كتب حيدر العيلة ... المذهبية من جديد لمساندة الاستبداد

بقلم: حيدر العيلة 

غزة - فلسطين

حين يتحوّل الدين إلى أداة للتحريض المذهبي، وتُختزل السياسة في صراع بين السُنّة والشيعة، نكون أمام واحدة من أخطر صور التخلف الفكري الذي يفتك بالأمة، ويمزّق شعوبها، ويحوّل الاختلاف في المعتقد إلى وقود للحروب والعداوات.

أن يؤيد أحد مشايخ السنّة، ياسر برهامي، دعم السعودية في مواجهة الحوثيين، مستنداً إلى خطاب مذهبي يختزل الصراع في مواجهة بين "أهل السنة" و"أهل الرافضة"، وأن يشيد بالموقف المصري الداعم للمملكة بهذا المنطق، فذلك يكشف كيف يمكن أن تُستدعى المذهبية لتبرير مواقف سياسية وعسكرية، بدلاً من إخضاعها لمعايير الحق والعدل ومصالح الشعوب.

هذه ليست غيرة على الدين، بل انزلاق خطير إلى مستنقع الطائفية التي حوّلت الاختلاف المذهبي إلى عداوة، وجعلت أبناء الدين الواحد أعداء، فيما يُعفى المستبدّ من المحاسبة، وتُمنح الأنظمة العميلة صكوك البراءة لمجرد أنها تنتمي إلى المذهب نفسه.

ومن قال إن آل سعود على حق في محاربة أنصار الله؟ وهل يكفي أن يكون طرف ما سنّياً حتى يصبح موقفه صحيحاً، ويصبح خصمه عدواً يستحق الحرب؟

أيّ عقل هذا الذي يرى في المذهب معياراً للولاء والعداء، لا في المواقف والسياسات؟ وأيّ وعي هذا الذي يقبل بتعبئة الناس مذهبياً، ويختزل حرباً معقّدة في صراع بين السنّة والشيعة، وكأن التاريخ والسياسة والمصالح الإقليمية لا وجود لها؟

وأيّ منطق هذا الذي يجعل الانتماء المذهبي أهم من دماء الناس وحقوقهم، ويُسقط عن الأنظمة مسؤولية سياساتها لمجرد أنها ترفع شعاراً مذهبياً يتوافق مع هوى أصحاب الخطاب؟

أين كانت هذه الغيرة حين أُبيد الشعب الفلسطيني في غزة؟

ولم نسمع لهذا الشيخ صوتاً يوازي حماسته المذهبية في نصرة الشعب الفلسطيني المسلم، وهو يتعرض للإبادة على يد الاحتلال الصهيوني، الذي يحتل أرضه ويقتل أبناءه ويدمّر بيوته.

أين كانت هذه الغيرة على الدين حين كانت دماء الفلسطينيين تُسفك، وأطفالهم يُقتلون، ونساؤهم يُفجعن، ومدنهم تُسوّى بالأرض؟ وأين كانت الحماسة التي نراها اليوم في التعبئة ضد أنصار الله، حين كان الشعب الفلسطيني يواجه آلة القتل والتدمير، ويستغيث بأمته طلباً للنصرة والحماية؟

أم أن الحميّة الدينية لا تُستدعى إلا حين يتعلّق الأمر بخلاف مذهبي، بينما تخفت الأصوات حين تكون الضحية فلسطينية والقاتل صهيونياً؟

أيّ مفارقة هذه؟ أن ترتفع الأصوات دفاعاً عن أنظمة وحسابات إقليمية، بينما لا نرى الحماسة ذاتها في الدفاع عن شعب مسلم يُقتل تحت الاحتلال، ويُحاصر، ويُحرم من أبسط حقوقه الإنسانية والوطنية!

إن الدين الذي يُستدعى لتبرير الحرب على أبناء الأمة، ثم يغيب عن نصرة المظلومين، يتحوّل في الخطاب السياسي إلى أفيون لتغييب الشعوب وتخدير وعيها؛ يُوظَّف حين يخدم حسابات النظام السياسي، ويُهمَّش حين تتعارض مبادئه مع مصالح السلطة وتحالفاتها.

من يخدم هذا الخطاب؟

كيف يؤيد هؤلاء المعلّقون كلام الشيخ لمجرد أنه رجل دين سنّي، دون تمحيص أو مراجعة أو محاولة لفهم حقيقة الصراع وأبعاده السياسية؟ كيف يصفّقون للدعوة إلى دعم السعودية عسكرياً، دون أن يسألوا عن تاريخ الحرب في اليمن، وعن كلفتها الإنسانية، وعن مسؤولية أطرافها، وعن الثمن الذي دفعه الشعب اليمني طوال سنوات الصراع من قتل وحصار؟

ألا يدرك هؤلاء أن الحرب في اليمن لا يمكن اختزالها في صراع مذهبي، وأن التدخل السعودي فيها ارتبط بحسابات إقليمية ودولية، وأن العلاقة الاستراتيجية الوثيقة بين الرياض وواشنطن تفرض التساؤل عن المصالح التي تخدمها السياسات والتحالفات العسكرية في المنطقة؟

لقد ارتبطت السعودية بعلاقات استراتيجية وسياسية وعسكرية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، فيما تطرح التطورات الإقليمية المتجددة أسئلة جدية حول تقاطعات المصالح بين السعودية وإسرائيل في مواجهة الحوثيين. وقد تناولت تقارير صحفية حديثة هذه التقاطعات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود تحالف عسكري معلن بين الطرفين.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل يجوز أن نؤيد حرباً أو تدخلاً عسكرياً لمجرد أن الطرف الذي نسانده ينتمي إلى مذهبنا، من دون أن نفحص أهداف الحرب، ونتائجها، والجهات المستفيدة منها؟

حين يصبح التصفيق بديلاً عن التفكير

إن المأساة الحقيقية ليست في اختلاف المذاهب، بل في تعطيل العقل وتسليم الوعي للخطاب الطائفي، والتصفيق لكل من يتحدث باسم الدين دون تمحيص أو مساءلة.

فليس كل من ارتدى عباءة الدين معصوماً من الخطأ، وليس كل من رفع شعار المذهب على حق، ولا يجوز أن تتحول العقيدة إلى غطاء لتبرير الحروب أو تبييض سياسات الأنظمة المستبدة، أو إعفاء أصحاب السلطة من المساءلة.

والأخطر من خطاب الشيخ نفسه أن يتلقّاه بعض المعلّقين بالتأييد المطلق، من دون أن يناقشوا مضمونه أو يسألوا عن نتائجه. فهل أصبح الانتماء المذهبي كافياً لإقناع الناس بصحة أي موقف؟ وهل بات المطلوب من الإنسان أن يصفّق لمن يتحدث باسم جماعته، بدلاً من أن يفكر ويسأل ويبحث عن الحقيقة؟

إن العقل الذي يتخلى عن حقه في السؤال، ويستبدل النقد بالتقليد، يصبح فريسة سهلة لكل خطاب تعبوي. وحين تتحول المذهبية إلى معيار للحكم على الناس والمواقف، يصبح من السهل تحريض الشعوب بعضها على بعض، بينما تنجو الأنظمة المستبدة وأصحاب المصالح من المساءلة.

إن أخطر صور التخلف ليست أن يجهل الإنسان حقيقة ما يجري فحسب، بل أن يرفض البحث عنها، وأن يتعامل مع الشعارات المذهبية باعتبارها حقائق نهائية لا يجوز مناقشتها.

وحين يصبح الانتماء المذهبي أهم من دماء الناس، وحين يُصفّق المرء للدعوة إلى الحرب دون أن يسأل عن أهدافها ومن المستفيد منها، لا تعود الطائفية مجرد انحراف في التفكير، بل تصبح أداة لتغييب الوعي وتفكيك المجتمعات.

فالأمة التي تجعل المذهب فوق الإنسان، والولاء الطائفي فوق العدالة، والشعارات فوق الحقائق، تفتح أبوابها للاستبداد والتدخل الخارجي، وتمنح خصومها فرصة استنزافها من الداخل.

فكفانا استغفالاً باسم الدين، وتعبئة باسم المذهب، وتبريراً للحروب باسم العقيدة. إن كرامة الشعوب لا تُصان بالتعصب، والدين لا يُنصر بإشعال الفتن، والأوطان لا يحميها تعطيل العقول.

السؤال الذي ينبغي أن يواجه كل من يصفّق لهذا الخطاب: لو كان الطرفان من مذهب واحد، فهل كنت ستؤيد الحرب بالقدر نفسه؟ وإذا كان جوابك لا، فبأي حق تجعل المذهب بديلاً عن العقل والعدل والضمير؟