الحاكمية العائلية..ظاهرة خطيرة تتمدد على وقع الخوف من المستقبل

بقلم عيسى سعد الله

خلال الأسابيع الأخيرة، بات من اللافت ملاحظة توجه كثير من العائلات في القطاع إلى إعادة تنظيم صفوفها الداخلية، والعمل على لم شمل أفرادها، وترتيب أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، عبر تشكيل “الحاكمية العائلية” باعتبارها إطارا للحماية والتماسك في ظل الظروف الراهنة. هذه الظاهرة، وإن بدت في ظاهرها محاولة طبيعية للتكيف مع الأزمات، إلا أنها تحمل في عمقها مؤشرات اجتماعية وسياسية تستحق التوقف عندها بجدية.

فعندما تتراجع قدرة المؤسسات الرسمية على القيام بدورها الناظم، أو يضعف شعور المواطن بوجود مرجعية قادرة على إدارة الأوضاع العامة بكفاءة وطمأنينة، يبدأ المجتمع تلقائيا بالبحث عن بدائل أكثر قربا وأمانًا. وفي مجتمعاتنا، تبقى العائلة هي الملاذ الأول والأخير، بوصفها الإطار الأكثر حضورًا وقدرة على توفير الدعم النفسي والاجتماعي وحتى الاقتصادي عند الأزمات.

ما يجري اليوم لا يمكن قراءته باعتباره مجرد عودة للعلاقات العائلية التقليدية، بل هو انعكاس واضح لحالة القلق المتزايد التي يعيشها الناس نتيجة الغموض السياسي والاقتصادي والأمني. فالعائلات التي تسارع إلى ترتيب بيتها الداخلي، وتوحيد مواقفها، وتعزيز شبكاتها الاجتماعية، إنما تفعل ذلك انطلاقا من شعور متنام بأن المرحلة المقبلة قد تحمل تحديات أكبر، وأن الاعتماد على الذات أصبح ضرورة أكثر من كونه خيارًا.

لقد أفرزت الأوضاع الحالية حالة عامة من انعدام اليقين، حيث يشعر المواطن بأن المشهد مفتوح على احتمالات متعددة دون وجود رؤية واضحة أو ضمانات حقيقية للاستقرار. ومع غياب الإحساس بالأمان المؤسسي، تتعاظم الحاجة إلى الأطر التقليدية التي تمنح الأفراد شيئًا من الحماية والانتماء. ومن هنا، يمكن فهم تصاعد الحديث عن “الحاكمية العائلية” بوصفها محاولة لإعادة تنظيم العلاقات والموارد والقرارات داخل العائلة بما يضمن قدرتها على الصمود في وجه المتغيرات.

ورغم أن هذا التماسك العائلي يحمل جانبا إيجابيا يتمثل في الحفاظ على النسيج الاجتماعي ومنع التفكك، إلا أن اتساع هذه الظاهرة قد يشير في الوقت نفسه إلى فجوة آخذة في الاتساع بين المجتمع والمؤسسات العامة. فكلما شعر الناس بأن الدولة أو الجهات الناظمة عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الطمأنينة، ازداد الميل نحو الانكفاء والخوف.

إن المجتمعات لا تبحث فقط عن الأمن المادي، بل عن الشعور بالاستقرار والثقة بالمستقبل. وعندما يغيب هذا الشعور، تظهر تلقائيا سلوكيات جماعية تهدف إلى خلق بدائل للحماية والاحتواء. لذلك، فإن معالجة هذه الظاهرة لا تكون بانتقادها، بل بفهم أسبابها.

في النهاية، يمكن القول إن ما نشهده اليوم ليس مجرد إعادة ترتيب عائلية عابرة، بل مؤشر اجتماعي عميق يعكس حجم القلق الذي يعيشه الناس، وحاجتهم المتزايدة إلى البحث عن الأمان في زمن تتراجع فيه الطمأنينة العامة.