زمن FM – خلال السنوات الثماني الماضية، سجّل الفلسطينيون شراء ما يقارب سبعة آلاف عقار في تركيا، في مؤشر يتجاوز كونه رقمًا عقاريًا، ليعكس تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة في سلوك رأس المال الفلسطيني، وسط بيئة داخلية طاردة للاستثمار.
هذا ما أكده الخبير الاقتصادي البروفيسور طارق الحاج في لقاء خاص مع إذاعة نساء إف إم، قدّم فيه قراءة تشخيصية لواقع الاقتصاد الفلسطيني الذي يزداد اختناقًا يومًا بعد يوم، في ظل انسداد الأفق السياسي، وتآكل فرص الاستثمار المحلي، وتصاعد المخاطر الاقتصادية.
ويرى الحاج أن هذا الرقم يشكّل جرس إنذار حقيقي على تراجع جاذبية الاقتصاد الفلسطيني، لا سيما في الضفة الغربية، مشيرًا إلى أن الفلسطينيين تاريخيًا كانوا من أوائل المستثمرين المبادرين لاقتناص الفرص في الدول التي توفّر بيئات آمنة ومحفزة لرأس المال
وأوضح أن ما يجري في الحالة التركية لا يندرج ضمن استثمارات هامشية، بل يشمل شراء شقق وعقارات بملايين الدولارات، إلى جانب استثمار غير مباشر في رأس المال البشري الفلسطيني، مع انتقال عائلات كاملة للاستقرار في الخارج، سواء ممن حصلوا على الجنسية التركية، أو من الطلبة والخريجين الذين تحولت إقامتهم المؤقتة إلى استقرار دائم. واعتبر أن هذا النزيف لا يقتصر على البعد الاقتصادي، بل يحمل آثارًا اجتماعية وديمغرافية بعيدة المدى.
ويُرجع الحاج توجه الفلسطينيين نحو تركيا إلى مجموعة عوامل متداخلة، أبرزها القرب الجغرافي، والبعد الثقافي والديني، والعلاقات التاريخية، إضافة إلى الحوافز التي تقدّمها الحكومة التركية للمستثمرين الأجانب. لكنه شدد على أن العامل الحاسم لا يكمن فقط في جاذبية الخارج، بل في طرد الداخل لرؤوس الأموال نتيجة اختلالات بنيوية مزمنة.
ويضع الحاج الاحتلال الإسرائيلي في صدارة هذه الأسباب، بفعل سياساته القمعية، والتوغلات اليومية التي تستهدف الأرض والمشاريع ورجال الأعمال، لكنه يؤكد أن الأزمة تتعمق أيضًا بسبب تغوّل بعض المحتكرين المحليين على قطاعات أساسية، ما أفقد المستثمر بيئة المنافسة العادلة.
كما أشار إلى بيروقراطية قاتلة تعيق إنشاء المشاريع أو توسعتها، إلى جانب تقصير حكومي في تسديد مستحقات المستثمرين، خاصة المتعاملين مع القطاع العام كقطاع الأدوية، وغياب أي آليات تعويض حقيقية للمتضررين من الاعتداءات الإسرائيلية.
وحذّر الحاج من أن خروج هذه السيولة المالية يفاقم حالة شبه الشلل التي يعاني منها الاقتصاد الفلسطيني، خاصة في قطاعي العقارات وسوق العمل، حيث تجاوز عدد العاطلين عن العمل ربع مليون شخص، ما ينعكس مباشرة على مستويات الدخل، والإنفاق على الصحة والتعليم، ويهدد بتوسّع رقعة الفقر والجوع.
وأوضح أن أي عملية إنتاج تقوم على ثلاثة عناصر أساسية: الأرض، ورأس المال، والعمل، وفي الحالة الفلسطينية تُصادر الأرض، ويهاجر رأس المال، ويُقصى العامل، ما يؤدي إلى تآكل القدرة الإنتاجية والتحول نحو اقتصاد تابع للمنتج الإسرائيلي، ومعتمد على المساعدات الخارجية، وهو نموذج هش يفتقر للسيادة والاستقرار.
وفي تقييمه لدور الحكومة، قدّم الحاج قراءة نقدية حادة، معتبرًا أن السياسات الحالية تشجّع الاحتكار بدل مكافحته، وتفشل في بناء سوق تنافسي يحمي المستثمرين والمستهلكين، مشيرًا إلى نفوذ متزايد لبعض المحتكرين في صياغة السياسات المالية، ما أفقد البيئة الاستثمارية مصداقيتها.
ويحذر الحاج من أن الهجرة الاقتصادية لم تعد حكرًا على كبار المستثمرين، بل تتحول إلى ظاهرة جماعية وهجرة أسرية تشمل فئات متوسطة الدخل، مع مخاوف من توسّعها نحو أوروبا وأمريكا الشمالية، ما يشكّل تهديدًا مباشرًا للوجود الديمغرافي الفلسطيني.
ويختم الحاج بالتأكيد على أن شراء آلاف العقارات في تركيا ليس مجرد أرقام، بل رسالة واضحة لصنّاع القرار بأن البيئة الاستثمارية المحلية فقدت تنافسيتها، مؤكدًا أن السؤال لم يعد لماذا يستثمر الفلسطيني في الخارج، بل ماذا ينقص الداخل ليستعيد الثقة قبل فوات الأوان.
المصدر:
