غزة- زمن FM- لا تنتهي المآسي في قطاع غزة عند حدود القصف والدمار، بل تتغلغل عميقًا في تفاصيل الحياة اليومية للنازحين، وخاصة النساء اللواتي يُجبَرن على العيش في خيام لا تصلح للبشر، وسط غياب أدنى مقومات الحياة. هنا، المرأة ليست مجرد ضحية، بل عمود خيمة تنهكه الأعباء، بين الأمومة والحداد، والبحث عن الماء والخبز والأمان.
غياب الوقود والكهرباء يدفع النساء لاستخدام الحطب في الطهو، ما يعرّضهن يوميًّا لاستنشاق دخان كثيف يسبب أمراضًا مزمنة، من بينها الربو، والتهاب القصبات، والحساسية الصدرية
صيف لاهب وشتاء غارق.. موسم واحد للمعاناة
داخل خيمة بالية، تقيم آلاف النساء مع أطفالهن وسط بيئة لا ترحم.
في الصيف، تتحول الخيام إلى أفران تصهر الأجساد وتسبب جفافًا حادًّا وضربات شمس، خصوصًا للأطفال والحوامل. أما في الشتاء، فتهطل الأمطار على فراشهن، وتغمر المياه الأرضيات مسببة التهابات تنفسية، وروماتيزمًا، وأوجاعًا عظمية متفاقمة، بينما تظلّ وسائل التدفئة حلمًا بعيد المنال.
الطبخ بالحطب.. والاختناق بالدخان
غياب الوقود والكهرباء يدفع النساء لاستخدام الحطب في الطهو، ما يعرّضهن يوميًّا لاستنشاق دخان كثيف يسبب أمراضًا مزمنة، من بينها الربو، والتهاب القصبات، والحساسية الصدرية.
ورغم ذلك، تُعدّ وجبة ساخنة للأطفال ترفًا يستحق المجازفة بصحة الرئتين، فليس هناك خيار آخر.
جالونات الماء.. أعباء تُحمل على الأكتاف
في ظل انعدام شبكات المياه، تضطر النساء لحمل جالونات الماء الثقيلة لمسافات طويلة يوميًّا. هذا الجهد الجسدي المتواصل يؤدي إلى آلام حادة في الظهر، ومشاكل في المفاصل، وإصابات في العمود الفقري.
المرأة هنا ليست فقط أمًّا، بل ناقلة ماء، وحارسة خيمة، وطبيبة طوارئ بلا أدوات.
تُعاني المرأة من آلام مزمنة في أسفل البطن، مشاكل في التبول، والتهابات نسائية متكررة.. لكن لا فحوصات ولا علاج، فالصمت هو البديل
خصوصية مفقودة وكرامة مجروحة
العيش في الخيام يسلب النساء أبسط حقوقهن: الخصوصية؛ لا مكانَ منفصلًا للنوم أو النظافة أو تبديل الملابس.
الدورة الشهرية تتحول إلى أزمة، والاغتسال إلى مخاطرة.. هذا الانكشاف الدائم يُحدث ضغطًا نفسيًّا هائلًا، ويعمّق الشعور بالذل، خصوصًا في مجتمع محافظ تُشكّل فيه الخصوصية جوهر الكرامة.
هبوط الرحم.. المرض الصامت للنساء المجهدات
من أبرز الأمراض التي تفشت بين النساء بفعل النزوح ورفع الأثقال، هبوط الرحم، وهي حالة ناتجة عن ضعف عضلات الحوض. غالبًا ما يكون السبب هو رفع الأحمال الثقيلة كجالونات الماء، وسوء التغذية، وتكرار الولادات في ظروف بدائية.
تُعاني المرأة من آلام مزمنة في أسفل البطن، مشاكل في التبول، والتهابات نسائية متكررة.. لكن لا فحوصات ولا علاج، فالصمت هو البديل.
في حال كانت المرأة أرملة شهيد، فإن الكارثة تتضاعف.. تتحول إلى معيلة وحيدة لأطفالها، بلا دخل ولا مأوى، وتُجبر على تأدية دور الأب والأم معًا
الصحة الإنجابية في مهب الريح
الحوامل في الخيام يفتقرن إلى أبسط شروط الرعاية الصحية، ويعانين من سوء تغذية، ونقص المكملات، وانعدام المتابعة الطبية، ما يرفع نسب الإجهاض والولادة المبكرة.
النفاس يتم في بيئة غير صحية، بلا مياه نظيفة أو دواء، في ظل ضغط نفسي شديد وإرهاق متواصل، ما يهدد صحة الأمهات والمواليد معًا.
أرامل الشهداء: وجع مزدوج وأعباء لا تُحتمل
في حال كانت المرأة أرملة شهيد، فإن الكارثة تتضاعف.. تتحول إلى معيلة وحيدة لأطفالها، بلا دخل ولا مأوى آمن، وتُجبر على تأدية دور الأب والأم معًا. لا وقت لديها للحزن، ولا مكان للحداد؛ فثمة أطفال ينتظرون الحليب، وخيمة تحتاج الحماية، ونار تحتاج حطبًا.
تعيش الأرملة نوعًا من اليتم المزدوج: يتم الأبناء، ويُتمها هي عن أي سند أو حماية أو دعم. وتغدو حياتها كفاحًا دائمًا بين الوجع والصمت، بينما تتجاهل الجهات المانحة والمؤسسات معظم احتياجاتها الخاصة.
نساء يتآكلن في صمت، يُهدر جسدهن، وتُسحق نفسياتهن، ويُنتزع منهن حق الحياة الكريمة تحت راية "النجاة". هي ليست مجرد أزمة إنسانية، بل نكبة نسائية مستمرة، تُركت خلف الأرقام في التقارير الدولية
احتراق جسدي ونفسي لا يُرى
المرأة في غزة لا تنهكها الحرب فقط، بل تلتهمها الحياة اليومية.. تشير شهادات ميدانية إلى تفشي القلق، والاكتئاب، والانهيار العصبي بين النساء النازحات، في ظل غياب أي خدمات دعم نفسي أو شبكات أمان. ومع كل صباح، تُجبر المرأة في غزة على النهوض من بين الركام لتبدأ من جديد: طهو، غسيل، حماية، بكاء، صبر، كتمان.. ووجع لا ينتهي.
في غزة، تتحول الخيمة من رمز نجاة مؤقت إلى سجن طويل الأمد للنساء.
نساء يتآكلن في صمت، يُهدر جسدهن، وتُسحق نفسياتهن، ويُنتزع منهن حق الحياة الكريمة تحت راية "النجاة". هي ليست مجرد أزمة إنسانية، بل نكبة نسائية مستمرة، تُركت خلف الأرقام في التقارير الدولية.
فمن يعيد للمرأة الفلسطينية أمانها، وكرامتها، وصوتها؟ ومن يسمع أنين خيمة، فيها أمٌّ حزينة، وأرملة صامتة، وطفلة عطشى… ينتظرن فقط أن يُرى وجعهن، لا أن يُتجاهلن!
