بقلم: د. سيف الدين عودة
فلسطين ليست استثناءً لحالة التحول العالمي نحو رقمنة المدفوعات، إذ شهد القطاع المصرفي والمالي خلال السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في خدمات الدفع الإلكتروني، وإطلاق بنية تحتية حديثة لأنظمة المدفوعات بإشراف سلطة النقد الفلسطينية، تهدف إلى الحد من استخدام النقد والتحول نحو الدفع الإلكتروني، إلا أن هذا التحول تزامن مع ظروف سياسية واقتصادية وأمنية معقدة جعلت الواقع النقدي في فلسطين يختلف جذرياً عن التجارب الدولية التقليدية، فقد أثبت هذا الواقع أن رقمنة المدفوعات لا تعتمد فقط على توفر التكنولوجيا، وإنما تتطلب أيضاً بيئة اقتصادية ومؤسسية مستقرة تضمن استمرارية الوصول إلى مختلف وسائل الدفع، وهذا ما يجعل الحالة الفلسطينية حالة خاصة.
وتبرز هذه الخصوصية بصورة أكثر وضوحاً عند المقارنة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ففي حين ارتبطت التحديات في الضفة الغربية أساساً بعدم القدرة على ترحيل فائض الشيكل في ضوء القيود المفروضة من قبل الاحتلال على نقله إلى البنوك الإسرائيلية المراسلة، فإن قطاع غزة يواجه أزمة معاكسة للأزمة في الضفة، حيث عانى سكان القطاع من أزمة نقص وندرة غير مسبوقة في السيولة النقدية، منذ بدء الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023، نتيجة الحصار النقدي الذي فرضه الاحتلال ورفض دخول السيولة النقدية رغم المطالبات المتكررة من قبل سلطة النقد والمؤسسات الدولية الأخرى، إلى جانب ذلك توقفت عمليات السحب والإيداع في البنوك، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الأرصدة الإلكترونية المتاحة للأفراد وبين قدرتهم الفعلية على الحصول على النقد واستخدامه في معاملاتهم اليومية، خاصةً في العام الأول من الحرب حيث لم تكن البنية التحتية للمدفوعات الالكترونية مستكملة بعد.
وكشفت تجربة غزة عن أمر مهم وهو أن وجود رصيد في الحساب البنكي أو المحفظة الإلكترونية لا يعني بالضرورة امتلاك سيولة قابلة للاستخدام الفوري. فالسيولة الإلكترونية تصبح ذات قيمة عملية عندما يستطيع صاحبها استخدامها في شراء السلع والخدمات أو تحويلها إلى نقد عند الحاجة، ولذلك فإن أزمة غزة لم تكن بالضرورة أزمة غياب الأموال من الحسابات، بقدر ما كانت أزمة في القدرة على تحويل الأرصدة إلى وسيلة دفع قابلة للاستخدام في الأسواق والمعاملات التجارية.
وبالتالي، أصبحت التجربة الفلسطينية، ولا سيما في قطاع غزة، تمثل نموذجاً عملياً يكشف إشكاليات النظام النقدي في فلسطين وخطورة استمراره بهذا الشكل، حيث إن هذا النظام قائم أساساً على إلزامية استخدام الشيكل في مناطق السلطة الفلسطينية وفقاً لبروتوكول باريس الاقتصادي، إلى جانب حرية استخدام العملات الأخرى (خاصةً الدولار والدينار الأردني)، ما جعل عملة الشيكل عملة التداول الرئيسة في الاقتصاد الفلسطيني، وبالتالي أصبح من الضروري وجود ترتيبات لإدارة السيولة النقدية لهذه العملة تحديداً، من حيث ضرورة وجود آليات مؤسسية مستدامة ومنتظمة لضخ السيولة النقدية في أوقات الاحتياج، وترحيل فائض الكاش بالشيكل عندما يتجاوز الحدود التشغيلية للمصارف في الجهاز المصرفي الفلسطيني.
وكان من المفترض أن تكون هذه الآليات واضحة وملتزما بها من قبل الطرف الإسرائيلي، إلا أنه منذ سنوات طويلة خاصةً منذ بدء الانقسام الداخلي في العام 2007، بدأ الاحتلال بالتنصل من التزاماته النقدية، ما تسبب باختناقات وأزمات سيولة نقدية متكررة، واحتدت هذه الأزمات بعد حرب أكتوبر 2023، وأصبحت تمثل تهديداً جسيماً وخطيراً لمجمل النشاط الاقتصادي وليس المصارف فقط، بل تهدد استقرار المعاملات الحياتية للسكان.
فعلى صعيد قطاع غزة، رفض الاحتلال إدخال كميات النقد اللازم من عملة الشيكل للقطاع، ما تسبب بشح كبير في السيولة وتوقف القدرة على سحب الأموال من البنوك، ما دفع المواطنين، اضطراراً وليس اختياراً، للتحول نحو استخدامات الدفع الإلكتروني، بسبب اختفاء النقد وندرته في أيدي المواطنين، وما ارتبط بذلك من ممارسات نقدية غير مشروعة فيما عرف باسم "ظاهرة التكييش"، واضطرار المواطنين لدفع نسبة تراوحت في بعض الفترات بين 30% و35%، ووصلت في بعض الحالات إلى نحو 50%. وبعبارةٍ أخرى، لم يكن أمام المواطن في قطاع غزة أي خيارات أخرى بديلة للنقد الكاش سوى اللجوء للدفع الإلكتروني من خلال التطبيقات البنكية والمحافظ الالكترونية.
وهذا الاضطرار جاء في وقت حرج جداً للمجتمع والمواطنين بصفةٍ عامة، كون أن الانتقال من الدفع النقدي إلى استخدام التكنولوجيا المالية والتطبيقات البنكية جاء بشكل حاد ومفاجئ، دون أن يكون لدى المجتمع والمواطنين تهيئة نفسية، أو تدريب وتثقيف مالي كافٍ لهذا التحول الكبير، أو حتى على الأقل استخدام متدرج لأدوات ووسائل الدفع الإلكتروني، حتى أن البنية التحتية للدفع الإلكتروني أساساً لم تكن مستكملة، إذ أطلقت سلطة النقد الفلسطينية نظام المدفوعات والحوالات الفوري بين البنوك وشركات خدمات الدفع (IBURAQ)، في شهر أيار 2024 كخطوة عاجلة في القطاع كأحد الحلول الطارئة للتخفيف من وطأة أزمة السيولة النقدية الحادة في قطاع غزة.
إن حالة الانتقال المفاجئ والقسري للمواطنين في قطاع غزة نحو استخدامات الدفع الإلكتروني ارتبطت به مخاطر عديدة، أبرزها وقوع العديد من المواطنين ضحية لعمليات الاحتيال المالي، وسرقة الحسابات وانتحال الشخصية، حيث استغل المحتالون أزمة نقص النقد واضطرار الناس وقلة خبرتها وثقافتها بالتطبيقات البنكية والمحافظ الالكترونية لسرقة ربما مئات الآلاف من الدولارات والشواكل من الحسابات البنكية للمواطنين ومحافظهم الالكترونية، وفق إفادات العديد من المواطنين، ما فاقم من معاناة المواطنين في ظل وطأة حرب إبادة وتجويع وحصار مستمر ومشدد.
أما على مستوى الضفة الغربية، فالأزمة مختلفة ومعاكسة لأزمة السيولة النقدية في قطاع غزة، فهي أزمة فائض في عملة الشيكل في قنوات الاقتصاد والبنوك بشكلٍ عام، بسبب القيود التي فرضها الاحتلال على ترحيل فائض الشيكل منذ اندلاع الحرب، ما ترتب عليه رفض البنوك استقبال الإيداعات النقدية بالشيكل من المواطنين، وضغط نحو توجيه الجمهور والمؤسسات والشركات بشكلٍ عام نحو الدفع الإلكتروني وتقليل استخدامات الدفع النقدي من أجل مواجهة أزمة فائض الشيكل في الاقتصاد.
ولم يكن انتقال المواطنين والاقتصاد بشكلٍ عام في الضفة الغربية نحو الدفع الإلكتروني بالحدة والفجائية والاضطرار القسري كما حدث في القطاع، وترافق ذلك أيضاً مع اتخاذ سلطة النقد مجموعة من الإجراءات لتقليل الاعتماد على النقد وتوسيع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني، في محاولة للتخفيف من الآثار المترتبة على تراكم الشيكل وصعوبة ترحيله. وتوج هذا المسار بإصدار قرار بقانون رقم (4) لسنة 2026 بشأن خفض استخدام النقد. ولكن يجب التأكيد على أن خفض استخدام النقد لا ينبغي أن يعني إلغاء دوره، وإنما إعادة تحديد موقعه داخل منظومة دفع أكثر تنوعاً ومرونة.
إن تجربة الانتقال من وسائل الدفع النقدي التقليدي في المعاملات التجارية واليومية في الاقتصاد، إلى وسائل الدفع الإلكتروني يطرح أسئلة جوهرية في ضوء خصوصية الحالة الفلسطينية والحصار النقدي الذي يفرضه الاحتلال، فيما إذا كان الهدف هو الوصول إلى استخدام شبه صفري للنقد كما هو حادث حالياً في حالة غزة قسراً؟ وهل هذا يعتبر حالة اقتصادية نقدية صحية في ضوء التجارب الدولية؟ الجواب عن هذا السؤال بالنفي، لأن النقد ينبغي المحافظة عليه كخيار دفع مهم في منظومة الدفع الوطنية.
لقد أظهرت تجربة غزة أن اختفاء النقد لا يعني عدم الحاجة إليه، كما أظهرت الأزمة في الضفة أن تراكم الكاش يمكن أن يتحول إلى مشكلة اقتصادية ومصرفية. وبعبارةٍ أخرى، تعاني غزة من نقص القدرة على تحويل الأرصدة إلى نقد، بينما تعاني الضفة من فائض النقد وصعوبة إعادة إدخاله في القنوات المصرفية، وفي الحالتين تظهر المشكلة نفسها: هشاشة وعدم سيطرة على إدارة السيولة.
وبين النقص الحاد في غزة والفائض المتراكم في الضفة، تبدو المشكلة الحقيقية أعمق من السؤال حول أيهما أفضل: النقد أم الدفع الإلكتروني. السؤال الأهم هو: هل يستطيع الاقتصاد الفلسطيني بمؤسساته المختلفة الاستمرار إلى ما لا نهاية في إدارة السيولة بعملة لا يملك قرار إصدارها أو التحكم في تدفقها؟ والإجابة عن هذا السؤال ينقلنا إلى نقاش آخر حول البدائل الممكنة للنظام النقدي الفلسطيني، سواء أكانت ترتيبات نقدية مؤقتة أم هجينة، وصولاً إلى بحث إمكانية إصدار عملة فلسطينية مستقبلاً، والانتقال إلى نظام نقدي أكثر استقراراً وأماناً، وأكثر قدرة وسيطرة عليه من قبل سلطة النقد.
خلاصة القول في ظروف الحالة الفلسطينية، إن التوجه نحو الدفع الإلكتروني لا يعتبر حلاً جذرياً لمشكلة النظام النقدي، ولا يعني انتهاء أزمات السيولة النقدية، بقدر ما هو وسيلة علاج مؤقتة، فالمشكلة ليست في النقد ولا في الدفع الإلكتروني، إنما في غياب نظام نقدي فلسطيني قادر على إدارة السيولة بصورة مستقرة ومستدامة.
________________
* أكاديمي وباحث اقتصادي.
