كتب حيدر العيلة (أبو الأمير)
بينما يعيش الشعب الفلسطيني واحدة من أكثر اللحظات مأساوية في تاريخه الحديث، وبينما تتحول غزة إلى مدينة منكوبة بفعل حرب مدمرة أكلت الحجر والبشر، يخرج علينا الرئيس أبو مازن بمرسوم رئاسي يدعو إلى انتخابات جديدة، وكأن جوهر الأزمة الفلسطينية يكمن في غياب صناديق الاقتراع، لا في انهيار المشروع الوطني وتفكك مؤسساته.
وبينما يموت أطفال غزة تحت الأنقاض، ويقف الناس ساعات طويلة بحثاً عن لقمة خبز أو جرعة ماء، لا يزال جزء من الطبقة السياسية الفلسطينية يتعامل مع المأساة وكأنها مجرد محطة في صراع طويل على السلطة والنفوذ.
غزة اليوم ليست مجرد مدينة منكوبة، بل شاهد حي على فشل مشروعين سياسيين ادعى كل منهما امتلاك الحقيقة والشرعية والقدرة على قيادة الشعب الفلسطيني.
حماس التي رفعت راية المقاومة، تجد نفسها اليوم أمام سؤال لا يمكن الهروب منه: ماذا كانت نتيجة السياسات الخاطئة التي أوصلت غزة إلى هذا المصير؟ فالشعوب لا تُقاس بالنوايا، بل بالنتائج، وعندما تكون النتيجة عشرات الآلاف من الضحايا ودماراً غير مسبوق وانهياراً شبه كامل لمقومات الحياة، يصبح من حق الناس أن تسأل وأن تحاسب.
ومع ذلك، يبدو أن قيادة الحركة ما زالت تتعامل مع المشهد من زاوية الحفاظ على النفوذ السياسي والعسكري أكثر من تعاملها مع حجم الكارثة التي يعيشها الناس، فالنقاش الدائر حول مستقبل غزة لا ينطلق من كيفية إنقاذ المجتمع المنكوب وإعادة بنائه، بل من كيفية الحفاظ على موطئ قدم في السلطة وحصة في ترتيبات اليوم التالي.
وفي الجهة الأخرى، لا تملك السلطة الفلسطينية وحركة فتح ما يبرر مطالبتها بأن تكون البديل الأفصل لحكم غزة بعد ان تركت الناس لمصيرها، ولم تقم بالدور المنوط بها تجاه أهل غزة وكأن حرب الإبادة بالنسبة لها لم تحدث في غزة، بل على الجانب المعتم من للقمر.
كما أن سنوات طويلة من التفرد بالقرار، وتعطيل المؤسسات الوطنية، وتهميش منظمة التحرير، وغياب الانتخابات، وانتشار الفساد والمحسوبية، أضعفت ثقة الفلسطينيين بها وحولت جزءاً كبيراً من مؤسساتها إلى هياكل بيروقراطية بعيدة عن نبض الشارع ومعاناته.
لقد فشلت حماس في تقديم نموذج حكم "رشيد" قادر على حماية المجتمع من الانهيار، وفشلت السلطة في تقديم نموذج وطني جامع قادر على توحيد الشعب واستنهاض طاقاته، وبين الفشلين يقف المواطن الفلسطيني وحيداً، يدفع ثمن الأخطاء والرهانات الخاطئة والصراعات العبثية.
المشكلة ليست في حماس وحدها، وليست في السلطة وحدها، بل في ثقافة سياسية كاملة قامت على احتكار الحقيقة واحتكار القرار واعتبار الوطن ملكية خاصة لهذا الفصيل أو ذاك، ثقافة جعلت المصالح التنظيمية تتقدم على المصلحة الوطنية، وجعلت الولاء للفصيل أحياناً أهم من الولاء لفلسطين نفسها.
لقد آن الأوان للاعتراف بحقيقة مؤلمة: لا أحد بريء من المسؤولية، الاحتلال المجرم يتحمل المسؤولية الأكبر باعتباره صاحب المشروع الاستعماري والعدواني الذي دمر غزة وقتل أهلها، لكن هذا لا يعفي القوى الفلسطينية من مسؤولية مراجعة سياساتها وأخطائها وخياراتها التي ساهمت في إيصال الوضع إلى ما هو عليه.
إن شعب غزة لا يحتاج إلى خطابات النصر ولا إلى بيانات التخوين المتبادلة، ما يحتاجه هو قيادة وطنية مسؤولة تمتلك الشجاعة للاعتراف بالأخطاء قبل المطالبة بحق قيادة الناس وريادة المستقبل، يحتاج إلى مشروع وطني جديد يقوم على الشراكة والمحاسبة والديمقراطية، لا على التفرد والإقصاء والاستحواذ.
السؤال الذي يجب أن يواجه الجميع اليوم ليس من سيحكم غزة بعد الحرب، بل من سيحاسب من أوصل غزة إلى هذا الجحيم؟ ومن يمتلك الجرأة ليقول إن استمرار السياسات نفسها، والوجوه الكالحة نفسها، والعقليات المريضة نفسها، لم ينتج إلا كوارث جديدة يدفع ثمنها الشعب الفلسطيني مرة أخرى؟
لا أحد يعارض الانتخابات بوصفها حقاً ديمقراطياً وآلية لتجديد الشرعيات، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل هذه هي الأولوية الوطنية الآن؟ وهل تكمن أزمتنا حقاً في عدم إجراء الانتخابات، أم في غياب الشراكة الوطنية وتهميش المؤسسات واحتكار القرار السياسي طوال سنوات طويلة؟
فالانتخابات ليست مجرد إجراء إداري أو استحقاق قانوني معزول عن الواقع السياسي.
الانتخابات الحقيقية هي تتويج لحالة من التوافق الوطني، واحترام التعددية، وتكافؤ الفرص، وضمان الحريات العامة، أما حين تُطرح في ظل الانقسام القائم، وغياب التوافق الوطني، واستمرار سياسات الإقصاء والتفرد، فإنها تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الأزمة لا إلى وسيلة للخروج منها.
غزة لا تحتاج إلى تغيير الحكام فقط، بل إلى تغيير طريقة التفكير التي أوصلتها إلى هذه المأساة، فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، ولا تُدار بالمغامرات، ولا تُنقذ بالاستفراد، وما لم تتحول هذه الكارثة إلى لحظة مراجعة وطنية شاملة، فإن الدماء التي سالت والبيوت التي هُدمت، والمعاناة التي عاشها شعبنا ستتحول إلى مجرد مقدمة لكوارث أكبر وأشد قسوة في المستقبل.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها
