رام الله- 8-7-2026: أصدر الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين، اليوم الأربعاء، بيانًا في الذكرى 54 سنة على اغتيال الأديب والإعلامي غسان كنفاني، جاء فيه:
"عالم ليس لنا" يعيد مأساتنا في كل يوم، بلا وخز ضمير، ولا مراجعة إنسانية، يقطف أعمارنا ويمضي بنا ونحن نكابد الويلات، ونواجه المخرز في العيون يا غسان، عالم لم يراعِ سفك دمائنا على مذبح الحرية، ولم يراجع إنسانيته في ترميم حياتنا، يرفع شعارات الدفاع عن حقوق الإنسان، وما يزال ينتهكه، أو يسكت عن انتهاكها في فلسطين، ولأنك من أوائل من كتبوا عن هذا العالم، وانحيازه للاحتلال، وانصرافه عن حق الشعب الفلسطيني في وطنه، نعيد لك يقين ما قلت، ونجدد بحبرنا الساخن، لعل صوتك يصل، وينعدل الحق المغبون، ويعود لشعبنا حقه المصيري.
و"أرض البرتقال الحزين" تعاند بقوة الحق المبين شر أشرار العالم، تواصل نضالها بأهلها وسكانها، وأطفالها، ونسائها، وشيوخها، يومًا عن ظهر يوم، منذ أن بدأت النكبة، وبعد أن توقفت ساعتك عند التاسعة صباحًا في بيروت، واستشهادك بالتفجير الغادر والجبان، وابنة شقيقتك لميس نجم ترافقك بخطوة نحو الحياة، فشلت وتعجل رحيلكما بشهادة الدم الذي يتحدى السيف، منذ أن وطأت عصابات الصهاينة أرضنا، والبرتقال بات حزينًا، وتحول إلى قنبلة، ولعنة في وجه القتلة، لم يعد برتقال الشتاء المعهود، ولا خزينة الأمهات العائدات من وراء التلال القريبة، وبرق حضورهن يضيء للكون دروبه، هات الأمهات ولدن أمهاتٍ يتعرضن اليوم للإبادة في غزة، ويقاومن بالصبر، والثبات، وسواعدهن حملت نعوش أطفالهن وهم راحلون بلا ذنب كما رحلت لميس، وكما رحلت أنت، فالظلم يواصل في ليالينا حلكة، والمصير على احتمالات شتى، ولكن شعبنا ثابت على ثوابته التي قضيت نحوها وأنت مؤمن بها.
"رجال في الشمس" كانوا الرجال في الشمس، أما اليوم فالكل بات في الشمس، لا خيامهم تحميهم من برد الفصول، ولا من شمس حارقة، شعبنا كله اليوم في الشمس يا غسان، ولكن ليسوا في عربة من حديد ليقرعوها، بل فضاء مفتوح على الموت، والجوع، والقهر، في عربة ضخمة اسمها الإبادة، في عربة نارها مشتعلة، ولا إطارات لها لتسير إلى غايتها، نعم كثير من أبناء شعبنا هاجروا من بعد قتل بشع، وتدمير، وشطب، واعتقالات طالت المريض، والمرأة، والطفل، وحتى الكلمة، والحبر السري، لم تعد المواجهة بين الاحتلال وشعبنا، مواجهة مسلح لمسلح، بل باتت قتلًا بلا حدود، تدميرًا لكل حي يتحرك، للمباني، والحدائق، والمعابد، والمستشفيات، والجامعات، والمدارس، حتى كراريس الرسم يا غسان لم تنجُ من الطائرات، والمسيرات، والقذائف، ورغم كل هذا وما هو أبشع، شعبنا باقٍ بصبره وثباته، ويقينه، باقٍ في القدس المحاصرة، والضفة الصامدة، وغزة المعاندة.
"عن الرجال والبنادق" فلسطين ببارودها ونارها، برجالها وجباههم العالية، رغم طغاة العصر، وتسلحهم الاستراتيجي والنووي، يكتبون على ورق الغار وبالدماء حكمتك، ومقولتك العالية: "لا تمت قبل أن تكون ندًّا"، وكل شهيدٍ كان ندًّا، وأينعت دماؤه في سحاب يجاورك اليوم، كل أسير أصبح ندًّا يواجه القهر بأيامه وجسمه النحيل، ويواصل رغم أنف الطغمة المتكبرة، وبن غفير اللعين، وسجانيه الملاعين، يواصلون أسرانا بطولاتهم بالتحدي والثبات والصبر، ونور قلوبهم أقوى من عتمة الزنازين، وأما عن الرصاصة فقد خذلت إلى حين، والمواجهة مستمرة يا غسان.
"عائدٌ إلى حيفا" هو حلمنا الأكبر نعيشه رغم كل الجبروت الاحتلالي، والمدعوم عالميًا، نعيشه ونمضي به، لا مساومة عليه، ولا نهاية لنا دونه سوى الشهادة، لتنم عين قريرة، وألقِ السلام على لميس قبل أن تغرب شمس الاحتلال لتشرق شمس حريتنا، لنضع إكليل ورد لك ولها على قوس نصرنا، نم يا غسان فإننا على عهدك باقون، وماضون رغم جراحنا وأوجاعنا الكثيرة، فالوطن يستحق، والمجد كل المجد بالفداء والتضحية."
