غزة بين المعابر المقنّنة والنار المفتوحة: أزمة غذاء وصحة وخروقات ميدانية تهدد ما تبقى من مقومات الحياة

لم تكن أزمة المعابر في قطاع غزة حدثاً عابراً في أسبوع التصعيد الإقليمي الأخير، بل كشفت مجدداً هشاشة الحياة اليومية في القطاع، حيث يرتبط الغذاء والدواء والوقود وحركة المرضى بقرار إسرائيلي يمكن أن يغلق المنافذ أو يفتحها جزئياً خلال ساعات.

فمع بدء القصف الإيراني على المدن الإسرائيلية مطلع الأسبوع الماضي، سارعت إسرائيل إلى إغلاق معابر قطاع غزة، في خطوة انعكست سريعاً على الأسواق المحلية التي تعتمد بصورة شبه كاملة على تدفق البضائع والمساعدات بشكل يومي. ورغم أن الإغلاق استمر ليومين تقريباً قبل استئناف العمل بصورة جزئية، فإن أثره كان فورياً: اختفاء أصناف غذائية أساسية، ارتفاع أسعار اللحوم والخضروات، وتراجع قدرة المخابز والمطابخ التكافلية على تلبية احتياجات السكان.

وتصف أوساط اقتصادية في غزة الواقع الراهن بأنه حالة “اعتمادية كاملة”، إذ باتت حاجات السكان اليومية، من الخبز والطحين إلى الوقود والمواد الاستهلاكية، مرتبطة بعمل المعابر وحجم الشاحنات المسموح لها بالدخول. فبعد أن كان القطاع يحتاج قبل الحرب إلى مئات الشاحنات يومياً لتغطية الحد الأدنى من الاستهلاك، باتت الكميات الحالية أقل بكثير من الاحتياج، في ظل تدمير مرافق التخزين والثلاجات التجارية والمنشآت الاقتصادية خلال الحرب.

أطفال فلسطينيون نازحون يرتدون الزي الرياضي يشاركون في حصة تدريبية لكرة القدم في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، 16 يونيو/حزيران 2026. صورة: بلال أسامة


وتشير معطيات إنسانية حديثة إلى أن الأزمة لم تعد مقتصرة على نقص مؤقت في السلع، بل تحولت إلى خلل بنيوي في قدرة القطاع على تأمين احتياجاته. فبرنامج الأغذية العالمي يقدّر أن نحو 1.6 مليون شخص في غزة، أي ما يقارب 77% من السكان، يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما يُتوقع أن يعاني أكثر من 100 ألف طفل وعشرات الآلاف من النساء الحوامل والمرضعات من سوء التغذية الحاد.

وفي أحدث تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، جرى التأكيد على أن الإغلاق المؤقت لمعابر غزة في 7 حزيران/يونيو، ثم إعادة فتحها تدريجياً، جاء في ظل واقع قائم أصلاً على القيود. فمعبر كرم أبو سالم لا يزال نقطة الدخول الأساسية للبضائع المعتمدة، بينما تواجه القوافل الإنسانية تأخيراً واختناقات على طرق التفتيش والعبور، بما يحد من قدرة المؤسسات الإنسانية على جمع الإمدادات وتوزيعها بالسرعة المطلوبة.

كما تشير بيانات أوتشا إلى أن إدخال الوقود لا يزال أقل من الاحتياجات الضرورية لتشغيل العمليات المنقذة للحياة. فخلال الفترة بين 1 و9 حزيران/يونيو، دخل إلى غزة ما يزيد قليلاً على مليون لتر من الديزل، وهي كمية لا تكفي لتشغيل المرافق الحيوية بصورة مستقرة، ما يضطر المنظمات الإنسانية إلى إعطاء الأولوية للخدمات الأشد إلحاحاً وتقليص أنشطة أخرى.

يرقد الصياد الفلسطيني يوسف النجار على سرير المستشفى بعد إصابته بقصف إسرائيلي أثناء عمله في البحر قبالة قطاع غزة، في 16 يونيو/حزيران 2026.صورة: طارق محمد


وتنعكس أزمة الوقود مباشرة على المياه والصرف الصحي والصحة العامة. فبحسب أوتشا، يعتمد أكثر من 70% من السكان على صهاريج المياه كمصدر رئيسي للشرب، وهي خدمة يصعب استمرارها من دون وقود وتمويل وإمدادات منتظمة. كما أن تراكم النفايات داخل المناطق السكنية ومحيط مراكز النزوح، بفعل صعوبة الوصول إلى المكبات القريبة من المناطق الشرقية، يفاقم انتشار القوارض والحشرات والأمراض الجلدية والمعوية.

وفي قطاع الصحة، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فقد شاركت طواقم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، الثلاثاء 16 يونيو/حزيران 2026، في عملية إجلاء طبي جديدة عبر معبر رفح شملت 97 شخصاً، بينهم 35 مريضاً و62 مرافقاً، من أجل تلقي العلاج خارج القطاع. وانطلقت العملية من مستشفى التأهيل الطبي التابع للهلال الأحمر في خان يونس، فيما تولت منظمة الصحة العالمية تنسيق عملية الإجلاء مع الجهات ذات العلاقة.

يغادر مرضى وجرحى فلسطينيون، برفقة ذويهم، مقر جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في خان يونس، جنوب قطاع غزة، في 16 يونيو/حزيران 2026، صورة: طارق محمد


ورغم أهمية هذا الإجلاء، فإنه لا يمثل سوى جزء محدود من الحاجة الفعلية. فآلاف المرضى والجرحى ما زالوا بحاجة إلى علاج تخصصي غير متوفر داخل غزة، في ظل استنزاف المستشفيات، نقص الأدوية والمستلزمات، تضرر البنية الصحية، واستمرار الضغط على الطواقم الطبية. كما أن آلية خروج المرضى عبر رفح لا تزال بطيئة ومقيدة، ولا تتناسب مع حجم الحالات التي تحتاج إلى تدخل عاجل خارج القطاع.

ميدانياً، تواصلت خروقات وقف إطلاق النار في مناطق متفرقة من غزة. فقد استشهد مواطنان، الثلاثاء  16 يونيو/حزيران 2026، في استهداف بطائرة مسيرة إسرائيلية قرب برج النوري شمال مخيم النصيرات وسط القطاع. وذكرت مصادر محلية أن الشهيدين هما الشقيقان أحمد ومحمود وليد أبو هين.

يتجمع الناس حول جثتي فلسطينيين اثنين استشهدا في غارة عسكرية إسرائيلية استهدفت نقطة تجمع للمدنيين في مخيم النصيرات للاجئين، في 16 يونيو/حزيران 2026. حسن جيدي


كما أطلقت آليات الاحتلال النار بكثافة شرقي مدينة خان يونس جنوبي القطاع، بالتزامن مع قصف مدفعي وتحليق منخفض للطائرات المسيرة. وشهدت منطقة شارع صلاح الدين عند دوار بني سهيلا إطلاق قنابل دخانية ونيران كثيفة، فيما تعرضت المناطق المحيطة بجسر وادي غزة شمال مخيم البريج لإطلاق نار من آليات الاحتلال. وفي مدينة غزة، سجل تحليق منخفض للطيران المروحي الإسرائيلي فوق مناطق شرقية وغربية، ما أبقى السكان في حالة توتر وترقب.

وكانت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة قد أعلنت، الثلاثاء، أن مستشفيات القطاع استقبلت خلال الساعات الأربع والعشرين السابقة خمسة شهداء وثمانية مصابين، مشيرة إلى أن عدداً من الضحايا لا يزالون تحت الأنقاض وفي الطرقات، مع تعذر وصول طواقم الإسعاف والدفاع المدني إليهم. ووفق حصيلة الوزارة، بلغ عدد الشهداء منذ بدء خروقات وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر الماضي 997 شهيداً و3152 مصاباً، إضافة إلى انتشال 784 جثماناً. ومع الإعلان المحلي عن استشهاد الشقيقين في النصيرات لاحقاً، يرتفع الرقم المتداول إلى نحو 999 شهيداً منذ وقف إطلاق النار.

أما الحصيلة التراكمية للحرب منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، فقد بلغت، بحسب وزارة الصحة، أكثر من 73 ألف شهيد ونحو 173 ألف مصاب، في مؤشر على حجم الكلفة البشرية التي ما زالت تتراكم رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في تشرين الأول/أكتوبر 2025.

وتنسجم هذه المعطيات مع تحذيرات المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، الذي قال أمام مجلس حقوق الإنسان إن القوات الإسرائيلية قتلت ما يقارب ألف فلسطيني في غزة منذ إعلان وقف إطلاق النار، معظمهم من المدنيين، وإن السلطات الإسرائيلية تدفع الفلسطينيين إلى مساحة تتقلص باستمرار داخل القطاع، بالتزامن مع فرض قيود على المساعدات المنقذة للحياة.

وفي موازاة الأزمة الإنسانية والميدانية، يضيق هامش العمل الحقوقي داخل القطاع. فقد أعلن المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إغلاق مكتبه في غزة بعد نحو 15 عاماً من العمل الميداني، قائلاً إن القرار جاء كإجراء احترازي في ظل ما وصفه بحملة إسرائيلية من التهديدات والتحريض والإجراءات العقابية ضد المنظمة والعاملين فيها على خلفية توثيقهم للانتهاكات في القطاع.

وتكشف مجمل هذه التطورات أن وقف إطلاق النار لم يتحول إلى واقع إنساني مستقر. فالمعابر تعمل تحت سقف سياسي وأمني متقلب، والأسواق محكومة بندرة الإمدادات وارتفاع الأسعار، والمستشفيات عاجزة عن استيعاب حجم الاحتياج، فيما تتواصل الغارات وإطلاق النار والقصف المدفعي داخل مناطق يفترض أنها مشمولة بالتهدئة.

وبين الغذاء المفقود، والمرضى العالقين، والمناطق التي تضيق على سكانها يوماً بعد يوم، يبدو قطاع غزة أمام معادلة قاسية: لا حرب شاملة معلنة كما في ذروة العدوان، ولا سلام فعلي يتيح للناس استعادة الحد الأدنى من شروط الحياة. إنها مرحلة استنزاف يومي، تُدار فيها الأزمة عبر المعابر والنار والقيود، وتدفع ثمنها الأسر النازحة والمرضى والأطفال أولاً.