تتناول مسيرته العلمية.
وقال إنه فوجئ بهذا الإدراج، وشعر بالفخر عندما اطلع على الأسماء المدرجة، التي تضم شخصيات فلسطينية من مجالات علمية وثقافية ومهنية مختلفة، ومن داخل فلسطين والشتات.
وأوضح أن المنصة تضم، بحسب ما اطلع عليه، نحو 250 شخصية فلسطينية، بينها 13 شخصية في فئة العلوم والصحة التي أُدرج اسمه ضمنها.
وأشاد بالقائمين على المبادرة، معتبرًا أن إبراز التجارب العلمية الفلسطينية وتوثيق إنجازات أصحابها يمثل تقديرًا معنويًا مهمًا للباحثين، ويسهم في تعريف الأجيال الجديدة بالنماذج العلمية الفلسطينية.
ولفت إلى أن وجود اسمه إلى جانب باحثين وعلماء بارزين شكّل بالنسبة إليه مصدر اعتزاز ومسؤولية لمواصلة العمل البحثي وتطوير المعرفة العلمية.
البحث العلمي رافعة للتنمية الفلسطينية
وأكد نجاجرة أن تطوير البحث العلمي في فلسطين والعالم العربي يتطلب استثمارات مستدامة في المختبرات والكوادر البشرية والبنية التحتية العلمية، إلى جانب تعزيز التعاون بين الجامعات والمؤسسات الصناعية.
وأشار إلى أن المساهمات العربية في تطوير الأدوية لا تزال، من وجهة نظره، دون المستوى المأمول، رغم وجود كفاءات علمية قادرة على تقديم إسهامات أكبر إذا توفرت لها الإمكانات والدعم.
وشدد على أن أهمية البحث العلمي لا تقتصر على الاكتشافات الطبية، بل تمتد إلى تحسين حياة الإنسان وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية والفكرية.
واختتم نجاجرة حديثه بالتأكيد على أن تخفيف معاناة المرضى يمثل إحدى القيم الأساسية للبحث العلمي، داعيًا إلى الاستثمار في العقول والقدرات البحثية الفلسطينية، باعتبارها ركيزة لتطوير الصناعات الدوائية وبناء اقتصاد قائم على المعرفة.
وتأتي هذه التصريحات في سياق مسيرة بحثية طويلة لنجاجرة في مجال الكيمياء الطبية وتطوير المركبات المضادة للسرطان، سبق أن تضمنت تقديم طلبات لحماية ابتكارات دوائية، من بينها مركبات بحثية تستهدف مقاومة الخلايا السرطانية للعلاجات المعروفة.
