تواجه المؤسسات الإعلامية تحديات متزايدة مع التطور المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي، خصوصاً ما يتعلق بدقة المعلومات وانتشار الأخبار المضللة وصعوبة التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المُنتج أو المعدّل رقمياً، في وقت باتت فيه هذه التقنيات قادرة على إنتاج صور ومقاطع فيديو ونصوص يصعب أحياناً التحقق من صحتها، حتى بالنسبة للصحفيين المتخصصين.
وبين الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي لتطوير العمل الصحفي، والمخاطر المرتبطة باستخدامه في نشر الشائعات والتضليل وخطاب الكراهية، تتزايد الحاجة إلى وضع ضوابط مهنية وأخلاقية واضحة تنظم استخدام هذه الأدوات داخل المؤسسات الإعلامية، وتعزز مسؤولية الصحفي في التحقق من المعلومات قبل نشرها.
وفي هذا السياق، عقدت منصة "تيقَّن" لتدقيق المعلومات، بالتعاون مع كلية الإعلام الحديث في الجامعة العربية الأمريكية، لقاءً حوارياً بعنوان "الإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي: تحديات التضليل ودقة التحقق"، بمشاركة صحفيين ومختصين، لمناقشة واقع استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام الفلسطيني، والتحديات التي تفرضها التقنيات الحديثة على عمليات التحقق، والفرص المتاحة لتطوير أدوات قادرة على كشف المحتوى المضلل، إلى جانب بحث إمكانية الخروج بمدونة سلوك تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الإعلامية.
مدونة سلوك لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي
وقال مسؤول وحدة التحقيقات المفتوحة في منصة "تيقَّن"، الصحفي أمير أبو عرام، إن اللقاء جاء بهدف الوصول إلى مدونة سلوك لاستخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الإعلامية، تأخذ بعين الاعتبار خصوصية الواقع الذي يعيشه الإعلام الفلسطيني، في ظل التطور المتسارع لهذه التقنيات وما تفرضه من تحديات على العمل الصحفي، سواء من ناحية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى وتطويره، أو استغلالها في صناعة المعلومات المضللة ونشرها.
وأوضح أبو عرام أن اللقاء ناقش كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير العمل الصحفي، بحيث لا يقتصر دور الصحفي على استخدام الأدوات المتاحة، وإنما يتجاوز ذلك إلى فهمها وتطوير استخدامها وتطويعها لخدمة أهداف الصحافة، ولا سيما الوصول إلى المعلومات الصحيحة وتفنيد الأخبار الكاذبة والشائعات المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي.
وأشار إلى أن النقاشات تناولت مجموعة من التحديات التي يواجهها الصحفي الفلسطيني في ظل التحولات التي شهدتها البيئة الإعلامية خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك تأثير الذكاء الاصطناعي على طبيعة العمل الصحفي، والتساؤلات المتعلقة بمستقبل المهنة وفرص الصحفيين، وما إذا كانت هذه التقنيات ستقلص فرص العمل أم ستوفر إمكانيات جديدة للتطوير، بحسب طريقة استخدامها والقدرة على الاستفادة منها.
وأكد أبو عرام أن الذكاء الاصطناعي أصبح واقعاً لا يمكن تجاهله، وأن التعامل معه يتطلب فهماً عميقاً لإمكاناته ومخاطره، مشدداً على ضرورة الانتقال من مرحلة الاستخدام التقليدي إلى مرحلة التطوير والتوظيف المسؤول، بما يساعد الصحفيين على أداء رسالتهم بصورة أكثر كفاءة، ويعزز قدرتهم على تقديم معلومات دقيقة وموثوقة للجمهور.
صعوبة التمييز بين المحتوى الحقيقي والمصطنع
وفيما يتعلق بانتشار المحتوى المضلل، لفت أبو عرام إلى أن التطور الكبير في أدوات الذكاء الاصطناعي جعل إنتاج الصور ومقاطع الفيديو والنصوص أكثر سهولة، وأدى إلى زيادة صعوبة التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المصطنع أو المعدّل رقمياً.
وأوضح أن التحدي لا يقتصر على الجمهور وحده، بل يمتد إلى الصحفيين والمتخصصين، الذين قد يجدون أنفسهم أمام محتوى يثير الشكوك ويصعب حسم مدى صحته بالاعتماد على المشاهدة وحدها.
وأضاف أن أدوات كشف التزييف تواجه بدورها تحديات متزايدة مع تطور تقنيات إنتاج المحتوى، الأمر الذي يستدعي مواصلة تطوير وسائل التحقق، وعدم التعامل مع نتائج الأدوات التقنية باعتبارها دليلاً نهائياً على صحة المحتوى أو زيفه، بل دمجها ضمن عملية تحقق أوسع تعتمد على البحث والتوثيق ومقارنة المصادر وتحليل الأدلة المتاحة.
وشدد أبو عرام على أن الذكاء الاصطناعي يمثل سلاحاً ذا حدين؛ إذ يمكن استغلاله في إنتاج محتوى مضلل وتوسيع نطاق انتشار الشائعات وخطاب الكراهية، لكنه في المقابل يتيح فرصاً لتطوير أدوات تساعد على رصد المعلومات المغلوطة وتتبع انتشارها والحد من تأثيرها.
وأكد أن المطلوب هو توظيف هذه التقنيات لمواجهة التضليل، بدلاً من تركها تتحول إلى وسيلة إضافية لتوسيع انتشاره.
أداة لرصد التضليل وخطاب الكراهية
وفي هذا الإطار، كشف أبو عرام أن منصة "تيقَّن" تعمل على تطوير أداة متخصصة بالذكاء الاصطناعي لرصد المحتوى المضلل والشائعات وخطاب الكراهية على منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب متابعة تفاعلات الجمهور، بما يساعد على فهم طبيعة المحتوى المنتشر ورصد الأنماط المرتبطة بالتضليل.
وأوضح أن هذه الجهود تأتي في إطار البحث عن وسائل تقنية تسهم في دعم عمل الصحفيين ومنصات التحقق، وتعزز قدرتهم على التعامل مع حجم المعلومات المتدفقة يومياً عبر المنصات الرقمية.
السرعة على حساب الدقة تهدد ثقة الجمهور
وتطرق أبو عرام إلى أزمة الثقة بين الجمهور والمؤسسات الإعلامية، مشيراً إلى أن انتقال وسائل الإعلام إلى منصات التواصل الاجتماعي، وتزايد انتشار المعلومات غير الدقيقة، وسرعة تداول الأخبار قبل التحقق منها، كلها عوامل أسهمت في تعقيد العلاقة بين الجمهور والمحتوى الإعلامي.
وأوضح أن بعض وسائل الإعلام أصبحت تتعامل مع الخبر من منطلق السبق وسرعة النشر وتحقيق الانتشار والتفاعل، على حساب التحقق من دقته، وهو ما قد يؤدي إلى تداول معلومات خاطئة تضر بالحقيقة وبمصداقية المؤسسة الإعلامية.
وأكد أن استعادة ثقة الجمهور تتطلب إعادة الاعتبار إلى المعايير المهنية، وتقديم الدقة على السرعة، والابتعاد عن السعي وراء الأرقام والتفاعل على حساب صحة المعلومات.
وفي هذا السياق، شدد على أهمية اعتماد مبدأ التحقق قبل النشر، موضحاً أن منصة "تيقَّن" تعمل على تعزيز هذا التوجه من خلال التحقق من المعلومات وتوثيقها والتأكد من تفاصيلها قبل تداولها.
وأشار إلى أن التحقق بعد النشر يظل ضرورياً لتصحيح المعلومات الخاطئة وتفنيد الشائعات، لكنه لا يغني عن بذل الجهد لمنع انتشار المعلومات المضللة منذ البداية.
وبيّن أن حجم المنشورات المتداولة يومياً يضع منصات التحقق أمام تحديات كبيرة، إذ تتطلب عملية التحقق من خبر واحد أحياناً ساعات من البحث والتدقيق، في حين تتدفق آلاف المنشورات والمعلومات التي تحتاج إلى الفحص.
وأضاف أن التحدي تطور من التحقق من منشورات منفردة إلى ملاحقة شبكات وحسابات تعمل على نشر معلومات مضللة بصورة منظمة، وتوجيه تفاعلات الجمهور من خلال حملات قد تستهدف حتى تفاصيل الحياة اليومية.
وأكد أبو عرام أن انتشار هذه الشبكات والحسابات يسهم في إضعاف ثقة الجمهور بالمعلومات المنشورة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يجعل تطوير أدوات التحقق وتعزيز التعاون بين الصحفيين والباحثين والمؤسسات الإعلامية ضرورة ملحة لمواجهة هذه الظاهرة.
سياسات واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي
كما شدد على أهمية وضع سياسات واضحة داخل المؤسسات الإعلامية لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي، بما يشمل مراجعة المحتوى الذي تنتجه هذه الأدوات، والتحقق من المعلومات الواردة فيه، ومراعاة المسؤولية المهنية والأخلاقية، وحماية المصادر، وتعزيز الشفافية في النشر.
وأوضح أن توفير الوقت والجهد الذي تتيحه هذه التقنيات لا ينبغي أن يكون مبرراً لتجاوز مراحل التحقق أو نشر محتوى لم يخضع للمراجعة اللازمة.
وفيما يتعلق بخطاب الكراهية، أشار أبو عرام إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في رصد المحتوى وتحليل تفاعلات الجمهور يمكن أن يسهم في الحد من انتشاره، إذا جرى تطوير هذه الأدوات وتوظيفها بطريقة مسؤولة.
ولفت إلى أن مواجهة التضليل لا تقتصر على كشف المعلومات الخاطئة بعد انتشارها، بل تتطلب أيضاً فهم آليات انتشارها، ومتابعة الحسابات التي تقف وراء حملات التضليل، والعمل على الحد من تأثيرها في الرأي العام.
التدريب شرط للاستخدام المسؤول
ودعا الصحفيين والمؤسسات الإعلامية إلى الاستثمار في التدريب والمعرفة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن تجاهل هذه التقنيات أو التعامل معها باعتبارها ظاهرة عابرة لن يساعد في مواجهة التحديات التي تفرضها.
وشدد على أن الاستخدام الواعي لهذه الأدوات يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة لتطوير الصحافة، شريطة أن يظل الصحفي مسؤولاً عن المعلومات التي ينشرها، وألا يتخلى عن دوره في البحث والتحقق والتدقيق.
واختتم أبو عرام حديثه بالتأكيد على أن القاعدة الأساسية التي ينبغي أن يتمسك بها كل صحفي قبل الضغط على زر النشر هي التأكد من المعلومة وتوثيقها والتحقق من جميع تفاصيلها.
وأوضح أن الجمهور ينتظر من الصحفي تقديم معلومات دقيقة وصحيحة، وأن تكرار نشر الأخبار الخاطئة يؤدي إلى تراجع الثقة بالصحفي والمؤسسة الإعلامية، ويجعل الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة.
وأكد أن التحدي الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يتمثل في مجرد استخدام الأدوات الحديثة، بل في القدرة على توظيفها لخدمة الحقيقة، ومواجهة الشائعات والمعلومات المضللة وخطاب الكراهية، مع الحفاظ على المسؤولية المهنية والأخلاقية.
وشدد على أن استعادة ثقة الجمهور تبدأ من الالتزام بالتحقق قبل النشر، وتقديم المعلومة الصحيحة على حساب السرعة والانتشار، بما يضمن حق المواطنين في الوصول إلى معلومات موثوقة ودقيقة.
المصدر: نساء FM
