في شهر رمضان الحالي، تعيش نساء قطاع غزة واحدة من أقسى التجارب الإنسانية، حيث يحل الشهر الفضيل هذا العام في ظل النزوح الجماعي، وغياب البيوت، وانتشار الخيام على امتداد مناطق القطاع المدمر ، وفي مقدمتها منطقة المواصي، حيث تتقاسم النساء المعاناة حيث تعيش أم محمد أم لـ 5 أطفال داخل خيمة بالكاد تقيهم من برد الشتاء.
تستقبل النساء النازحات رمضان هذا العام وهنّ مثقلات بتجربة الفقد، وفراق البيوت، وتحمل مسؤوليات مضاعفة داخل خيام لا تقي من الحر ولا من البرد، لكنهن في الوقت ذاته يتمسكن بروح الشهر الكريم كمساحة للثبات النفسي والروحي.
واقع مرير… وصمود أنثوي
حياتهن اليومية اليوم ليست كما كانت سابقًا؛ فقد تلاشت أغلب مظاهر البهجة الرمضانية التقليدية، وحُلّ محلها معركة من أجل البقاء. فالمرأة الغزاوية التي كانت تعد موائد إفطار عامرة قبل الحرب، تقف الآن أمام خيار إنجاح وجبة بسيطة لعائلتها في خيمة نازحين تفتقر للعناصر الأساسية.
أم محمد، امرأة خمسينية العمر، نازحة في منطقة المواصي، تقول إن رمضان لم يعد يشبه ما كان عليه سابقًا، إلا أنه ما زال يحمل المعنى نفسه، حيث تحرص رغم كل الصعوبات على إعداد وجبة إفطار بسيطة لأبنائها، معتبرة أن اجتماع العائلة حول الطعام ولو كان قليلًا هو شكل من أشكال المقاومة اليومية.
تعيش أم محمد في خيمة صغيرة منذ شهور، وتعتمد على ما يصلها من مساعدات غذائية متقطعة، وتوضح أن تحضير الطعام داخل الخيمة يتطلب جهدًا مضاعفًا بسبب شح المياه، وغياب أدوات الطهي، وصعوبة الحصول على الوقود، إلا أنها تحاول دائمًا أن تجعل من موعد الإفطار لحظة طمأنينة لأطفالها.
وتشير أم محمد إلى أن النساء في المخيم يتشاركن ما لديهن من مواد غذائية، حيث تقوم كل واحدة بتقديم جزء بسيط مما تملكه، في محاولة لصناعة مائدة جماعية تخفف من وطأة الحرمان، وتعزز روح التكافل التي يفرضها واقع النزوح.
في رمضان الحالي، لم تعد الموائد عامرة بالأصناف المتنوعة، بل أصبحت تعتمد على القليل المتاح من الأرز أو العدس أو المعلبات، ومع ذلك تصر النساء على ترتيب الطعام بعناية، وتقديمه بروح رمضانية تعكس الصبر والإيمان.
وتؤكد أم محمد أن رمضان في الخيام يحمل طعم التعب، لكنه في الوقت نفسه يعمّق الإحساس بالتماسك الأسري، حيث تجتمع العائلات على ضوء خافت، ويتبادلون الدعاء أكثر مما يتبادلون الأحاديث.
خيامها… ومآذنها المؤقتة
وفي ظل غياب المساجد أو تضررها، تحولت الخيام إلى مساحات للعبادة، حيث تؤدي النساء الصلوات، ويعلمن الأطفال الصيام بحسب طاقتهم، ويحرصن على إبقاء الأجواء الدينية حاضرة رغم قسوة الواقع.
وتختم أم محمد حديثها بالقول إن النساء في غزة لا يصنعن موائد للطعام فقط، بل يصنعن معنى للصمود، ويحافظن على روح رمضان كمساحة أمل، مهما اشتدت الظروف وضاقت الخيام.
