قراءة في اقتصاد الحرب والتحوّل القسري للدفع الإلكتروني ... الأبعاد الاجتماعية والتربوية لغياب النقد في قطاع غزة (2-2)

بقلم: د. سيف الدين عودة*
يشهد العالم تحولاً جذرياً نحو الرقمنة المالية، في ضوء التقدم الهائل والمتسارع في التكنولوجيا واستخداماتها الاقتصادية والمالية (FinTech)، وأصبحت المدفوعات الإلكترونية تشكل النسبة الأكبر من المعاملات اليومية في معظم الدول المتقدمة، وحتى في الدول النامية الصاعدة، بل وتزداد بمعدلات غير مسبوقة يومياً مع انتشار المحافظ الإلكترونية، وإمكانيات الدفع باستخدام الجوال بضغطة زر.
إن علاقات الدخل والاستهلاك والادخار وفق القانون السيكولوجي للاقتصادي الشهير جون مينارد كينز، لا تتأثر فقط بعوامل اقتصادية بل تتأثر أيضاً بعوامل نفسية وسلوكية. ومن الطبيعي أن هذه السلوكيات لا تنشأ فجأة في مرحلة البلوغ، بل تتكون تدريجياً عبر التنشئة الاقتصادية المبكرة، حيث يسهم الاستخدام الملموس للنقود في بناء الإدراك النفسي لقيمة المال وترشيد الإنفاق وتنمية الميل لدى الطفل نحو الادخار لجزء من مصروفه (الميل الحدي للادخار).
وبالتالي كل هذه المفاهيم والسلوكيات الاقتصادية المهمة تبدأ بورقة نقدية صغيرة، أما إذا أصبح كل شيء يتم بالدفع من خلال الهاتف المحمول، فالطفل لا يرى المال ولا يلمس النقود، بل يرى زراً مكتوباً عليه "تحويل" أو "دفع" ليس أكثر من ذلك، وبالتالي نحن هنا أمام قضية تربوية مهمة جداً، وهي التغيير في طريقة تكوين الإدراك المالي في ذهنية الأطفال. ولذلك فإن الانتقال الكامل المفاجئ والطارئ والقسري إلى المدفوعات الإلكترونية كما حدث في قطاع غزة خلال الحرب، دون مراعاة الأبعاد التربوية والنفسية المرتبطة بتعلم الأطفال، قد يحرمهم من إحدى أهم الوسائل العملية لاكتساب الثقافة المالية والسلوك الاقتصادي الرشيد.
ومن منظور أمني في بيئة قاسية ومضطربة وذات مخاطر أمنية كالبيئة التي يعيشها الأطفال في قطاع غزة لا يستطيع الأهالي إعطاء هاتف محمول للطفل لاستخدامه في الدفع نظراً لعدة اعتبارات ومبررات أهمها: المخاطر الأمنية واحتمالات سرقة الجوال من الطفل، وعدم النضج الإدراكي لاستخدامات الجوال في الدفع. ولو سلمنا بذلك وأن الطفل قادر على حماية الجوال واستخدامه في الدفع فسنكون أمام مخاطر أخرى مثل ضعف تقدير الطفل لمخاطر الدفع ذاتها، وسهولة الضغط على زر الشراء والتحويل الخاطئ، ومخاطر الاحتيال الإلكتروني، وسرقة الحساب، ومشاركة كلمات المرور، والمشتريات داخل الألعاب الإلكترونية ...الخ، كل هذه المخاطر كشفت عنها تجربة السكان فعلياً في قطاع غزة خلال فترة الحرب.
إن استبعاد النقد يعني عملياً استبعاد وسيلة التربية المالية الأساسية لأكبر شريحة عمرية في فلسطين عموماً، وفي قطاع غزة خصوصاً. وهذه ليست قضية اقتصادية فقط، بل قضية تنشئة، وتعليم، واستقلالية، وبناء الثقافة المالية. حيث إن المجتمع الفلسطيني مجتمع فتي، فوفقاً للإحصاءات الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في نهاية العام 2025، فإن فئة الأطفال ضمن الفئة العمرية (0-4 سنوات) تمثل حوالى 13% من إجمالي السكان في دولة فلسطين بواقع 12% في الضفة الغربية، و14% في قطاع غزة. كما بلغت نسبة السكان دون سن الـ15 عاماً حوالى 36% من مجمل السكان، بواقع 35% في الضفة الغربية مقابل 39% في قطاع غزة. وإذا أضفنا معدل الأمية للأفراد 15 سنة فأكثر حيث تمثل نسبتهم 2.5% من السكان في العام 2020 (1.2% للذكور، و3.8% للإناث)، فهذا يعني أن شريحة واسعة من المجتمع الغزي، لا سيما الأطفال والفئات الأقل قدرة على استخدام التكنولوجيا، قد تواجه عوائق في الاعتماد الكامل على المدفوعات الإلكترونية.
الفئة الاجتماعية الأخرى المتأثرة بمسألة فقدان الكاش والتحول نحو الدفع الإلكتروني هي فئة المعاقين، لما تمثله النقود لذوي الإعاقة، فهي قد تكون أكثر أدوات الدفع سهولة في الإدراك والاستخدام بالنسبة لهم مقارنةً بالمدفوعات الإلكترونية. ففي دراسة للبنك المركزي الهولندي توصلت إلى نتيجة مهمة ووجدت أن النقد أكثر أهمية بصورة واضحة بالنسبة للمكفوفين وضعاف البصر، ولذوي الإعاقات الحركية في اليد، ولذوي الإعاقات الذهنية البسيطة، وللأشخاص ذوي المهارات الرقمية المنخفضة، ولمن يواجهون صعوبات مالية، حيث أشارت الدراسة إلى أن 28% من المشاركين قالوا: إنهم لا يستطيعون الاستغناء عن النقد، كما أكدت الدراسة أن بقاء النقد متاحاً وفعالاً ضرورة لضمان الشمول المالي.
فعلى سبيل المثال، المكفوفون تحديداً، قد يعتقد البعض أن الدفع الإلكتروني أفضل لهم، لكن الواقع أكثر تعقيداً، ففي كثير من الحالات يحتاج الكفيف إلى أجهزة إلكترونية خاصة لقراءة الشاشات، وتطبيقات ناطقة، وأجهزة متوافقة مع احتياجاتهم، وتحديثات مستمرة ...الخ، وفي المقابل قامت دول عديدة بتطوير العملة الورقية نفسها عند طباعتها مثلاً استخدام أرقام كبيرة، وألوان متباينة، وعلامات بارزة باللمس ....الخ. ففي خطاب رسمي ألقته مديرة إدارة النقد في بنك إنجلترا، Victoria Cleland، في أيار 2026 بعنوان "The Importance of Choice in Payments"، أوردت نتائج بحث حديث أجراه بنك إنجلترا حول الأشخاص ذوي الإعاقة، ومن أهم نتائجه أن 44% من الأشخاص ذوي الإعاقة يستخدمون النقد بانتظام، وأن وسائل الدفع المختلفة تقدم مزايا وقيوداً مختلفة حسب نوع الإعاقة، وأكد البنك أن النقد ليس مجرد تفضيل، بل أداة أساسية لإمكانية الوصول، والاستقلالية، والشمول المالي، وحذر من أن تهميش النقد أو إزالته قد يؤدي إلى إقصاء الأشخاص الذين يواجهون أصلاً حواجز في حياتهم اليومية، وأكد البنك استمرار الاستثمار في تطوير الأوراق النقدية، بما في ذلك الخصائص اللمسية للمكفوفين وضعاف البصر، وإجراء أبحاث جديدة حول كيفية استخدام الأشخاص ذوي الإعاقة للنقد.
كما نشر بنك كندا ورقة بحثية حديثة بالتعاون مع (Inclusive Design Research Centre) تناولت الصعوبات التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة مع الأنظمة المصرفية الرقمية، وخلصت الدراسة إلى أن الأشخاص الذين يعتمدون على الآخرين لإجراء معاملاتهم أو يتجنبون التكنولوجيا يواجهون حواجز حقيقية في الخدمات الرقمية، وأن المطلوب هو تصميم موحد لمعايير إمكانية الوصول، وتوفير المساعدة البشرية، وتحسين واجهات الاستخدام، ولا يمكن افتراض أن الرقمنة وحدها تحقق الشمول المالي.
جدير بالذكر أن عدد الأشخاص ذوي الإعاقة في فلسطين قبل حرب الإبادة على قطاع غزة عام بلغ نحو 115 ألف شخص، بما يعادل 2.1% من السكان، منهم حوالى 58 ألف شخص في قطاع غزة بنسبة 2.6% من سكان القطاع. وتعد الإعاقة الحركية أكثر أنواع الإعاقة انتشاراً، حيث شكلت نحو 47.2% من إجمالي الأشخاص ذوي الإعاقة في قطاع غزة، تلتها صعوبات التعلم والوظائف الإدراكية (26.7%)، وهي فئات قد تواجه تحديات متفاوتة في استخدام تطبيقات الدفع الإلكتروني أو أدوات المصادقة الرقمية، خصوصاً في ظل ضعف البنية التحتية الرقمية والقيود المرتبطة بالحرب.
وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الحرب أدت إلى زيادة متوقعة كبيرة في أعداد الأشخاص ذوي الإعاقة نتيجة الإصابات وبتر الأطراف وتدمير خدمات الرعاية الصحية والتأهيلية، فإن فئة الأشخاص ذوي الإعاقة أصبحت شريحة اجتماعية واقتصادية مهمة عند تقييم شمولية أنظمة الدفع. وقد أكد البنك الدولي أن الأشخاص ذوي الإعاقة يواجهون عوائق مؤسسية وتقنية في الوصول للخدمات المالية، وأن الشمول المالي الرقمي يحتاج إلى تصميم خدمات مصرفية وإلكترونية تراعي إمكانية الوصول، الأمر الذي يجعل تصميم نظم الدفع الرقمية وفق مبادئ الإتاحة والشمول المالي ضرورة لتجنب استبعاد هذه الفئات بحسب البنك الدولي.
ختاماً، يمكن القول: إن النقد، من منظور اقتصادي واجتماعي وإنساني، يبقى الوسيلة الأكثر شمولاً لفئات اجتماعية يصعب عليها التأقلم الكامل مع البيئة الرقمية، مثل الأطفال، وكبار السن، وبعض الأشخاص ذوي الإعاقة. ولذلك فإن الحفاظ على النقد ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه جزءاً من سياسات الشمول المالي والعدالة الاجتماعية، وليس مجرد خيار تقني يتعلق بوسائل الدفع. إذ إن معظم النقاش للمتخصصين في المجال النقدي والاقتصادي عند حديثهم وتقييمهم للنقود يتركز على الاعتبارات الاقتصادية والتنظيمية مثل الكفاءة الاقتصادية، والتكلفة، ومكافحة غسل الأموال والتهرب الضريبي، بينما هناك أبعاد أخرى لا تحظى بالاهتمام الكافي مثل الأبعاد النفسية والاجتماعية والتربوية والأمنية.
ولكن في بيئة نقدية مثل فلسطين التي تعاني من تبعية نقدية لإسرائيل وما تفرضه من قيود واسعة على إدارة النقد وتداوله، يصبح الأمر أكثر تعقيداً، ويتجاوز مجرد الموازنة بين استخدامات الدفع الإلكتروني واستخدامات النقد، ليشمل اعتبارات سياسية ومؤسسية ترتبط بطبيعة النظام النقدي الفلسطيني والقيود السياسية المفروضة عليه، ويحتاج إلى نقاش عميق سنتناوله في مقالات لاحقة إن شاء الله تعالى.
وفي ضوء ذلك، فإن معالجة أزمة السيولة النقدية ينبغي أن تشكل أولوية لدى جميع صناع السياسات ومتخذي القرار في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، باعتبارها ليست مجرد قضية مصرفية أو نقدية، بل قضية تمس الشمول المالي، والاستقرار الاجتماعي، وحق جميع المواطنين في الوصول إلى وسائل دفع آمنة ومناسبة لاحتياجاتهم. كما ينبغي أن تنطلق سياسات تطوير منظومة المدفوعات من مبدأ التكامل بين النقد والمدفوعات الإلكترونية، بما يحافظ على حرية الاختيار بين وسائل الدفع، ويضمن ألا يكون التطور التكنولوجي سبباً في استبعاد أي فئة من المجتمع، بل وسيلة لتعزيز الشمول المالي والعدالة الاجتماعية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أكاديمي وباحث اقتصادي.