أسعار غزة تواصل الارتفاع رغم فتح المعابر.. وتحذيرات من أزمة اقتصادية أعمق

تواصل أسعار الخضراوات والفواكه واللحوم والسلع الغذائية الأساسية ارتفاعها في أسواق قطاع غزة، رغم استئناف دخول الشاحنات التجارية عبر معبر كرم أبو سالم، عقب توقف حركة الإمدادات خلال أكتوبر/تشرين الأول الماضي، في وقت يحذر فيه مسؤولون اقتصاديون من أن عودة البضائع بكميات محدودة لا تكفي لمعالجة اختلالات الأسواق أو تخفيف الأعباء المعيشية عن السكان.

وبحسب إفادات باعة ومتابعين لحركة الأسواق رصدها مراسلون وكالة قدس نت في غزة، لا تزال أسعار عدد من السلع أعلى بنسب تتراوح بين 70 و120% مقارنة بمستوياتها قبل أزمة إغلاق المعابر، فيما سجلت بعض أصناف الخضراوات زيادات أكبر، إذ بلغ متوسط سعر الكيلوغرام نحو 15 شيكلًا، بعدما كان لا يتجاوز ستة شواكل قبل أسابيع.

وشملت الارتفاعات الفواكه، التي زادت أسعار بعض أصنافها بأكثر من 80%، إلى جانب الدواجن واللحوم المجمدة والمواد الغذائية الأخرى، ما دفع العديد من العائلات إلى تقليص مشترياتها اليومية والاستغناء عن أصناف كانت تمثل جزءًا أساسيًا من غذائها.

وتتزامن هذه التطورات مع شكاوى من استمرار محدودية الكميات المطروحة في الأسواق، رغم دخول شاحنات محملة بالخضراوات والفواكه واللحوم والمواد الغذائية، وسط مطالبات بتوسيع حركة الاستيراد وضمان وصول السلع إلى المستهلكين بأسعار تتناسب مع قدرتهم الشرائية.

غرفة تجارة غزة: فتح المعابر وحده لا يكفي لإنعاش الاقتصاد

وقال مدير العلاقات العامة والإعلام في غرفة تجارة وصناعة وزراعة محافظة غزة، خليل عطا الله، إن فتح المعابر لا يمثل بحد ذاته حلًا للأزمة الاقتصادية التي يعيشها قطاع غزة، ما لم يقترن بتدفق منتظم وكافٍ للبضائع والمواد الخام ومستلزمات التشغيل.

وأوضح عطا الله أن استقرار الأسواق وتعافي الأنشطة التجارية والإنتاجية يتطلبان استمرار دخول الإمدادات بكميات تلبي احتياجات السكان والمنشآت الاقتصادية، بدلًا من الاعتماد على فتح المعابر لفترات محدودة تتخللها عمليات إغلاق أو تعطيل.

وأشار إلى أن إغلاق المعابر وتوقف دخول السلع يؤديان مباشرة إلى نقص المعروض وارتفاع الأسعار، وهو ما يضاعف الضغوط على الفلسطينيين الذين يواجهون تراجعًا حادًا في مصادر الدخل وضعفًا في القدرة الشرائية.

وأكد أن الأزمة لا تتعلق بمجرد توفر البضائع في الأسواق، وإنما بقدرة السكان على شرائها واستمرار حصول التجار والمنشآت على احتياجاتهم دون انقطاع.

مؤشر الأسعار يقفز إلى 481% قبل تراجعه إلى 278%

وكشف عطا الله عن تقلبات حادة شهدتها أسعار السلع الاستهلاكية خلال أكتوبر الماضي، مشيرًا إلى أن المؤشر الذي استند إليه ارتفع إلى نحو 481% خلال فترة إغلاق المعابر في منتصف الشهر، قبل أن يتراجع إلى نحو 278% بعد استئناف دخول البضائع.

وأوضح أن هذا التراجع لا يعني انتهاء موجة الغلاء أو عودة الأسعار إلى مستوياتها الطبيعية، إذ لا تزال الأسواق تعاني ارتفاعًا كبيرًا في تكلفة السلع الأساسية، إلى جانب استمرار اضطراب الإمدادات.

وتعكس الأرقام التي أوردها المسؤول في غرفة التجارة حجم التقلبات التي شهدتها الأسواق خلال فترة قصيرة، ومدى حساسيتها لأي تغيير في حركة البضائع عبر المعابر.

غير أن نسب المؤشر المذكورة لا تعني أن جميع السلع ارتفعت بالقدر نفسه، إذ تختلف الزيادات بحسب نوع المنتج والكميات المتاحة وتكاليف نقله وتوزيعه.

الخضراوات واللحوم بأسعار تفوق قدرة السكان

في الأسواق الشعبية، تظهر تداعيات الأزمة بصورة مباشرة على حركة البيع والشراء، حيث يواجه المستهلكون أسعارًا مرتفعة للخضراوات والفواكه والمنتجات الحيوانية، رغم عودة جزء من البضائع التجارية إلى القطاع.

ويقول باعة إن متوسط أسعار بعض الخضراوات وصل إلى نحو 15 شيكلًا للكيلوغرام، مقابل ستة شواكل سابقًا، فيما شهدت الفواكه واللحوم المجمدة والدواجن ارتفاعات ملحوظة.

وتشير هذه القفزات إلى أن استئناف الاستيراد لم ينعكس بصورة كافية على أسعار التجزئة، وسط استمرار اختلال التوازن بين العرض والطلب، وضعف المنافسة، ومحدودية قدرة المستهلكين على الشراء.

ويؤكد تجار تجزئة أن كثيرًا من الفلسطينيين باتوا يشترون كميات صغيرة من الأصناف الضرورية، فيما تراجعت مبيعات السلع الأعلى تكلفة بصورة واضحة.

كما أدى الغلاء إلى زيادة الأعباء على الباعة الصغار، الذين يضطرون إلى شراء البضائع بأسعار مرتفعة، ثم يواجهون صعوبة في تصريفها نتيجة ضعف الطلب.

بائع في غزة: الأسعار ترتفع والركود يتعمق

وقال البائع أحمد المصري إن أسواق غزة لم تستعد نشاطها السابق، رغم استئناف دخول الشاحنات التجارية، مشيرًا إلى أن الأسعار لا تزال مرتفعة، فيما يستمر الركود وتراجع الإقبال على الشراء.

وأوضح المصري أن الظروف الاقتصادية التي يعيشها السكان تجعلهم غير قادرين على مجاراة الارتفاع الكبير في الأسعار، ما يؤدي إلى تراكم البضائع لدى بعض الباعة وتراجع مبيعاتهم.

وأضاف أن استمرار الغلاء يؤدي إلى تعميق معاناة العائلات، التي أصبحت تواجه صعوبة في تأمين احتياجاتها الغذائية الأساسية.

وأشار المصري إلى أن المشكلة تتجاوز نقص البضائع، لتشمل آلية إدخالها وتوزيعها والتحكم في الكميات المعروضة، مطالبًا بمعالجة القيود التي تمنع عودة المنافسة الطبيعية إلى السوق.

ثمانية تجار فقط.. مخاوف من احتكار استيراد البضائع

وأثار اقتصار عمليات استيراد السلع التجارية إلى غزة على عدد محدود من التجار مخاوف من تكريس الاحتكار وإضعاف المنافسة، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية المفروضة على حركة البضائع عبر معبر كرم أبو سالم.

ووفق تقارير اقتصادية وشهادات تجار، انخفض عدد المستوردين المسموح لهم بإدخال البضائع إلى القطاع إلى ثمانية تجار، بعد استبعاد آخرين من قوائم التنسيق التجاري.

ويقول باعة ومراقبون للأسواق إن حصر عمليات الاستيراد في هذا العدد المحدود يمنح المستوردين المعتمدين نفوذًا واسعًا في تحديد الكميات والأصناف المتاحة، ويحد من قدرة تجار التجزئة على الحصول على البضائع من مصادر متعددة.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تقليص المنافسة، وارتفاع تكاليف التوريد، وزيادة احتمالات حدوث نقص مفاجئ في بعض السلع.

كما يتحدث بعض التجار عن شبهات استغلال للقيود المفروضة على الاستيراد للحفاظ على أسعار مرتفعة، مطالبين بالتحقيق في آليات التسعير والتوزيع.

لكن هذه الشبهات لا تثبت وجود اتفاق بين المستوردين وسلطات الاحتلال على رفع الأسعار، ولم تتوفر أدلة مستقلة تؤكد حصول تنسيق متعمد بهذا الشأن.

«التعطيش ثم التنقيط».. انتقادات لآلية إدخال البضائع

يصف باعة ومراقبون اقتصاديون آلية إدخال السلع إلى قطاع غزة بأنها تقوم عمليًا على تقليص المعروض لفترات، قبل السماح بدخول كميات محدودة لا تلبي احتياجات الأسواق بصورة كاملة.

ويطلق بعضهم على هذه الآلية وصف «التعطيش ثم التنقيط»، في إشارة إلى تأثير توقف الإمدادات ثم استئنافها تدريجيًا في ارتفاع الأسعار.

ويرى المنتقدون أن هذه التقلبات تؤدي إلى اختلال العلاقة بين العرض والطلب، إذ يؤدي انقطاع البضائع إلى ارتفاع أسعار الأصناف المتبقية، بينما لا تضمن عودة الشاحنات بكميات محدودة انخفاضًا سريعًا للأسعار.

كما أن تكرار الإغلاقات يجعل الأسواق عرضة لموجات متتالية من النقص والغلاء، ويضعف قدرة التجار على وضع خطط مستقرة للاستيراد والتخزين والبيع.

وتبقى طبيعة المسؤوليات عن كل توقف محل خلاف، في ظل تبادل اتهامات بين السلطات الإسرائيلية وجهات داخل غزة بشأن أسباب تعطيل التنسيق التجاري خلال أكتوبر الماضي.

إغلاق مطاعم ومحال تجارية بسبب نقص الإمدادات

ولم تقتصر تداعيات الأزمة على المستهلكين، إذ طالت المنشآت الاقتصادية التي تعتمد على توفر المواد الغذائية ومستلزمات التشغيل بصورة يومية.

وقال خليل عطا الله إن بعض المطاعم والمحال التجارية اضطرت إلى إغلاق أبوابها بالكامل خلال فترات نقص الإمدادات، فيما علّقت منشآت أخرى أعمالها مؤقتًا نتيجة عدم توفر المواد الأساسية اللازمة لاستمرار النشاط.

وأشار إلى أن عددًا من المنشآت استأنف العمل بعد عودة البضائع، لكن هذا التحسن ظل مرتبطًا باستمرار تدفق الإمدادات إلى الأسواق.

وأوضح أن توقف منشأة اقتصادية عن العمل لا يقتصر تأثيره على أصحابها، بل ينعكس أيضًا على العاملين فيها ومصادر دخل أسرهم، وعلى المؤسسات التجارية والخدمية المرتبطة بها.

وأكد أن هذه التطورات تكشف هشاشة النشاط الاقتصادي في غزة ومدى اعتماده على توفر الاحتياجات الأساسية بصورة منتظمة.

النقل والشحن والإنتاج تواجه ضغوطًا متزايدة

وأشار عطا الله إلى أن اضطراب حركة المعابر يمتد تأثيره إلى قطاعات اقتصادية متعددة، تشمل النقل والشحن والإنتاج والخدمات.

وأوضح أن هذه الأنشطة تحتاج إلى الوقود والزيوت وقطع الغيار والمواد الخام ومستلزمات التشغيل، وأن انقطاع أي من هذه المكونات قد يؤدي إلى توقف العمل أو ارتفاع تكاليفه.

وأضاف أن إعادة فتح المعابر بصورة مؤقتة لا تكفي لإعادة تشغيل الاقتصاد، إذا بقيت المنشآت غير قادرة على التخطيط لاحتياجاتها أو ضمان توفر المواد اللازمة للإنتاج بصورة مستقرة.

وأكد أهمية توفير الظروف التي تسمح للمؤسسات بالعمل المتواصل، والحفاظ على الوظائف ومصادر دخل الأسر، بدلًا من استمرار دورة التوقف والاستئناف التي تستنزف الموارد المحدودة.

أزمة غزة تتحول من نقص السلع إلى العجز عن شرائها

وفي ظل استمرار الغلاء وتراجع الدخل، لم تعد الأزمة الغذائية في قطاع غزة مرتبطة بتوفر السلع وحده، بل أصبحت تشمل قدرة الفلسطينيين على شرائها.

ويحذر حقوقيون من أن ارتفاع الأسعار يضطر عائلات إلى تقليص عدد وجباتها اليومية، أو الاستغناء عن أصناف غذائية أساسية، أو تأجيل نفقات ضرورية تتعلق بالصحة والعلاج لتوفير الطعام.

كما تلجأ أسر إلى شراء كميات أقل من الخضراوات واللحوم والبيض ومشتقات الحليب، والاعتماد على المواد الغذائية الأقل تكلفة، أو المساعدات الإنسانية متى توفرت.

وتثير هذه الأوضاع مخاوف من تفاقم انعدام الأمن الغذائي، خصوصًا لدى الأسر التي فقدت مصادر رزقها وتعتمد بصورة أساسية على المساعدات.

وتؤكد المعطيات الإنسانية الصادرة عن برنامج الأغذية العالمي أن الأزمة الغذائية في غزة لا تزال حادة، رغم التحسن الذي شهدته بعض المؤشرات خلال فترات زيادة دخول المساعدات والبضائع.

ويجعل استمرار ارتفاع الأسعار أي تحسن في توفر السلع محدود الأثر بالنسبة إلى العائلات التي لا تمتلك المال الكافي لشرائها.

غرفة التجارة تطالب بتدفق دائم للبضائع ومستلزمات الإنتاج

وشدد خليل عطا الله على أن التعافي الاقتصادي الحقيقي في قطاع غزة يتطلب توفير مقومات مستدامة، وليس الاكتفاء بحلول مؤقتة تعالج آثار الإغلاقات لفترات محدودة.

وأكد ضرورة ضمان تدفق منتظم للبضائع، يشمل المواد الغذائية والسلع الأساسية والمواد الخام وقطع الغيار ومستلزمات الإنتاج، بما يسمح للأسواق والمنشآت الاقتصادية بالعمل بصورة طبيعية.

وأشار إلى أن استقرار الإمدادات يمثل شرطًا أساسيًا لاستقرار الأسعار، واستعادة النشاط التجاري، والحفاظ على فرص العمل ومصادر الدخل.

وحذر من أن استمرار اضطراب دخول السلع سيبقي الأسواق عرضة لمزيد من التقلبات، ويعطل قدرة المؤسسات الاقتصادية على التعافي.

وأكد عطا الله أن اقتصاد غزة يحتاج إلى مقومات حقيقية تضمن استمراره، وليس إلى فتح مؤقت للمعابر يعقبه توقف جديد للإمدادات.

وبينما تتواصل حركة الشاحنات التجارية إلى القطاع، تبقى قدرة الأسواق على استعادة توازنها مرهونة بانتظام الإمدادات وتوسيع قنوات الاستيراد وتحسين القدرة الشرائية للسكان، في ظل واقع اقتصادي ومعيشي بالغ الصعوبة.

ويخشى باعة ومستهلكون أن يؤدي استمرار القيود على حركة التجارة، مع غياب المنافسة الكافية، إلى بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة رغم توفر بعض السلع، بما يضاعف الأعباء على الأسر الفلسطينية ويحد من فرص التعافي الاقتصادي.

إنفوجرافيك مؤشرات الأسعار في غزة.png
 

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء · قطاع غزة