عبد العاطي: إسرائيل تعطل خطة غزة وتدفع المشهد نحو الانفجار.. لا نزع للسلاح بلا انسحاب ولا فصل للقطاع عن الضفة

حمّل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إسرائيل مسؤولية تعطيل الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية الخاصة بقطاع غزة، محذرًا من أن استمرار الجمود، بالتوازي مع القيود على المساعدات والاعتداءات المتصاعدة في الضفة الغربية، يضع الوضع الفلسطيني أمام احتمالات انفجار جديد.

وقال عبد العاطي، في مقابلة رصدتها "زمن إف إم" عبر  قناة "الغد" على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إن القاهرة "لم تلمس موقفًا إيجابيًا" من الجانب الإسرائيلي حيال تنفيذ المرحلة الثانية، رغم ما وصفه بتقدم كبير في موقف الفصائل الفلسطينية بشأن تسليم السلاح.

وتتقاطع تصريحات الوزير مع مواقف أعلنها خلال الأيام الأخيرة في نيويورك، أكد فيها ضرورة الانتقال إلى المرحلة الثانية بما يشمل الترتيبات الأمنية والحوكمة والانسحاب الإسرائيلي وبدء التعافي المبكر وإعادة الإعمار، مع تمسك القاهرة بوحدة قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية.

القاهرة: لا يمكن فصل نزع السلاح عن الانسحاب

وشدد عبد العاطي على أن مصر ترفض التعامل مع نزع سلاح الفصائل باعتباره استحقاقًا منفصلًا يسبق بقية بنود الخطة، مؤكدًا أن القاهرة ترى المرحلة الثانية "حزمة مترابطة" تشمل تسليم السلاح بالتوازي مع انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي، وبدء التعافي المبكر، وتدفق المساعدات، وإعادة الإعمار.

وقال إن "لا يمكن أخذ عنصر وإهمال العنصر الآخر"، موضحًا أن نزع السلاح مرتبط بالانسحاب الإسرائيلي من القطاع وبإعادة تأهيل المستشفيات والمدارس والعيادات وإزالة الركام وبدء مشاريع التعافي.

وكان عبد العاطي قد أكد في تصريحات سابقة أن المرحلة الثانية تشمل جمع وحصر السلاح بالتوازي مع تحقيق الانسحاب الإسرائيلي وإدخال المساعدات، فيما تحدثت القاهرة عن ترتيبات انتقالية تنتهي في 31 ديسمبر/كانون الأول 2027، تعقبها عودة السلطة الفلسطينية إلى إدارة القطاع مطلع 2028.

وتستند الترتيبات الانتقالية إلى قرار مجلس الأمن رقم 2803 لعام 2025، الذي أيد الخطة الشاملة الخاصة بغزة ونص على ترتيبات انتقالية تشمل قوة استقرار دولية وإدارة فلسطينية انتقالية إلى حين استعادة السلطة الفلسطينية إدارة القطاع.

"لا شريك إسرائيليًا حاليًا لتنفيذ الخطة"

وقال عبد العاطي إن المشكلة الأساسية في المرحلة الراهنة ليست في ترتيب أولوية الانسحاب أو تسليم السلاح، بل في غياب رد إسرائيلي إيجابي على التحرك نحو المرحلة الثانية.

وأوضح أن المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر أجرى محادثات في القاهرة مع قيادة حركة حماس وتلقى، بحسب قوله، إجابات إيجابية، قبل أن ينتقل إلى إسرائيل من دون أن يقابل ذلك موقف مماثل من الحكومة الإسرائيلية.

وأضاف أن المبررات المرتبطة بالانتخابات الإسرائيلية تعطل أي تحرك في الوقت الراهن، محذرًا من أن استمرار ذلك "لا يؤدي فقط إلى الجمود، وإنما يرفع احتمالات انفجار الموقف على الأرض".

وكان الوزير المصري قد قال في تصريحات أخرى هذا الشهر إن إسرائيل تعطل استكمال الخطة الأمريكية، وإن القاهرة ترى ضرورة وقف ما وصفه بـ"الضم الصامت" للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية.

غزة والضفة في قلب التحذير المصري

وربط عبد العاطي بين تعطيل المسار السياسي واستمرار الأوضاع الميدانية المتدهورة في غزة والضفة الغربية.

وقال إن القطاع لا يزال يعاني أوضاعًا إنسانية وصفها بالكارثية، مع استمرار القيود على التدفق الكامل للمساعدات، مشيرًا إلى أن حجم الإمدادات لم يصل بعد إلى المستوى الذي تنص عليه الترتيبات الإنسانية المرتبطة بالخطة.

وفي الضفة الغربية، تحدث الوزير عن اعتداءات يومية للمستوطنين واستمرار النشاط الاستيطاني، معتبرًا أن هذه التطورات تزيد احتمالات تفجر الوضع.

وتدعم بيانات الأمم المتحدة توصيف اتساع الضغوط في الضفة، إذ سجل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أكثر من 1600 اعتداء للمستوطنين منذ بداية 2026 حتى منتصف سبتمبر/أيلول أسفرت عن إصابات أو أضرار بالممتلكات، بمعدل نحو 6.7 اعتداءات يوميًا، مقارنة بخمسة يوميًا خلال 2025. كما أدت اعتداءات المستوطنين والقيود المرتبطة بها إلى الجزء الأكبر من حالات التهجير المسجلة في الضفة خلال العام.

أما في غزة، فتشير تقارير حديثة إلى استمرار سيطرة إسرائيل على أكثر من 60% من مساحة القطاع، رغم وقف إطلاق النار، بما يحد من مساحة الحركة والإعمار وعودة السكان إلى مناطق واسعة.

تعويل مصري على واشنطن

ورغم انتقاده الموقف الإسرائيلي، قال عبد العاطي إن القاهرة لا تزال تعول بصورة أساسية على الإدارة الأمريكية لدفع تنفيذ الخطة.

وأوضح أنه أجرى اتصالات مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ووفود أمريكية رفيعة المستوى، مؤكدًا أن مصر تطالب واشنطن بضمان تنفيذ الاستحقاقات المتبادلة وعدم الاكتفاء بخطوات من الجانب الفلسطيني وحده.

وقال: "إذا كان الجانب الفلسطيني قد استعد لتنفيذ استحقاقاته، فيتعين على الجانب الآخر تنفيذ استحقاقاته".

وأضاف أن كون الخطة مطروحة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يجعل واشنطن، من وجهة نظر القاهرة، مطالبة باستخدام نفوذها لضمان تنفيذها على الأرض.

وكان عبد العاطي قد أعلن في وقت سابق أن مصر تثق في قدرة الإدارة الأمريكية على دفع تنفيذ الخطة، بالتوازي مع تحركات عربية وإسلامية وأوروبية لتثبيت وقف إطلاق النار ودعم المرحلة الثانية.

انتخابات فلسطينية وعودة السلطة إلى غزة

وفي ملف الحوكمة الفلسطينية، أكد وزير الخارجية المصري أن القاهرة تنظر إلى اللجنة الفلسطينية المقرر أن تتولى إدارة قطاع غزة باعتبارها ترتيبًا انتقاليًا وليس بديلًا دائمًا من السلطة الفلسطينية.

وقال إن التصور يقوم على انتقال إدارة القطاع خلال المرحلة المؤقتة إلى اللجنة، بالتوازي مع تمكين السلطة الفلسطينية، على أن تعود الأخيرة إلى تولي مسؤولياتها في غزة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.

ورحب بإجراء انتخابات فلسطينية تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، معتبرًا إياها جزءًا من عملية "تجديد الشرعية" وتنفيذ الإصلاحات داخل السلطة الفلسطينية.

وشدد عبد العاطي على أن القاهرة تتمسك بوحدة الأراضي الفلسطينية، وترفض أي فصل سياسي أو إداري دائم بين غزة والضفة الغربية.

ويتطابق ذلك مع الموقف الذي عرضه في اجتماع "التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين" في نيويورك، حيث أكد دعم مصر لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ورفض الضم والتهجير والاستيطان.

القاهرة: الإعمار لا ينفصل عن الانسحاب

وفي رده على سؤال بشأن إمكانية بدء إعادة إعمار غزة في ظل بقاء السيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة من القطاع، قال عبد العاطي إن التنفيذ يجب أن يبدأ بالتوازي بين الانسحاب وتسليم السلاح.

وأوضح أن المرحلة الأولى من التعافي تشمل إزالة الركام وإعادة تأهيل المنشآت الصحية والتعليمية والخدمات الأساسية، يعقبها تنفيذ خطة إعادة الإعمار الشاملة مع تحقق قدر أكبر من الاستقرار.

واستضافت مصر في نيويورك هذا الأسبوع اجتماعًا دوليًا حول التعافي المبكر في غزة بمشاركة ألمانيا وفرنسا والمفوضية الأوروبية، في إطار محاولة حشد التمويل والدعم الدولي للمرحلة التالية لوقف إطلاق النار.

رفض الضم والتهجير

وجدد الوزير المصري التأكيد على رفض القاهرة أي ضم للأراضي الفلسطينية أو تهجير للفلسطينيين، وقال إن هذه المبادئ كانت ضمن التفاهمات السياسية التي ناقشها ترامب مع القادة العرب والمسلمين.

وتكرر القاهرة منذ بدء الحرب تأكيد أن التهجير يمثل "خطًا أحمر"، وأن أي تسوية يجب أن تحافظ على الارتباط السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

عبد العاطي: كلفة تعطيل المسار لن تبقى فلسطينية

وحذر وزير الخارجية المصري من أن استمرار عدم تنفيذ التفاهمات لن تقتصر تداعياته على الفلسطينيين وحدهم، بل سيمتد إلى الاستقرار الإقليمي بأكمله.

وقال إن اتساع الاستيطان واعتداءات المستوطنين في الضفة، بالتزامن مع بطء الإغاثة وإعادة الإعمار في غزة، يخلق واقعًا مرشحًا لمزيد من التصعيد.

وتظهر بيانات الأمم المتحدة أن اعتداءات المستوطنين وعمليات الجيش وهدم الممتلكات وقيود الحركة باتت من أبرز أسباب النزوح وتعطيل الوصول إلى الخدمات الأساسية في الضفة الغربية خلال 2026.

وفي المحصلة، عكست تصريحات عبد العاطي تصورًا مصريًا يقوم على أن الأزمة لم تعد مرتبطة بانتزاع التزام فلسطيني إضافي بقدر ما ترتبط، بحسب القاهرة، بتنفيذ متزامن للاستحقاقات: تسليم السلاح، انسحاب قوات الاحتلال، دخول قوة الاستقرار، إدارة فلسطينية انتقالية، تدفق المساعدات، ثم التعافي وإعادة الإعمار وعودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة.

وتراهن القاهرة في ذلك على ضغط أمريكي قادر على نقل الخطة من التفاهمات السياسية إلى التنفيذ، فيما تحذر من أن استمرار تعطيلها، وسط التدهور في غزة وتصاعد العنف والاستيطان في الضفة، قد يعيد القضية الفلسطينية إلى دائرة مواجهة أوسع.