المحلل السياسي هاني المصري لوطن: ما يجري ليس إدارة أزمة في غزة بل تكريس للاحتلال وشرعنة للوصاية

"اللجنة الإدارية لم تُشكَّل بقرار فلسطيني سيادي، بل بقرار أمريكي وبتنسيق مع إسرائيل"

المحلل السياسي هاني المصري لوطن: ما يجري ليس إدارة أزمة في غزة بل تكريس للاحتلال وشرعنة للوصاية

زمن: في لحظة سياسية شديدة الحساسية، وبعد الإعلان عن ما سُمّي بـ"مجلس السلام" ولجنة التكنوقراط لإدارة قطاع غزة، تتصاعد التساؤلات الفلسطينية حول طبيعة هذه الترتيبات وحدودها وأهدافها الحقيقية.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري أنها تشكل مسارا خطيرا لتكريس الاحتلال، وفرض وصاية خارجية، وإعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني دون اعتراف بالحقوق الوطنية.

وشدد المصري خلال حديثه  لبرنامج "شد حيلك يا وطن" عبر شبكة وطن الإعلامية،  على أن القضية لم تعد تقنية تتعلق بسرعة الإغاثة أو كفاءة الإدارة، بل سياسية بامتياز تتصل بجوهر السيادة والتمثيل وحق تقرير المصير.

وصاية أمريكية تغطي استمرار الاحتلال

وقال المصري إن الإجراءات الجارية في قطاع غزة تكشف عن "وصاية أمريكية تتشكل رويدا رويدا"، بالتوازي مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي وتكثيف انتهاكاته، دون أي إدانة أمريكية حقيقية لها.

وأضاف أن الإدارة الأمريكية، سواء عبر الرئيس دونالد ترامب أو مبعوثيه، لم تُظهر موقفا جادا تجاه الخروقات الإسرائيلية المتواصلة منذ وقف إطلاق النار، بل ركزت بدلا من ذلك على توجيه الانتقادات إلى حركة حماس، والمطالبة بنزع سلاحها والتخلي عن الحكم، مع التهديد باستئناف الحرب إذا لم يتم ذلك.

واعتبر المصري أن هذا المسار يشكل غطاء سياسيا للاحتلال، ويعكس توجها معاكسا تماما لمصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه، مشددا على أن الفلسطينيين لم يكونوا شركاء حقيقيين في صياغة هذه الترتيبات، وإن جرت مشاورتهم، فإن اقتراحاتهم لم تؤخذ بعين الاعتبار.

لجنة التكنوقراط بلا قرار فلسطيني حقيقي

وأوضح المصري أن لجنة التكنوقراط أو اللجنة الإدارية التنفيذية لم تُشكّل بقرار فلسطيني سيادي، بل بقرار أمريكي وبتنسيق مع إسرائيل، حيث جرى شطب أسماء مرشحة واستبدالها بأخرى دون توافق وطني.

وأشار إلى أن اقتراح الفصائل بتعيين أمجد الشوى رئيسا للجنة لم يُؤخذ به، كما لم يُستجب لمطلب السلطة الفلسطينية بأن يتم تشكيل اللجنة بمرسوم رئاسي، ولم يُعتمد سوى ثلاثة أسماء فقط من مقترحاتها.

وأكد أن هذه الطريقة في التشكيل ستنعكس سلبا على أداء اللجنة، لأنها ليست مرجعية سياسية ولا تملك أدوات حقيقية، وستظل مرهونة بالتمويل الخارجي وبموافقة الاحتلال، ما يجعل قدرتها على العمل محدودة للغاية.

إدارة السياسة لا إدارة الشعب
وفي رده على سؤال حول ما إذا كانت هذه الترتيبات تشكل جسرا نحو السيادة أو آلية لتأجيلها، قال المصري إن كل المؤشرات تدل على أن المسار القائم لا يقود إلى الاعتراف بالشعب الفلسطيني ولا بحقوقه، ولا يمهد لحق تقرير المصير، بل يكرّس الاحتلال والهيمنة الإسرائيلية بمشاركة أمريكية وشرعية دولية.

وأضاف أن الفلسطينيين وجدوا أنفسهم في وضع بالغ الصعوبة، حيث جرى وضعهم أمام معادلة قاسية: القبول بهذه الترتيبات مقابل وقف حرب الإبادة، أو الرفض مع التهديد باستئناف القتل والتهجير والتدمير الشامل.

وأوضح أن النتيجة العملية كانت التخلي عن التمثيل الفلسطيني الحقيقي، وعن المطالب الوطنية، وحتى عن المشاركة الفعلية في رسم مستقبل القطاع.

شرعية أمريكية بديلة عن الشرعية الدولية
حذّر المصري من أن ما يجري يتجاوز حتى قرارات مجلس الأمن، التي تعترف بحق تقرير المصير وبالدولة الفلسطينية وبحق العودة، ويتم استبدالها بما وصفه بـ"شرعية أمريكية جديدة"، لا تستند إلى القانون الدولي ولا إلى قرارات الشرعية الدولية.

وقال إن الحديث عن مسار سياسي مشروط بإصلاحات "مرضية" وفق معايير أمريكية وإسرائيلية، لا يحمل أي مضمون حقيقي، بل يشكل فرضية فارغة تهدف إلى إدارة الواقع لا تغييره.

وأكد أن الوصاية الخارجية الأمريكية لن تؤدي إلى دولة فلسطينية، بل إلى واقع أسوأ من الوضع القائم، وإلى تكريس نموذج الهيمنة والتحكم الخارجي.

مندوب سامٍ لغزة… انتداب جديد؟
وفيما يتعلق بتعيين ما يشبه مندوبا ساميا لإدارة غزة، اعتبر المصري أن هذا يمثل شكلا واضحا من أشكال الوصاية والانتداب، ومرجعية خارجية تتحكم بمصير الفلسطينيين.

وقال إن تجاهل هذا الواقع أو محاولة التخفيف من حدته يشبه "إخفاء الشمس بغربال"، مؤكدا أن ما يجري هو نتيجة تراكم سياسات فلسطينية وإقليمية ودولية امتدت لعقود، إضافة إلى اختلال موازين القوى واستمرار الاحتلال.

وحذّر من أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، وهي حكومة متطرفة تمر بسنة انتخابية، تسعى إلى "حسم الصراع" أي تصفية القضية الفلسطينية، وأنها غير معنية بأي انفراج سياسي، بل بمحاولة استكمال "الإبادة السياسية" بعد الإبادة البشرية.

لجنة بلا سيطرة ولا أدوات في ظل الاحتلال
تساءل المصري عن قدرة أي لجنة إدارية على العمل في ظل استمرار الاحتلال، والاغتيالات، والتدمير اليومي، وإغلاق معبر رفح، والتحكم بدخول المساعدات، إضافة إلى واقع الانقسام الداخلي وسيطرة حماس على القطاع.
وأشار إلى أن تمكين اللجنة يحتاج إلى وقت طويل وتعاون داخلي فلسطيني، وهو أمر غير متوفر في ظل استمرار القتل والإنكار والعدوان، وغياب حوار فلسطيني–فلسطيني جاد، وتغليب المصالح الفئوية على المصلحة الوطنية.

سابقة خطيرة قد تمتد إلى الضفة الغربية؟ 
وحذر المصري من أن نموذج الوصاية في غزة قد يشكل سابقة قابلة للتعميم لاحقا على الضفة الغربية، خاصة في مناطق معزولة ومكتظة بالسكان، مثل مناطق "أ" وبعض مناطق "ب"، في سياق أطماع إسرائيلية واضحة بضم معظم الضفة.
وأشار إلى وجود دراسات في مراكز أبحاث إسرائيلية تتحدث صراحة عن إمكانية نقل تجربة غزة إلى الضفة، رغم أن الحكومة الإسرائيلية نفسها تريد أكثر من ذلك، وتسعى إلى العودة لحرب الإبادة والتدمير والتهجير الشامل.
وأكد أن معارضة وزراء مثل سموتريتش وبن غفير لهذه الترتيبات لا تعني رفضهم للهيمنة، بل تعني أنهم يريدون الحد الأقصى من السيطرة وليس ما تسمح به الإدارة الأمريكية حاليا.

تكريس الانقسام وتشظي الجغرافيا الفلسطينية
قال المصري إن هذه الترتيبات تكرّس الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بل وتعمّق الانقسام داخل الضفة نفسها، من خلال محاولة تقسيمها إلى مناطق معزولة، الأمر الذي يمنع الشعب الفلسطيني من الدفاع عن حقوقه، ويعيق أي إمكانية حقيقية لإنهاء الاحتلال وتجسيد الاستقلال الوطني.
وأكد أن إصدار بيان أو مرسوم رئاسي لتشكيل لجنة لن يحل هذه الأزمة، بل يحتاج الأمر إلى وحدة سياسية وفكرية وتنظيمية ومؤسساتية وبرنامج وطني مشترك قابل للتنفيذ.
ووصف المرحلة بأنها "خطيرة ومصيرية ووجودية"، ولا تحتمل إجراءات جزئية أو رهانات متبادلة بين السلطة وحماس على فشل الطرف الآخر.

هندسة جديدة للنظام السياسي بلا شعب ولا حقوق

حذّر المصري من أن ما يُطرح اليوم هو "هندسة جديدة للنظام السياسي الفلسطيني" على أساس وجود سكان بلا شعب، وإدارة بلا حقوق، وتمثيل بلا سيادة، سواء في غزة أو في الضفة الغربية.

وشدد على أن المطلوب هو عمل فلسطيني مشترك لمنع تمرير هذا المخطط، وحماية القضية من التصفية السياسية تحت غطاء إنساني أو إداري.

بين وقف الإبادة وحماية الحقوق
وفي حديثه عن التوازن المطلوب بين وقف المعاناة الإنسانية ورفض المساس بالحقوق الوطنية، أكد المصري أن وقف حرب الإبادة والتدمير والتهجير هو أولوية قصوى، ويجب أن تترافق معه إعادة إعمار حقيقية توفر للفلسطيني الحد الأدنى من شروط العيش الكريم، بما يشمل السكن، والأمن، والصحة، والتعليم، وحرية الحركة.
وأشار إلى أن استمرار الفلسطيني في وطنه مرهون بتوفر هذه الشروط، لأن الإنسان لا يستطيع العيش إلى الأبد في ظروف غير إنسانية.
لكنه شدد في الوقت ذاته على أن تحقيق ذلك يتطلب تغييرا بنيويا شاملا في البنية الفكرية والسياسية والتنظيمية والمؤسساتية والديمقراطية الفلسطينية، محذرا من أن غياب هذا التغيير سيؤدي إلى تدهور متواصل من السيئ إلى الأسوأ.

دور المؤسسات الحقوقية: مهم لكنه غير كافٍ
وحول دور المؤسسات الحقوقية والرقابية، قال المصري إن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق القوى السياسية الفلسطينية، لأن الخطر الحالي وجودي ومصيري، ويتطلب رؤية شاملة وقرارات بمستوى خطورة اللحظة، لا مجرد تسيير أعمال أو ردود أفعال.
وأضاف أن دور المؤسسات الحقوقية مهم، لكنه لا يمكن أن يكون بديلا عن مشروع وطني جامع، أو عن إرادة سياسية قادرة على مواجهة هذه التحديات الكبرى.