حيدر العيلة ( أبو الأمير )
غزة فلسطين
لم يكن غسان كنفاني مقاتلاً بالمعنى التقليدي فقط، بل حمل قضيته في فكره وقلمه، وآمن أن التحرير يبدأ من الوعي قبل الميدان.
عرف أن الاحتلال لا يسرق الأرض وحدها، بل يقتل الذاكرة ويشوّه الرواية، فواجه أعداء الحقيقة بالكلمة وحوّل الأدب إلى مقاومة.
كتب عن اللاجئين والمنفيين والفقراء لأنه عاش وجعهم وكان واحداً منهم، حمل آلامهم وهمومهم إلى الورق، فتحوّل قلمه إلى بندقية تقاوم، وأصبحت رواياته متاريس للوعي، تُواجه محاولات الطمس، وتُبقي فلسطين حيّة في الذاكرة والضمير.
لم يكن غسان كنفاني مجرد أديب فلسطيني، بل كان مقاتلاً من أجل الحرية وصوت شعب حاولوا اقتلاعه من أرضه، فحمل فلسطين في الذاكرة، وحوّل الحكاية إلى مقاومة، والكلمة إلى مواجهة مفتوحة مع محاولات الطمس والنسيان.
كان غسان يعرف أن المعركة مع الاحتلال ليست معركة بندقية فقط، بل معركة وعي وذاكرة وهوية، لذلك كان قلمه خطراً، لأن المثقف المشتبك الذي ينحاز إلى شعبه ويكتب الحقيقة يصبح أكثر قوة من أي سلاح، كتب للفقراء واللاجئين والمنفيين، وفتح جراح النكبة ليقول إن الشعوب لا تُهزم ما دامت تملك القدرة على النهوض والمقاومة.
وفي روايتي "رجال في الشمس" و"عائد إلى حيفا" لم يكن غسان يروي حكايات، بل كان يضع شعباً كاملاً أمام مرآة الأسئلة المصيرية الكبرى في فترة مبكرة: كيف سُلبت الأرض؟ ولماذا ضاعت؟ وكيف يمكن للهزيمة أن تتحول إلى إرادة، وللألم أن يصبح قوة، وللمنفى أن يصنع مشروع العودة؟ كان يؤمن أن الإنسان لا يستعيد وطنه إلا حين يستعيد وعيه وكرامته، وأن اللاجئ ليس قدراً أبدياً، بل مرحلة في طريق التحرير، لذلك دعا إلى تحويل خيمة اللجوء إلى خيمة فدائيين، وإلى أن يدق الجميع جدران الخزان قبل أن يبتلعهم الصمت.
اغتالوا غسان لأنهم أدركوا أن الكلمة الصادقة تُربك المحتل، وأن الرواية التي يكتبها صاحب الحق أخطر من كل محاولات التزييف، قتلوا الجسد، لكنهم فشلوا في قتل الفكرة، لأن الأفكار التي تُولد من معاناة الشعوب لا تموت برحيل أصحابها.
رحل غسان، لكنه ترك خلفه أجيالاً تحمل أسئلته، وتقرأ كلماته، وتدافع عن الذاكرة الفلسطينية في وجه النسيان، بقي حاضراً في كل طفل يعرف اسم قريته المحتلة، وفي كل لاجئ يتمسك بحقه في العودة، وفي كل مقاوم يؤمن بأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع.
غسان لم يمت ... لأن الذين يكتبون من أجل الحقيقة لا يغيبون، ولأن فلسطين التي أحبها وكتب من أجلها ستبقى حاضرة ما بقي إنسان يحمل في قلبه معنى الحرية والعدالة والكرامة.
في ذكرى استشهادك يا أديبنا الخالد نقول:
سلامٌ عليك يا غسان، يا ابن عكّا، يا شهيد الكلمة والموقف ...
سلامٌ عليك يوم وُلدت، ويوم ارتقيت شهيداً، ويوم تُبعث حيّاً في ذاكرة الأحرار، يا شهيد الكلمة والموقف، يا من جعلت من الأدب خندقاً للمقاومة، ومن الثقافة سلاحاً في معركة الوعي، ومن الحبر ناراً تُضيء درب الأحرار ولا تنطفئ، اغتالوا جسدك الطاهر، لكنهم عجزوا عن اغتيال فكرك، فبقيت رمزاً للكلمة الحرة، وصوتاً لفلسطين، وضميراً لكل المقهورين.
ستبقى حيّاً في وجدان شعبك، لأن الشهداء الذين يزرعون الوعي لا يموتون، ولأن الكلمة الصادقة لا تسقط بالتقادم، بل تزداد حضوراً كلما حاول الطغاة إخمادها، ستظل رواياتك شاهدةً على حقٍ لا يضيع، ورايةً ترفعها الأجيال في معركة الحرية والكرامة والعودة.
المجد لروحك الطاهرة، والخلود لذكراك العطرة، حتى تعود فلسطين حُرّةً كما حلمت بها وكتبت من أجلها.
