معبر رفح: مختبر صناعة الإنسان المنزوع من الأرض....!!! د. طلال أبوركبة

معبر رفح: مختبر صناعة الإنسان المنزوع من الأرض....!!!
د. طلال أبوركبة
لم يعد معبر رفح بوابةً على الجغرافيا، بل صار حدًّا فاصلًا بين معنى الحياة ومعنى الفقد، بين جسدٍ يريد أن يبقى وروحٍ تُدفع قسرًا إلى المغادرة. هنا، لا تمرّ الأقدام فقط، بل تمرّ الأسئلة الكبرى، وتتعثر الأحلام على عتبات الحديد، ويُعاد تعريف الإنسان وفق مقاييس الأسلاك الشائكة.
الأسياج التي تطوّق المعبر ليست مجرد هندسة أمنية، بل فلسفة كاملة للسيطرة. إنها محاولة لإعادة صياغة الكائن الفلسطيني بوصفه كائنًا مؤقتًا، قابلًا للنقل، قابلًا للإزاحة، كأن الأرض ليست حقًا، بل حادثًا عابرًا في سيرة الجسد. في هذا المكان، يتحول الوطن إلى انتظار طويل، والحرية إلى تصريح، والكرامة إلى رقم في قائمة.
يقف الفلسطينيون أمام المعبر كما لو أنهم يقفون أمام مرآة قاسية، ترى في وجوههم ما لا يريد العالم أن يراه: بشرًا يُدفعون نحو القفص باسم الأمن، ويُدفعون نحو الرحيل باسم النجاة، ويُدفعون نحو الصمت باسم الواقعية. هنا، لا يُحاصر الجسد فقط، بل يُحاصر الزمن؛ يصبح المستقبل ضيقًا مثل الممر، وتغدو الذاكرة محاصرة مثل المدينة.
يريد الاحتلال أن يجعل القفص لغةً، وأن يجعل الحصار منطقًا، وأن يجعل الرحيل حلمًا مشروعًا. يريد أن يزرع في العقل الجمعي الفلسطيني فكرة قاتلة: أن البقاء خطأ، وأن التمسك بالأرض نوع من الجنون، وأن النجاة الفردية أعلى قيمة من الوجود الجماعي. هكذا تتحول السياسة إلى هندسة للوعي، ويغدو المعبر مختبرًا لإنتاج إنسان منزوع الجذور، بلا ذاكرة، بلا امتداد، بلا أرض.
في معبر رفح، لا ينتظر الناس السفر، بل ينتظرون الاعتراف بإنسانيتهم. الأجساد المتعبة تصطفّ كأنها نصوص غير مكتملة، والأيدي المرتجفة تحمل أوراقًا تحاول أن تثبت للحديد أنها تستحق المرور. كل وجه هنا هو رواية مؤجلة، وكل صمت هو خطاب، وكل خطوة نحو البوابة هي صراع بين غريزة البقاء ونداء الأرض.
ليس القصد من هذا المشهد تنظيم الحركة، بل كسر العلاقة المقدسة بين الإنسان والتراب. حين يُجبر الفلسطيني على التهافت نحو البوابة، لا يغادر المكان فقط، بل يُدفع إلى مغادرة المعنى، إلى تفكيك الرابط السري بين اسمه والأرض التي تحفظ اسمه. هنا، يتحول المعبر إلى آلة لإعادة كتابة الهوية، وإلى مسرح تُعرض فيه مأساة الانتماء أمام جمهور العالم البارد.
ومع ذلك، فإن الأسلاك، مهما اشتدت، لا تستطيع أن تحاصر الفكرة، ولا تستطيع أن تقطع الجذور التي تمتد أعمق من الحديد. فالفلسطيني، وهو يعبر أو ينتظر أو يُمنع، لا يحمل جسده فقط، بل يحمل تاريخًا يقاوم الاختزال، وأرضًا ترفض أن تتحول إلى ذكرى، ومعنىً يرفض أن يُختزل في ممرٍّ ضيق بين عالمين.
معبر رفح، في جوهره، ليس ممرًا للعبور، بل سؤالًا مفتوحًا على الوجود: هل يمكن للإنسان أن يُجرد من أرضه دون أن يُجرد من ذاته؟ وهل يمكن للأسلاك أن تنتصر على المعنى؟
في هذا السؤال، يقيم الفلسطيني، لا بوصفه ضحية، بل بوصفه فكرة عصية على الإلغاء، ووجودًا يرفض أن يتحول إلى رقم، أو قفص، أو طريق نجاة زائف.
غزة 1/2/2026