عندما طاردوا الكلمة والفكرة
غسان كنفاني: الرصاصة التي لم تقتل الفكرة
بقلم: الإعلامي الدكتور خالد الفقيه
صباح السبت الثامن من يوليو عام 1972، كانت منطقة الحازمية قرب بيروت، على موعد على حدث كبير هز الوجدان قبل المباني. عبوة ناسفة وضعت بعناية في المكان، وما أن أدار مفتاح سيارته لتشغيلها حتى تطابر جسده المنهك ملتحماً بجسد إبنة أخته لميس في أرجاء المكان.
ورغم الرحيل المفجع وقبل أن تكتمل رواياته أو أن يعود إلى وطن طرد منه صغيراً لا زال اسم غسان كنفاني حاضرًا في كل محطة وتفصيلة، فذلك التاريخ ما زال يجترح لنفسه مكاناً لا بوصفه ذكرى جامدة، بل بوصفه مرجعية فكرية يُعاد الاستشهاد بتحليلاته كلما طُرح سؤال التطبيع، أو سؤال اللغة الإعلامية التي تُخفي وقائع الحرب والحصار خلف مصطلحات مخففة. وربما يكمن سرّ استمرار حضوره في أن الرصاصة التي اغتالت الرجل لم تنجح في اغتيال الفكرة التي بناها: إن معركة الوعي والسردية لا تقل خطورة عن أي معركة أخرى، في راهنية لم تنطفئ.
في حينه عثر المحققون بين الأنقاض على قصاصة ورق عليها نجمة داود، ورسالة سخرية موقّعة باسم السفارة الإسرائيلية في كوبنهاغن. رغم أن إسرائيل لم تعلن مسؤوليتها رسميًا، لكن الاتهام لم يتجه يومًا إلا إليها. خطورة كنفاني بالنسبة لإسرائيل لم تكن تكمن في السلاح، بل في المواقع الذي شغلها رئيساً لتحرير مجلة الهدف والناطق الإعلامي باسم تنظيم فلسطيني يطل من خلاله على العالم متحدثاً بإسم المقاومين وعارضاً عملياتهم النوعية في كل بقعة وقاع ويعطي المواقف للصحفيين، كان يبني وعياً ومشروعاً ثقافياً وسياسياً متكاملاً في إطار سعيه لصياغة هوية مقاومة جديدة، وهذا تحديدًا ما جعل تصفيته أولوية استخباراتية لا تقل عن تصفية القادة العسكريين. وقد تكون تصريحات غولدا مائير نفسها، التي أنكرت في مطلع السبعينيات وجود شعب فلسطيني، جاءت لتكشف، من دون قصد، حجم القلق الإسرائيلي من كتّاب وأدباء مثل كنفاني كانوا يعيدون صياغة الرواية الفلسطينية أمام العالم وينقلونها من قضية لاجئين متناثرين إلى قضية شعب له سرديته وحقه في العودة.
بعد أكثر من خمسين عامًا على تلك اللحظة، لا تزال ذكرى كنفاني تُستدعى بوصفها واحدة من أكثر جرائم الاغتيال السياسي دلالة في تاريخ فلسطين؛ إذ لم يكن الرجل الذي قُتل قائداً عسكرياً بل كاتباً جعل من قلمه وكلماته سلاحه من منطلق إيمانه بأهمية الجبهة الثقافية. وهذا بالذات ما يجعل اغتياله سؤالاً متجدداً: لماذا يستهدف كاتب بهذه الطريقة الوحشية غير المسبوقة؟
الجواب الذي يتكرر في الشهادات والوثائق يتلخص في أن كنفاني لم يكن يُنظر إليه كأديب فحسب، بل كخطر استراتيجي مركّب. فبعد عملية مطار اللد في مايو 1972، وبحسب ما نقلته تقارير صحفية عربية، أعدّت رئيسة الوزراء الإسرائيلية آنذاك غولدا مائير، بالتنسيق مع رئيس الموساد، قائمة تصفية طالت عددًاً من القيادات والمفكرين الفلسطينيين، وكان اسم كنفاني على رأسها إلى جانب أسماء أخرى مثل وديع حداد وكمال ناصر وكمال عدوان.
من عكا إلى المنفى: سيرة جيل بأكمله
وُلد كنفاني في عكا في التاسع من أبريل 1936، ولم يتجاوز الثانية عشرة حين اقتلعته النكبة من وطنه عام 1948 مع عائلته، في رحلة لجوء سيرًا على الأقدام انتهت به لاجئاً في دمشق. تلك التجربة، تجربة الطفل الذي يفقد وطنه فجأة ويتحول إلى رقم في مخيم، شكّلت الخيط الناظم لكل ما كتبه لاحقاً. عمل معلماً للاجئين في وكالة الغوث، ثم مدرّساً في الكويت، قبل أن يستقر في بيروت عام 1960 محرراً صحفياً، ثم رئيساً لتحرير مجلة الهدف.
لم يكن كنفاني كاتباً بمعزل عن السياسة، ولا سياسياً بمعزل عن الفن والأدب؛ كان الاثنان عنده مشروعاً واحداً. أصدر حتى استشهاده كم كبير من الإصدارات بين الرواية والقصة القصيرة والمسرح والدراسات النقدية، وترجمت أعماله إلىعدد من اللغات العالمية.
الرؤية الاستشرافية: حين يتقدم الأدب على السياسة
ما يميز كنفاني عن كثير من كتّاب جيله هو أن نصوصه، لا تزال تُقرأ كأنها كُتبت اليوم. ثلاث أفكار أساسية شكّلت جوهر رؤيته الاستشرافية: أولها رفض الحل الفردي والحنين العاجز. في روايته "زجال في الشمس"، يموت اللاجئون الثلاثة اختناقاً داخل خزان صهريج فارغ وهم يحاولون التسلل إلى الكويت بحثاً عن لقمة العيش، بينما يتساءل السائق المتواطئ في المشهد الأخير عن سبب عدم قرعهم جدران الخزان لإنقاذ أنفسهم. كان كنفاني بذلك يوجّه نقداً مبكراً لجيل كامل اكتفى بالصمت وانتظار الحلول من الخارج، وهي رسالة استعادت راهنيتها كل مرة يتجدد فيها النقاش حول جدوى المراهنة على تدخل الآخرين لإنصاف القضية الفلسطينية.
وثانيها، أن استعادة الحقوق مشروع جماعي لا يمكن التعويل فيه على الأنظمة العربية وحدها. فقد أكد كنفاني في أكثر من عمل أدبي أن فكرة الاعتماد على الدول العربية لاسترداد الحقوق الفلسطينية غير كافية، لأنها لم تسمح للفلسطينيين أصلاً بتشكيل تنظيماتهم أو ممارسة مقاومتهم، وهذا التشخيص، الذي كتبه في ستينيات القرن الماضي، يبدو اليوم أقرب إلى قراءة مسبقة لمسار التطبيع والتسويات التي جرت لاحقاً بمعزل عن الفلسطينيين أنفسهم.
وثالثها، مفهوم (اللغة العمياء). في مقال سياسي كتبه عام 1968، حذّر كنفاني من لغة إعلامية وسياسية تُسمّي الأشياء دون أن تكشفها: تصف الاحتلال الاستعماري بأنه "أزمة"، وتصف ما هو إبادة بأنه "تصعيد" أو "ضرورة أمنية". هذا التحليل يُستدعى اليوم بقوة كلما وُصفت حرب أو حصار بمصطلحات تخفف من وطأة الحقيقة على الرأي العام، وهو ما يمنح كتاباته بعداً استشرافياً يتجاوز زمنها.
ميّز غسان بوضوح بين أدب المقاومة وبين الشعارات المباشرة، محذراً من أن يتحول الأدب إلى مجرد بندقية وخطابة بدل أن يكون وعياً وبناء هوية.
