مشروع الاقتصاد الوطني الفلسطيني بين تحديات الانفكاك الاقتصادي وواقع الاتحاد الاقتصادي

الخلاصة

أعلنت الحكومة الإسرائيلية ومصرفاها عن تأجيل تنفيذ تهديدهما المتكرر بقطع العلاقات المراسلة مع المصارف الفلسطينية، رغم أن هذا التهديد يُستدعى كل ستة أشهر لتوسيع الضغوط على السلطة الفلسطينية. وتفاقمت الأزمة بسبب تراكم شيكل نقدي في السوق الفلسطيني وعدم قدرة إسرائيل على تحويله إلى عملات صعبة، ما يهدد ما يصل إلى 60 % من الناتج القومي الفلسطيني المرتبط بالمعاملات الإسرائيلية، مما يدفع الفلسطينيين إلى البحث عن حلول مالية بديلة.
 ملخص بالذكاء الاصطناعي. 

في تطور شغل بال المسؤولين والخبراء الماليين والمصرفيين في فلسطين منذ فترة، وصلت خفاياه إلى العواصم المالية العالمية، أجلت الحكومة الإسرائيلية ومصرفين إسرائيليين تنفيذ التهديد (المتكرر منذ ٣ سنوات) بقطع العلاقات المراسلة مع المصارف الفلسطينية. يطل هذا التهديد كل ستة أشهر تقرياً بقرار من وزير المالية الإسرائيلي الفاشي سموتريش عندما يحتاج إلى توسيع حربه ضد السلطة الفلسطينية أو انتزاع مساومة معينة من نتنياهو تسمح له بتوسيع عدوانه الاستيطاني. طبعاً تراجع سموتريش عدة مرات قبل هذا أمام الضغط الأميركي، ومع أنه سيتم إعادة دراسة الموضوع إسرائيلياً قبل نهاية العام، ربما مع خروجه المحتمل من الحكم بأقل من شهرين، فإن احتمال تنفيذ التهديد سيتراجع.

ما هو لافت في التعامل الرسمي والمصرفي الفلسطيني مع هذا التهديد المتكرر أنه اعتبر وشيك لعدة أسابيع مسبباً بلبلة في بيئة الأعمال. هذا إلى جانب ما تسببه مشكلة هيكلية أخرى من أزمة مالية وتجارية، وهو تكدس عملة الشيكل (كاش) في السوق الفلسطيني وعدم استعداد إسرائيل بشحنها لتحويلها إلى أرصدة بالعملات الصعبة للبنوك الفلسطينية. لا يأتي القلق المالي الفلسطيني من فراغ، حيث ما يقدر ٥٠-٦٠ ٪ من الناتج القومي الفلسطيني (ما يعادل ٩$ مليار) مرتبط بالمعاملات بالشيكل مع الجانب الإسرائيلي، من أموال مقاصة ضريبية إلى أجور عمال داخل إسرائيل وصولاً إلى جزء كبير من الواردات السلعية والطاقة. كما تعلم كل أفراد الشعب الفلسطيني خلال سنوات الإبادة والاستيطان التي رعاها هؤلاء المستعمرين، أنه من المفضل اخذ كلمات وخطط وتهديدات على محمل الجد. دفعت هذه الأزمة الأخيرة مؤسسات السلطة للنظر في خطط نقدية ومالية بديلة في حال أقدمت إسرائيل على قطع العلاقة.

بعيداً عن الخلفية السياسية لهذه الأزمات الاقتصادية والمالية، فإن نظرة "سياساتية" لإشكاليات العلاقة الاقتصادية الفلسطينية الإسرائيلية في مختلف جوانبها (تجارة وعمالة ونقد)، واستذكار الخلفية التاريخية لهذه العلاقة، تروي رواية ثانية حول اتجاه العلاقة الاقتصادية والخيارات المتاحة لفلسطين. هنا نقصد أن تكرار التراجع الإسرائيلي في هذه الحالة ليس بالضرورة لأسباب سياسية، على أهميتها، بل اقتصادية هيكلية لا يستطيع تجاوزها سموتريش نفسه.

من هنا تأتي ضرورة إعادة النظر فيما يطرح كثيراً في الأوساط البحثية والسياساتية الفلسطينية من ضرورة "الانفكاك" عن الهيمنة الاستعمارية الإسرائيلية، بدأ بما يمكن إنجازه من بناء اقتصادي منتج يعتمد على الذات، وصولاً إلى بناء نظام اقتصادي منفصل عن إسرائيل في أنظمته التجارية والنقدية والمالية. هناك شبه إجماع دولي حول صيغة تسمح ببروز اقتصاد فلسطيني مستقل/منفصل في إطار حل الدولتين المفضل عالمياً. هناك كوم من الدراسات الفلسطينية التفصيلية حول سياسات انفكاك ممكنة تحت ظروف الاحتلال وضمن الأطر الناظمة القائمة مع كل مساوئها (بروتوكول باريس الاقتصادي)، كما هناك كوم آخر حول البدائل الممكنة لعلاقة اقتصادية في سياق حل الدولتين.

ما يستنتج من التجارب الفلسطينية منذ الانتفاضة الأولى وطوال فترة أوسلو، هو فشل كل المساعي الفلسطينية لفك الارتهان الاقتصادي لإسرائيل، بل ايضاً مباشرة لمشروعه الاستيطاني (حيث يعمل حوالي 20-30 ألف فلسطيني في بناء المستوطنات والبنية التحتية الاستعمارية). ليس ربما بسبب قلة التخطيط أو الدراسة، بل لاخفاقات سياساتية ومؤسسية رسمية وكذلك صعوبة تفكيك علاقات اقتصادية تطورت بمحض قوى السوق (والاكراه الاستعماري) منذ ما يقارب 60 عام. مع الإقرار أن هذه قد لا تكون لحظة مناسبة للتفكير حول علاقات افتراضية مستقبلية بين دولة فلسطينية (غير قائمة) ودولة إسرائيلية (يفترض أنها تحولت لتكون قابلة للاعتراف بالحقوق الفلسطينية)، فأن الأزمة المالية الأخيرة تذكر بالبدائل المتاحة التوجه نحوها في التعامل الرسمي والفكري مع مشاكل اليوم مع عين على المستقبل. حتى ولو نظريا.

البدائل المتاحة للعلاقة المستقبلية مع إسرائيل في سياق علاقات فلسطين الدولية والإقليمية.

مع إتمام "المرحلة الانتقالية" من اتفاق أوسلو عقدها الثالث، متجاوزة تماماً السنوات الخمس المتفق عليها، فإن طبيعة العلاقات الاقتصادية الفلسطينية قد شهدت تراجعات منذ عام 2005 عما كان يطبق جزئيا في مرحلة التسعينيات، بحيث أن العديد من البنود والفقرات التي وردت في اتفاق باريس الاقتصادي قد تم تجميد العمل فيها في العقدين الماضيين، بل إن بعض تلك البنود لم تأخذ طريقها إلى التنفيذ حتى خلال فترة التسعينات "الذهبية".

غني عن الذكر أن الظروف الحالية لا تبشّر بما يمهّد للبدء بوضع ترتيبات "الوضع الدائم"، أي الانتقال من الحكم الذاتي إلى الدولة المستقلة ذات السيادة. مع ذلك، فإن التفكير المسؤول في البدائل المتاحة للعلاقة الاقتصادية المستقبلية مع إسرائيل تبقى في كل الظروف مسألة ذات مفيدة، إذا ما كان ثمة توجّه جاد لانتزاع زمام المبادرة في توجيه النشاطات والمؤسسات الاقتصادية الوطنية باتجاه الاقتراب التدريجي من تطبيق أحد هذه البدائل، عبر تراكم الإنجازات خلال الفترة المقبلة. ذلك أن صياغة السياسات الاقتصادية الوطنية وإدارة العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل في السياقين الإقليمي والدولي تتطلّب التوصل إلى رؤية محددة حول الخيارات المتاحة والمفضّلة لمستقبل هذه العلاقات، بحيث تكون السياسات والبرامج والإجراءات والبناء المؤسسي في إطار الاقتراب من الانتقال إلى ذلك النموذج من العلاقات الاقتصادية المستقبلية مع إسرائيل.

اتفاق أوسلو وملحقه الاقتصادي قد أبقيا على جوهر الوضع القائم منذ الاحتلال عام 1967، أي أن الضفة الغربية وقطاع غزة بقيا تحت السيطرة العسكرية والاقتصادية الإسرائيلية. وإن كان اتفاق باريس قد أنجز، بشكل جوهري، استرداد جزء هام من الإيرادات الداخلية عبر آلية المقاصة، كما مكّن مؤسسات السلطة الانتقالية من جباية جزء من الإيرادات التي تشمل ضرائب الدخل والشركات والضرائب العقارية وغيرها. بشكل عام، فإن اتفاقي أوسلو وباريس وطريقة تطبيقها وضعت الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن الغلاف الجمركي الإسرائيلي في إطار وحدة جمركية مشوّهة ومائلة بما يخدم مصالح الاقتصاد الإسرائيلي. رغم ذلك، وحتى في غياب السيادة القانونية السياسية المعترف بها، فإن هناك حجة قانونية معقولة بأن الاقتصاد الفلسطيني يشكل ما يمكن اعتباره "إقليم جمركي منفصل".

تقدم البدائل أدناه إطارا عاما وموجزا للنموذج الذي يمكن أن تكون عليه العلاقات الاقتصادية الفلسطينية-الإسرائيلية في إطار حل الدولتين أو حتى في سياق آخر. هذه البدائل هي إما للمزيد من التقارب بين اقتصادين منفصلين (من خلال الاتحاد الجمركي "الكامل"، اتفاقية للتجارة الحرة)، أو التوجه نحو الانفكاك (وتطبيق نظام السياسة التجارية الغير تمييزية Non-Discriminatory Trade Policy, NDTP)، بما يتضمن ذلك من تطبيق شروط التعرفة للدولة الأولى بالرعاية (Most Favored Nation, MFN)، وفقا لشروط منظمة التجارة العالمية. هناك مسار ثالث قد لا يكون المفضل سياسيا، لكنه هو الأقرب للواقع الحالي والتاريخي للعلاقة الثنائية، وهو المزيد من القارب في إطار اتحاد اقتصادي (Economic Union).

بصرف النظر عن مواطن القوة أو الضعف في أي من هذه النماذج النظرية للعلاقة المستقبلية بين دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وبين الاقتصاد الإسرائيلي، فإن الدرس الرئيس لتجربة اتفاق باريس في العقود الثلاثة الماضية يوضّح بجلاء أن التطبيق الأمين لأية ترتيبات اقتصادية أو سياسية أو أمنية يشترط مسبقا تمتع الطرف الفلسطيني بالسيادة والقدرة على فرض احترام تطبيق ترتيبات ثنائية بين ندّين متعادلين ومتساوين. من جهة أخرى، فإن الدخول في ترتيبات لصياغة علاقات اقتصادية جديدة مع إسرائيل يتطلب إصلاح التشوهات التي نجمت على الاحتلال الطويل الأمد، وهذا أمر بالغ الحساسية وذات أولوية.

1.    مزيد من التقارب مع تصحيح أوجه الخلل: الاتحاد الجمركي أو تجارة حرة.

تجربة العقود الثلاثة الماضية تؤكد أن ما كان يتم تطبيقه منذ عام 1994 كان اتحادا جمركيا منقوصا ومائلا لصالح الاقتصاد الإسرائيلي، أو أنه كان اتحادا جمركيا من طرف واحد. فافتقاد الطرف الفلسطيني إلى السيادة وإلى الندية لم يسمح له بفرض حقه في الإدارة المشتركة للمرحلة الانتقالية ككل ولترتيبات وآليات الاتحاد الجمركي المشار له في اتفاق باريس. من أبرز المبررات النظرية لمثل هذه العلاقة بين اقتصاد كبير متقدم واقتصاد صغير غير صناعي، ان فوائد الاتحاد الجمركي أكبر من تكلفتها للاقتصاد الصغير، وأنه يشجع نموه ويسرع اقترابه من مسار تنمية الاقتصاد الأكبر. وطبعاً ثبت عكس ذلك تماماً منذ الاحتلال مرورا بمرحلة أوسلو/باريس، حيث لم يتم جسر فجوه النمو بينهما بل اتساعها، فيما لقبه البروفيسور فضل النقيب ب "مسار تبعية ضار" (adverse path dependency).

عبر العقود الماضية، قامت إسرائيل وبشكل أحادي كذلك بتطبيق تعديلات على سياساتها التجارية والجمركية على عدة مراحل بهدف تحرير اقتصادها بدون مراعاة احتياجات ومتطلبات الاقتصاد الفلسطيني، كما أن إجراءات تحرير الاقتصاد الإسرائيلي قد تضمنت إجراءات حمائية للسلع والمنتجات الإسرائيلية، بما لا يتوافق بالضرورة مع المصالح الاقتصادية الفلسطينية. الاتحاد الجمركي المنقوص والمشوه الذي طبّقته إسرائيل في العقود الماضية اشتمل كذلك على قيود على حركة العمالة، وقيود على دخول العديد من المنتجات الفلسطينية الزراعية والمصنعة إلى الأسواق الإسرائيلية، بينما لا تملك الحكومات الفلسطينية إمكانية فرض قيود مقابلة على السلع والخدمات الإسرائيلية. يشكل المثال المتعلق بخدمات الاتصالات اللاسلكية دلالة واضحة إضافية على مخاطر الدخول في ترتيبات ثنائية مع الافتقار إلى السيادة وإلى الحق في المشاركة الكاملة في الإدارة الثنائية، حيث تفرض إسرائيل الاستخدام الواسع لشبكات اتصالاتها في الأراضي الفلسطينية دون ترتيبات حول توزيع العوائد المتحصلة منها.

 أخيرا، فإن تطبيق نظام الاتحاد الجمركي المنقوص والمشوّه خلال العقود الماضية ما زال يشتمل على نظام لتقاسم الإيرادات (آلية المقاصة) يعتمد على التوثيق المستندي للصفقات والعمليات التجارية، مما يتطلّب أعباء إدارية مكلفة ويسمح بأشكال مختلفة ومتعددة من التسرب المالي، هذا التسرب الذي تقدره بعض الدراسات بمئات الملايين من الدولارات سنويا.

بخلاف الاتحاد الجمركي، تتطلّب ترتيبات منطقة التجارة الحرة بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني إزالة كافة القيود الجمركية وغير الجمركية على تبادل السلع والخدمات بين الطرفين، بما يشجع على زيادة حجم التبادل التجاري وعلى رفع معدّل النمو الاقتصادي. وعلى عكس الاتحاد الجمركي، تتطلّب ترتيبات المنطقة التجارية الحرة وجود حدود جمركية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. ذلك أنه في إطار اتفاقيات منطقة التجارة الحرة، يكون لكل من الطرفين الحق في أن يدخل منفردا في ترتيبات تجارية وجمركية مع أطراف ثالثة، كما يكون لكل من الطرفين الحق في فرض إجراءات حمائية على واردات من أطراف ثالثة وفقا لمصالح الدولة المعنية.

هذه الترتيبات تتطلّب حدودا جمركية وإجراءات لفحص كافة السلع المتبادلة بينهما لتحديد "المنشأ" الذي تستند له إجراءات الإعفاء أو إجراءات فرض الرسوم، مما يتطلّب كذلك بناء جهاز إداري وفني يتعامل مع إجراءات إصدار وفحص شهادات المنشأ. وتتعقد الترتيبات المرتبطة بإدارة التبادل في منطقة التجارة الحرة بشكل أكبر مع تباين أسعار صرف العملات ومع تناقض الترتيبات الحمائية التي يطبقها أي الطرفان على أطراف ثالثة.

2.    المزيد من الانفكاك عن التبعية الاقتصادية وبناء نظام تجاري ونقدي مستقل

هناك جدل واسع حول الجدوى الاقتصادية والمؤسسية للانفكاك الواسع مع الاقتصاد الإسرائيلي في الوضع الراهن أو حتى في سياق حل الدولتين.

يرى معهد ماس (2020) انه "إذا كان من المتعارف عليه في الأدبيات الاقتصادية تسمية مجموع نسبة البطالة عن العمل ونسبة التضخم بمعدل البؤس، فإنه يبدو مناسباً أن نطلق على مجموع نسبة العاملين في إسرائيل من اليد العاملة الفلسطينية ونسبة الاستيراد من إسرائيل من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني مؤشرات مناسبة لقياس "ّمعدل التبعية". في الوضع الدائم، وفي إطار حل الدولتين الذي تتمتع فيه الدولة الفلسطينية المستقلة بالسيادة، يتمثل الانفكاك في نموذج النظام التجاري الذي يعمل على تطبيق نظام السياسة التجارية الغير تمييزية وتطبيق شروط وأحكام التعرفة للدولة الأولى بالرعاية وفقا لمنظمة التجارة العالمية. فكلما قامت دولة ما بتخفيض حواجزها التجارية أو بفتح أسواقها أمام السلع والخدمات يتعيّن عليها أن تلتزم بتطبيق ذلك على كافة السلع والخدمات وما يتعلّق بالملكية الفكرية المستوردة من جميع شركائها الخارجيين، كما يتعيّن عليها عدم التمييز بين السلع والخدمات المستوردة من الخارج وبين تلك المنتجة محليا.

يتضمّن تعريف "الدولة الأولى بالرعاية" الالتزام بعدم التمييز أو منح معاملة تفضيلية، وإن كانت أحكام منظمة التجارة العالمية تسمح بالعديد من الاستثناءات، خصوصا للدول النامية والأقل نموّا، بما ينسجم مع منح الاقتصادات النامية المرونة الضرورية للالتحاق بركب التنمية، كما تسمح باستثناءات خاصة لترتيبات تجارية ثنائية وإقليمية تتضمّن ترتيبات لمناطق التجارة الحرة وللاتحادات الجمركية. هذه الاستثناءات الواسعة تشترط درجة عالية من اتباع الحكم الرشيد لكي تتمكن الحكومات التي تتّبع هذه السياسة التجارية من اللجوء لمثل هذه الاستثناءات لخدمة المصالح العامة. في هذا السياق، يحذّر موريس شيف من أن تطبيق سياسة تجارية غير تمييزية وفقا لأحكام منظمة التجارة العالمية وأحكام التعرفة الأولى بالرعاية في وقت تكون فيه المؤسسات الحكومية الفلسطينية ضعيفة، وغير قادرة على مقاومة ضغوط مجموعات المصالح التجارية والسياسية للاستفادة من الاستثناءات المتضمنة في هذا النظام التجاري، بما يخدم مصالح فئوية على حساب المصالح العامة في الأمد الطويل. في هذه الحالة، يرى شيف أن اللجوء إلى الاتحاد الجمركي المعدّل والمحسن سيحقق مكاسب أكبر للاقتصاد الفلسطيني الناشئ.

3.    نحو التقارب الاقتصادي المتكافئ: التفكير بإقامة اتحاد اقتصادي (تجاري، ضريبي، نقدي).

الأساس القانون لحل الدولتين يستند إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 بتقسيم أرض فلسطين بين دولة يهودية وأخرى عربية، والذي جاء في نصّه، في الفقرة "د" من الفصل الرابع:

"1. يشترك مجلس الحكومة المؤقت لكل دولة في وضع مشروع اتحاد اقتصادي وعبور (ترانزيت...الاتحاد الاقتصادي الفلسطيني

2. تكون للاتحاد الاقتصادي الأهداف التالية:
أ- إيجاد وحدة جمركية.
ب- إقامة نظام نقدي مشترك يتضمن سعر صرف واحدا”.

من مفارقات التاريخ أنه بينما لم يتم تطبيق القرار الأساسي بإنشاء الدولة الفلسطينية، فإنه بحلول 1967 واحتلال إسرائيل لكامل مساحة فلسطين، فرض على الاقتصاد الفلسطيني الصغير والضعيف الانضمام لاتحاد اقتصادي قصري مع إسرائيل، ما زال قائماً وفعال. يأتي عادة الاتحاد الاقتصادي بين الدول في ذروة مراحل التكامل الاقتصادي بين دولتين أو أكثر، إذ تسبقه في التجارب التاريخية العالمية (مثل الاتحاد الأوروبي) مجموعة من المراحل، مثل منطقة التجارة الحرة، ثم السوق المشتركة، ثم الاتحاد الجمركي. يختلف الاتحاد الاقتصادي عن الاتحاد الجمركي في أن حركة العمال تكون مقيّدة في الاتحاد الجمركي بينما تكون حرة تماما في الاتحاد الاقتصادي، كما أن الاتحاد الجمركي لا يتطلّب نظاما نقديا مشتركا يتضمّن سعر صرف واحدا.

بما أن الاتحاد الاقتصادي ينشأ عادة بين دولتين مستقلتين تتمتعان بالسيادة، وكان القصد تماماً هكذا في 1947عندما صمم خبراء الأمم المتحدة خطتهم، فان الاتحاد الاقتصادي لا ينسحب على المؤسسات السياسية والأمنية، فدول الاتحاد (الاقتصادي) الأوروبي تحتفظ كل منها بسيادتها واستقلالها ومؤسساتها السياسية.

بشكل عام ونظريا، فإن الطرف الأصغر والأقل نموا في الاتحاد الاقتصادي المتكافئ هو الطرف الأكثر استفادة نسبيا من حيث النمو الاقتصادي وارتفاع مستويات المعيشة وتخفيض الفقر والبطالة، بينما يستفيد الطرف الأكبر والأكثر نموا في المصادر (العمالة والموارد) الأقل تكلفة لدى الطرف الأفقر. هكذا ينطوي الاتحاد الاقتصادي ليس فقط على تصحيح التشوهات الهيكلية، بل أيضا على تحويل موارد كبيرة من الاقتصاد الأكبر والأقوى للأصغر والأضعف (كما في الاتحاد الأوروبي بعد الأزمة المالية العالمية 2008 أو في إعادة توحيد الألمانيتين بعد 1991). أما احدى أكثر النتائج سلبية في الاتحاد الاقتصادي بين طرفين غير متكافئين في الحجم والنمو فهو الخطر من تفاقم سوء التوزيع وارتفاع مؤشّر جيني الذي يقيس الفروقات في الدخل، وهذا من أبرز الفجوات الفعلية بين الطرفين اليوم. أخيرا، فإن بعض الخبراء تحاجج بأنه يمكن لاتحاد اقتصادي إسرائيلي-فلسطيني أن يسبق التوصل إلى اتفاقية سلام، على أن يتبع المراحل التي مر بها الاتحاد الأوروبي، بدءا من "السوق الأوربية المشتركة للفحم والصلب".

4.    استراتيجيات متوسطة المدى كفيلة بتعزيز الأمن القومي الاقتصادي وتحقيق تقدم تنموي

استنادا إلى الافتراض بأن الأوضاع المحلية والإقليمية والدولية في المدى المتوسط لا تبشّر بإنهاء الاحتلال وقيام دولة فلسطينية مستقلة، فان المهام الرئيسة في المرحلة الآنية والمقبلة في سياق إطار حل الدولتين أو دونه، تتطلّب العمل على انتزاع زمام المبادرة في العملية التنموية الفلسطينية. ذلك يحتاج إلى تعبئة المصادر المتاحة، خصوصا البشرية منها في الوطن والشتات، لمعالجة التشوهات التي تعاني منها الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. مع الإقرار بأن التنمية الشاملة غير ممكنة في هذه المرحلة، إلا أنه من الممكن، مع ذلك، صياغة وتطبيق سياسات وبرامج تؤدّي إلى الابتعاد التدريجي عن الوضع القائم المتمثّل بالخضوع للتبعية شبه الكاملة للاقتصاد الإسرائيلي.

مثل هذا الانتقال التراكمي من حالة التبعية شبه الكاملة تنطلق من الافتراض بأن تحقيق السيادة يأتي كجزء من تحقيق عملية التنمية، وليس شرطا مسبقا لها، أي ان السيادة لا تحل مرة واحدة بل تنتزع انتزاعاً، ويبنى جزء بجزء، خطوة تلو الأخرى. في هذا السياق، يمكن البدء بالتفكير في صياغة استراتيجيات متوسطة المدى (في إطار الأوضاع القائمة) على ثلاث مستويات: سياسات قابلة للتطبيق داخليا، سياسات تتطلّب ترتيبات ثنائية فلسطينية-إسرائيلية، وسياسات تتطلب تعبئة دعم المجتمع الدولي لمساندة المطالب الفلسطينية والبرامج الفلسطينية.

من جهة أخرى، فإن التفكير بصياغة مثل هذه السياسات والبرامج والإجراءات في المدى المتوسط يشترط وجود رؤية محددة لدى المؤسسات القيادية الفلسطينية للتوجه المستقبلي في صياغة العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل في الوضع الدائم (وهو أمر نفتقده اليوم). يمكن اختصار محاور الرؤية السياساتية المطلوبة بنموذجين رئيسيين: نموذج التوجّه نحو الانفكاك وبناء نظام اقتصادي مستقل، ونموذج التوجه نحو المزيد من التقارب في إطار اتحاد جمركي كخطوة باتجاه اتحاد اقتصادي. فالاستراتيجيات والسياسات والبرامج التي يمكن صياغتها وتطبيقها في المدى المتوسط وفي إطار الوضع القائم التي قد تمهّد للاقتراب من أحد النموذجين قد تختلف أو يتناقض مع تلك التي ستمهد، عبر الأثر التراكمي، للاقتراب من النموذج الآخر. من الباب الضيق المتاح للتخطيط الاستراتيجي والسياسات الاقتصادية الفلسطينية ورغم تحديات اليوم المتمثلة في ضمان مجرد البقاء الاقتصادي والبشري، فإن المراوغة بين المساعي المعلنة وغير المجدية للانفكاك وضغوط الأمر الواقع للتشابك الاقتصادي الفلسطيني الإسرائيلي، تضر بمتانة السوق وتحبط خطط الاستثمار وتعيق تطوير التجارة.

مع كل ما يمثله خيار الانفكاك أو خيار تحسين العلاقة بين اقتصادين منفصلين، تؤكد الحقائق على الأرض في مجالات النقد والتجارة والعمالة أن الاقتصاد (أو ربما نسميه السوق) الفلسطيني اليوم (بل منذ 1967) يدور في إطار اقتصادي أقرب بكثير إلى نموذج الاتحاد الاقتصادي (غير المتكافئ) مما هو لأي من النماذج الأخرى المتاحة نظرياً، حيث السياسات النقدية والتجارية والضريبية موحدة وتحددها دولة إسرائيل.

في حال فرض واقع سياسي يتيح التوجّه نحو المزيد من التقارب، والتفاوض بشأن ذلك مع الجانب الإسرائيلي، فأن بعض الصيغ التجارية الواردة أعلاه يتوائم مع متطلبات استراتيجيات متوسطة الأجل للانتقال نحو المزيد من التقارب، وسواء كان من خلال اتحاد جمركي محسّن ومتكافئ أو نحو البدء بمراحل الدخول في اتحاد اقتصادي، فإن بعض التحديات الأكثر أهمية تشمل معالجة التشوهات في إدارة الإيرادات التجارية.

نقطة البدء تتمثّل في إعادة التفاوض على ترتيبات تقاسم الإيرادات عبر استبدال آلية المقاصة الجزئية والمستندية التي تؤدي إلى التسرب الكبير في العائدات. إن التوجه نحو ترتيبات لاتحاد جمركي أو محسّن في الوضع الدائم ينبغي في المدى المتوسط أن يأخذ بعين الاعتبار مثلاً البدء الفوري بمعالجة أسباب ومصادر التسرب المالي في آلية المقاصة المطبقة منذ ثلاثة عقود. الانتقال التدريجي والتراكمي إلى صياغة علاقة مستقبلية تقوم على التكافؤ والتعادل في الإدارة المشتركة بين الطرفين للعلاقات الاقتصادية والتجارة بين الطرفين، تستدعي معالجة أكثر التشوّهات أهمية. وهي المتمثّلة في آلية المقاصة المستندية التي تسبب بخسائر كبيرة في الإيرادات من الاستيراد غير المباشر عبر مستوردين إسرائيليين.

في هذا السياق، وكذلك في حال التوجه نحو اتحاد اقتصادي شامل، يفضّل أن يستند تقاسم الإيرادات إلى آلية بديلة تمكّن الطرف الفلسطيني من تجنب التسرب الكبير في الإيرادات كما تخفف من الأعباء الإدارية والبيروقراطية المرتبطة. من أمثال ذلك هو النموذج المتبع في الاتحاد الجمركي لدول إفريقيا الجنوبية لمدة أكثر من قرن، الذي يجمع بين خمسة أطراف متفاوتة النمو، إلا أن تقاسم الإيرادات بينها ضمن الاتحاد الجمركي يتم وفقا لمعادلة تستند إلى مقاربة كلية (Macro) للإيرادات الإجمالية من الرسوم والضرائب والمكوس، يتم توزيعها مع إضافة مكوّن تنموي للأطراف الأقل نموا، كما حصلت الأطراف الأقل نموا على تعويضات عن الفترة التي لم تكن خلالها تتمتع بالحق الكامل في المشاركة في إدارة الاتحاد الجمركي.

كذلك فإن تصحيح أوجه خلل الاتحاد الاقتصادي الفعلي القائم التفاوض مع إسرائيل (بدعم أطراف ثالثة) على تغيير هيكلية العمالة في إسرائيل عبر إدماج العمالة الفلسطينية المؤهلة في قطاع التكنولوجيا. التقارب بين الاقتصادين يتطلب، بجانب إدارة أكثر عدلا لتقاسم الإيرادات، التفاوض على ترتيبات حماية ودعم السياسات الصناعية الفلسطينية ومعالجة المسائل المتعلقة بالمواصفات الإسرائيلية وآثارها على عمليتي الاستيراد والتصنيع. كذلك فإن تصحيح عدم التكافؤ يتطلب أمور فنية مثل إعادة العمل بالترتيبات التي كانت مطبقة جزئيا في التسعينات بتواجد ممثلي المستورين وممثلي السلطات الجمركية الفلسطينية في الموانئ والمعابر الدولية، وإقامة مناطق للمخازن الجمركية الحرة Bonded Areas وما يعرف ب “الميناء الجاف" Dry Port في الأراضي الفلسطينية.

بالعودة إلى نقطة الانطلاقة لهذا التحليل، أي الاتحاد النقدي مع إسرائيل الذي يدار بشكل أحادي الطرف منذ سنوات، فإن خيار الإبقاء على الاتحاد النقدي يبدو أكثر واقعي وأكثر أمان وأكثر منطقي اقتصادياً من خيار التوجه نحو إصدار عملة فلسطينية لاقتصاد خاضع للاحتلال وغير سيادي. ما دلت عليه الأزمة المصرفية الأخيرة أكثر من أي شيء آخر من تداعياتها، هو أن الإبقاء على الاتحاد النقدي هو مصلحة للاقتصاد الإسرائيلي بقدر ما هو خيار مفضل فلسطينياً (في غياب بدائل نقدية واقعية). بمعنى أخرى قد لا تمثل علاقة إسرائيل الاقتصادية مع فلسطين حصة كبيرة من علاقاتها العالمية، لكن أصبح الاقتصاد الفلسطيني جزء لا يتجزأ من السوق الإسرائيلي (للسلع والخدمات والموارد وغيرها)، ما يمكن توصيفها بعلاقة "أكبر من أن تفشل" (too big to fail).