بند "حق الدفاع عن النفس" ذريعة نتنياهو للعودة الى العدوان على لبنان

زمن: لم تمضِ ساعات قليلة على سريان وقف إطلاق النار بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي، حتى سُجّلت عشرات الخروقات التي ارتكبها جيش الاحتلال منذ ساعات الفجر، في مشهد يعكس هشاشة الاتفاق منذ لحظاته الأولى.

واتهم الجيش اللبناني إسرائيل بخرق الاتفاق، بعد قصفها عدة مناطق في جنوب لبنان، محذرًا المواطنين من العودة إلى القرى الجنوبية في ظل استمرار التوتر الميداني.
ودعت قيادة الجيش اللبناني المواطنين إلى التمهّل في العودة إلى بلداتهم وقراهم، في ظل استمرار ما وصفته بالخروقات والاعتداءات الإسرائيلية، إلى جانب قصف متقطع استهدف مناطق مختلفة، دون أن يصدر أي تعليق من الجانب الإسرائيلي حتى الآن.

في السياق، يرى مراقبون أن قرار وقف إطلاق النار، الذي أُعلن يوم أمس، لا يزال هشًا للغاية، خاصة أن بنيامين نتنياهو وحكومته قبلا به تحت ضغط مباشر من دونالد ترامب، الذي أعلن الاتفاق عبر وسائل الإعلام حتى قبل اجتماع كابينت الاحتلال للتصويت عليه، في خطوة عكست حجم الضغوط السياسية المحيطة بالقرار.

وتحمل مذكرة التفاهم التي جرى الإعلان عنها بندًا يُرجّح أن يشكّل مدخلًا لتفجير الاتفاق في أي لحظة، إذ ينص على أن "إسرائيل تحتفظ بحقها في اتخاذ جميع التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، في أي وقت، ضد أي هجمات مخططة أو وشيكة أو جارية، ولن تعيق الهدنة هذا الحق"، وهو ما يفتح الباب أمام خروقات ومجازر وجرائم كثيرة على غرار ما جرى في العامين الماضيين، وهو ما يجعل من هذا البند مدخلا لنتنياهو للحرب لأسبابه الكثيرة.

وعلى ضوء المعطيات الناجمة عن سير المواجهة خلال الأسابيع الماضية، برزت مجموعة من الأسباب التي تدفع نتنياهو للتنصّل من اتفاق وقف إطلاق النار، والعودة الى الحرب في مقدمتها الإخفاق في تحقيق الأهداف المعلنة. فقد دخل المواجهة رافعًا سقف التوقعات، سواء بإضعاف خصومه من خلال التعهد بنزع سلاح حزب الله أو فرض معادلات ردع جديدة كإقامة منطقة عازلة جنوب الليطاني، إلا أن الواقع الميداني لم يعكس إنجازًا واضحًا، ما يضعه أمام خيارين أحلاهما مرّ: القبول بوقف نار يُفهم كهزيمة، أو العودة إلى التصعيد لمحاولة تعديل الصورة.

إلى جانب ذلك، أسهم إعلان وقف إطلاق النار بضغط خارجي في تآكل صورة نتنياهو كـ"صاحب القرار"، إذ بدا وكأنه غير ممسك بزمام الحرب والسلم، وهو ما يضعف موقعه أمام جمهوره ويدفعه لمحاولة استعادة المبادرة عبر التشدد أو الانقلاب على الاتفاق.
ويتصاعد الغضب داخل الشارع الإسرائيلي، خاصة في المستوطنات الشمالية، نتيجة الخسائر والتهديدات المستمرة، وقد انعكس ذلك بوضوح في المشهد الميداني والإعلامي، حيث ترافقت الاحتفالات في الضاحية الجنوبية بوقف إطلاق النار مع غضب المستوطنين خاصة في اعقاب الهجمة الصاروخية الأخيرة التي أطلقها حزب الله على نهاريا، ما شكّل ضغطًا إضافيًا على حكومة نتنياهو.

هذا الضغط تفاقم مع مشاهد عودة واسعة للنازحين اللبنانيين إلى القرى والبلدات الجنوبية والضاحية الجنوبية لبيروت، في مقابل تصاعد حالة الغضب داخل المستوطنات الشمالية، حيث اعتبر مستوطنون أن وقف إطلاق النار يشكّل "خيانة" وتخليًا عن أمنهم، ما زاد من حدة الهجوم على حكومة نتنياهو.

وفي هذا الإطار، هاجمت صحيفة "هآرتس" نتنياهو، معتبرة أنه لم يعد يمتلك هامش مناورة واسعًا في ظل فرض وقف إطلاق النار من قبل الإدارة الأميركية، ما سيصعّب عليه إقناع الجمهور بتحقيق أهداف الحرب. كما سلّطت صحيفة "معاريف" الضوء على حالة الغضب في الشمال، حيث وصف مسؤولون محليون القرار بأنه "هزيمة وعار"، مؤكدين فقدان الثقة بالحكومة.

ونقل عن المحلل العسكري آفي أشكنازي قوله إن "إسرائيل أنهت الحرب وهي صاغرة، دون امتلاك إجابات واضحة لتبرير موقفها أمام الجمهور"، فيما عبّر مستوطنون عن غضبهم الشديد، معتبرين أن الحكومة "تخلّت عنهم"، ومؤكدين أنهم سيحاسبونها في صناديق الاقتراع.

وفي السياق ذاته، تساءل مسؤولون محليون عن مستقبل الأوضاع بعد وقف إطلاق النار، وكيفية العودة إلى الحياة الطبيعية، في ظل شعور متزايد بانعدام الثقة بالقيادة السياسية، ووصف بعضهم نتنياهو بأنه "منفصل عن واقع الشمال"
داخليًا، تتفاقم أزمة نتنياهو مع حكومته، إذ إن طريقة إدارة ملف وقف إطلاق النار، دون إشراك كامل للوزراء أو عرض القرار للتصويت، خلقت توترًا داخل الائتلاف الحاكم، وعكست نزعة نحو اتخاذ قرارات فردية تهدد تماسك الحكومة.

في المقابل، تستثمر المعارضة هذه التطورات لتكريس صورة نتنياهو كقائد غير قادر على الحسم، ومع اقتراب أي استحقاقات انتخابية، تصبح هذه الصورة أكثر خطورة، ما يدفعه للبحث عن "إنجاز" سريع، حتى لو كان عبر التصعيد أو تعطيل الاتفاق.
ولا تنفصل هذه الحسابات عن البعد الشخصي، إذ يدرك نتنياهو أن مستقبله السياسي مرتبط بنتائج هذه المواجهة، وأن أي مظهر ضعف قد يكلّفه خسارة قاعدته، ويفتح الباب أمام منافسين داخل معسكره، ولذلك يبدو أن وقف إطلاق النار الحالي يقف على أرضية هشة، يجعله عرضة للانهيار في أي لحظة.