أرباح البنوك في فلسطين: ماذا تقول الأرقام عن الاقتصاد في 2025؟

كشف مدير جمعية البنوك في فلسطين بشار ياسين عن متانة أداء القطاع المصرفي، رغم التحديات السياسية والاقتصادية غير المسبوقة، حيث بلغت قيمة الضرائب المستحقة على أرباح البنوك العاملة في السوق الفلسطيني نحو 45 مليون دولار حتى نهاية الربع الثالث من عام 2025، فيما وصل صافي أرباح القطاع بعد الضريبة إلى نحو 145 مليون دولار، موزعة على 12 بنكًا من أصل 13 مصرفًا محليًا ووافدًا.

جاء ذلك خلال حلقة خاصة من برنامج “في دائرة الرقيب” عبر إذاعة الرقيب، للحديث عن دلالات هذه الأرقام وانعكاساتها على الاقتصاد الفلسطيني والمواطن، في ظل الأوضاع الراهنة.

أرباح محدودة قياسًا برأس المال

وأوضح ياسين أن قراءة هذه الأرقام يجب أن تكون في سياقها الصحيح، مشيرًا إلى أن البنوك في فلسطين تعمل كشركات مساهمة عامة، وتخضع لأعلى شرائح ضريبة الدخل. وأضاف أن الأرباح المحققة، رغم قيمتها الاسمية، تبقى متواضعة عند مقارنتها بحجم رأس المال المدفوع وحقوق الملكية التي تقدر بنحو 2.2 مليار دولار.

وبيّن أن نسب العائد على رأس المال في فلسطين أقل بكثير من نظيراتها في دول الجوار، وهو ما يعكس هشاشة البيئة الاستثمارية الناتجة عن عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي المزمن.

العدوان على غزة وتأثيره المباشر

وأشار ياسين إلى أن الحرب على قطاع غزة شكّلت ضربة قاسية للقطاع المصرفي، حيث دُمّرت عشرات الفروع والصرافات الآلية بشكل كلي أو جزئي، ما أدى إلى توقف الخدمات المصرفية في القطاع، وفاقم من معاناة المواطنين في ظل شح السيولة النقدية.

كما أوضح أن محفظة التسهيلات الائتمانية في غزة، التي كانت تقدر بنحو 970 مليون دولار قبل الحرب، تعرضت لمخاطر تعثر كبيرة نتيجة توقف النشاط الاقتصادي وتدمير الشركات والمؤسسات، ما اضطر البنوك إلى تكوين مخصصات مالية مرتفعة للتحوط من الخسائر المحتملة.

تراجع اقتصادي شامل

ولم تقتصر التداعيات على قطاع غزة، إذ أكد ياسين أن الضفة الغربية تأثرت بدورها نتيجة الحواجز والقيود على الحركة، ما أدى إلى تقطع الأوصال بين المدن، وارتفاع التكاليف، وتراجع الاستثمارات الجديدة. وأظهرت تقارير دولية، بحسب ياسين، أن الناتج المحلي الإجمالي تراجع بنسبة تتراوح بين 30% و33% خلال الفترة الأخيرة.

مصادر أرباح البنوك

وحول مصادر أرباح البنوك، أوضح مدير جمعية البنوك أنها تأتي أساسًا من منح التسهيلات الائتمانية، والفوائد، والعمولات المصرفية، إضافة إلى بعض الاستثمارات. وبلغ إجمالي التسهيلات الممنوحة لمختلف القطاعات الاقتصادية حتى الربع الثالث من 2025 نحو 11.5 مليار دولار، مع تسجيل تراجع طفيف بنسبة 2–3% نتيجة الظروف الاقتصادية.

وأكد أن أرباح السنوات الأخيرة لا تعكس ازدهارًا اقتصاديًا بقدر ما تعكس إدارة حذرة للمخاطر، وعكس بعض المخصصات في فترات محددة، إضافة إلى استمرار النشاط المصرفي في الضفة الغربية رغم التباطؤ.

توزيع جغرافي وقطاعي غير متوازن

وبيّن ياسين أن التسهيلات الائتمانية تركزت نسبيًا في محافظات الوسط، خاصة رام الله والبيرة، مقارنة بشمال الضفة الذي شهد تراجعًا ملحوظًا بسبب الاقتحامات المتكررة. وعلى الصعيد القطاعي، استحوذ قطاع العقارات والإنشاءات على نحو 25% من إجمالي التسهيلات، متقدمًا على باقي القطاعات.

المسؤولية المجتمعية للبنوك

وفيما يتعلق بالمسؤولية المجتمعية، أكد ياسين أن البنوك تلتزم بها طوعًا دون وجود قانون خاص، حيث تضخ سنويًا ما بين 5 و5.5 مليون دولار لدعم قطاعات الصحة والتعليم والشباب والمرأة. وخلال جائحة كورونا، ارتفعت المساهمات لتصل إلى نحو 8.5 مليون دولار، خُصص معظمها لدعم القطاع الصحي.

تحديات 2026 وآفاق القطاع

وحول مستقبل القطاع المصرفي في عام 2026، حذر ياسين من استمرار التحديات، وعلى رأسها أزمة تكدس الشيكل، وتهديد العلاقات المصرفية مع البنوك المراسلة، وارتفاع المخاطر السياسية والتشغيلية. لكنه شدد في الوقت ذاته على أن القطاع المصرفي الفلسطيني راكم خبرة كبيرة في إدارة الأزمات، ولا يزال يشكل العمود الفقري للاقتصاد الفلسطيني.

وختم ياسين بالتأكيد على أن صمود البنوك واستمرارها في تمويل الاقتصاد، رغم كل الظروف، يبقى عنصرًا حاسمًا في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي في فلسطين.

المصدر: الرقيب