غزة/ هاني الإمام
يبدأ كل شيء على نحوٍ عاديّ، ضغطة زر، إعلانٌ عابر، ورسالةٌ تبدو مألوفة.. لا شيء يوحي بأن لحظةً صغيرة قادرة على ابتلاع تعب السنين في غزة، حيث تُدبَّر الحياة على حافة الخسارة.
هنا، لم تعد السرقة تحتاج إلى كسر الأبواب، يكفي أن يُفتح الهاتف! فمع التحول المتسارع نحو المعاملات الرقمية، باتت المحافظ الإلكترونية ملاذًا اضطراريًا في واقعٍ مُثقَل بالقيود، تُسهِّل تفاصيل الحياة اليومية، لكنها في الوقت ذاته فتحت ثغراتٍ يتسلل منها نوعٌ جديد من اللصوص؛ لا يرفعون سلاحًا، بل يتقنون لعبة الصوت وكسب الثقة.
تتصاعد في هذا السياق جرائم الاحتيال الإلكتروني بأساليب تتقن محاكاة المؤسسات الرسمية، وتستند إلى بناء علاقةٍ تدريجية مع الضحية، تبدأ بالاطمئنان وتنتهي بالتجريد الكامل.
ينتحل المحتال صفة موظف بنك أو شركة اتصالات، يطلب بياناتٍ تبدو عادية، ثم ينسج منها خيطًا يصل إلى الحسابات الخاصة.

الخطر لا يكمن في التقنية، بل في القدرة على التلاعب بالنفس البشرية، وفي امتلاك تفاصيل دقيقة تُسقِط آخر خطوط الشك.
محمد صلاح العكلوك لم يكن يتوقع أن إعلانًا على "فيسبوك" سيقوده إلى هذه النهاية، فأثناء تصفحه لفت انتباهه إعلانٌ ممول منسوب لأحد البنوك، تواصل معه بدافع الاستفسار، ليجد نفسه أمام شخصٍ يتحدث بثقةٍ ويعرض مساعدةً فورية.
شيئًا فشيئًا، بدأ الحاجز بينهما ينهار، خاصة بعدما ذكر المتصل معلوماته الشخصية والبنكية بدقة. يقول العكلوك "إن طلبه كان بسيطًا، تفعيل خدمة الرسائل النصية للحركات البنكية"، لكن ما بدا إجراءً روتينيًا، تحوّل إلى استجوابٍ مقنّع.
سُئل عن آخر العمليات وقيمة الرصيد، بذريعة التحقق، وحين تسلل الشك إلى داخله لم يتراجع المحتال، بل أرسل له بطاقة تعريف وظيفية مزيفة، بدا فيها كل شيء مقنعًا بما يكفي لإخماد التردد.
تدريجيًا، دخلت العملية مرحلة أكثر تعقيدًا حين أقنعه الموظف (الوهمي) بوجود خللٍ تقني، وطلب منه حذف تطبيق البنك وإعادة تثبيته، ثم جرى توجيهه للاتصال بالبنك من هاتفٍ آخر، دون الإفصاح عن التواصل الجاري، بينما بقي المحتال على الخط يستمع ويلتقط، ويعيد توظيف كل كلمة.
لاحقًا، أُرسل له رابطٌ إلكتروني قيل إنه تابع للبنك، وطُلب منه إدخال بياناته لتوثيق الجهاز.
فعل ذلك وانتظر، حتى ظهرت رسالةٌ تخبره بأن الطلب قيد التحقق.. في تلك اللحظة، كان كل شيء قد انتهى، وبعد دقائق انقطع الاتصال، واختفى الرقم، ليكتشف عند تواصله مع البنك أن رصيده بات صفرًا.
كشوف الحساب أظهرت عمليةً منظمة، تخللها تحويل 3104 شيكل إلى (ط .ع)، و14500 شيكل إلى (ر.ح)، و10000 شيكل إلى (خ.م).
لم تكن سرقةً عشوائية، بل تفريغٌ كامل لحسابٍ جُمعت تفاصيله بعناية، ثم أُفرغ بصمت.
في قصةٍ أخرى، يقف شريف رزق العسلي أمام خسارةٍ مضاعفة، بعد أن فقد هويته تحت ركام منزله المقصوف، واضطر لاستخدام محفظة إلكترونية باسم زوجته.
وجد نفسه هدفًا سهلًا، حين تواصلت زوجته مع رقمٍ منشور عبر "فيسبوك" لتفعيل خدمة، فكان ذلك مدخلًا لاختراق الحساب.
يقول العسلي: "المبلغ المسروق تجاوز 800 دولار. حاولتُ التواصل مع السارق مستندًا إلى ظروفي القاسية، لكن المكالمة انتهت ببرودٍ قاسٍ".
وعند مراجعته الجهات المعنية، أُبلغ بأن بعض هذه العمليات تُدار من خارج القطاع، دون أن يترافق ذلك مع إجراءاتٍ واضحة لاستعادة الأموال أو ملاحقة الفاعلين.. هكذا بقيت الأسماء مجرد رموز: (ج.ع) و(ح.ك)، فيما ظلّ العجز واقعًا ملموسًا.
أما الصحفي خالد حمد، فقد قادته الضرورة إلى إنشاء محفظة إلكترونية "بال باي" بعد إغلاق البنوك وتجميد حسابه.
كان يسعى لإجراء تحويلٍ بسيط، لكن المبلغ لم يصل، فتواصل مع الشركة، وانتظر الحل، قبل أن تصله رسالة عبر "فيسبوك ماسنجر" من حسابٍ يحمل شعار الشركة، بدت رسميةً بما يكفي لتبديد الشك.
يروي حمد كيف انخرط في محادثةٍ ظنها امتدادًا للدعم الفني، قبل أن يُطلب منه تزويد بياناتٍ حساسة.
دقائق قليلة كانت كفيلة باختراق حسابه وسرقة 1350 شيكل.. لم يكن الخطأ في الإجراء، بل في اللحظة التي بدا فيها كل شيء حقيقيًا أكثر مما يجب.

في مواجهة هذا التصاعد، يؤكد ربيع دويكات، مدير دائرة الاتصال المؤسسي والعلاقات العامة لدى بنك فلسطين، أن هذه العمليات تعتمد على تقنيات إقناع متقدمة، وانتحال صفات رسمية، ما يدفع بعض المستخدمين للتفاعل مع جهاتٍ غير موثوقة.
ويشير إلى أن البنك عزز أنظمته وفق أعلى المعايير العالمية، مؤكدًا أن الوصول إلى الحسابات لا يتم إلا في حال تزويد المحتال ببيانات الدخول السرية.
ويضيف أن هذه الشبكات تعمل عبر جغرافيا متعددة، ما يزيد من تعقيد ملاحقتها، ويصعّب على الجهات المختصة تفكيكها.
ومع ذلك، يشدد على أن حماية العملاء تظل أولوية عبر حملات توعية مستمرة، تدعو إلى التحقق من المصادر وعدم مشاركة أي معلومات حساسة خارج القنوات الرسمية.
لكن، في غزة، لا تبدو المسألة مجرد توعية.. هنا، حيث تُجبر الظروف الناس على البحث عن بدائل رقمية، فيصبح كل هاتفٍ احتمالًا مفتوحًا للخسارة.
وبين إعلانٍ عابر ورسالةٍ مقنعة، تتكرر الحكاية بصيغٍ مختلفة، فيما يبقى الثابت الوحيد أن اللص لم يعد بحاجةٍ إلى الاقتراب، يكفي أن يُقنعك بأنك في أمان.
نوى
