هندسة تجارة غزة.. 8 تجار و4 شركات إسرائيلية يتحكمون في بوابة الاستيراد

غزة- تتجه تجارة قطاع غزة نحو مزيد من الانكماش في ظل القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال البضائع، وتقليص عدد التجار المسموح لهم بالاستيراد، ومنع المنتجات الفلسطينية المصنعة في الضفة الغربية من الوصول إلى أسواق القطاع، في وقت تواجه فيه الأسواق نقصاً في السلع وتراجعاً حاداً في تنوع المعروض التجاري.

وقالت مصادر اقتصادية إن عدد التجار الذين كان يُسمح لهم بإدخال البضائع إلى قطاع غزة بلغ 13 تاجراً، قبل أن يُستبعد خمسة منهم، ليقتصر العدد حالياً على ثمانية تجار، دون أن تتضح المعايير التي استندت إليها عملية الاختيار الإسرائيلية، أو أسباب استبعاد بعض التجار والإبقاء على آخرين.

وأضافت المصادر أن آلية اختيار التجار المسموح لهم بالاستيراد لا تزال تفتقر إلى الوضوح بالنسبة إلى الفاعلين الاقتصاديين، في ظل غياب معلومات كافية عن الجهة التي تحدد أسماء المستوردين، والمعايير المعتمدة لمنح الموافقات، والآليات المتاحة أمام بقية التجار للحصول عليها.

وتثير هذه المعطيات تساؤلات بشأن مستقبل المنافسة في السوق الفلسطينية، وقدرة التجار على ممارسة نشاطهم بصورة مستقلة، خصوصاً في ظل اعتماد القطاع على البضائع التي يُسمح بإدخالها عبر المعابر الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.

200 سلعة من أصل 10 آلاف

وفي مؤشر على حجم التراجع في تنوع البضائع المتاحة، أفادت المصادر الاقتصادية بأن نحو 200 سلعة فقط تدخل إلى قطاع غزة، مقارنة بنحو 10 آلاف سلعة كانت تدخل قبل الحرب.

وبحسب هذه الأرقام، لا يتجاوز عدد الأصناف المتاحة حالياً نحو 2% من عدد الأصناف التي كانت تدخل إلى القطاع قبل الحرب، ما يعكس اتساع الفجوة في تنوع المعروض التجاري، وإن كانت المقارنة لا تعني بالضرورة أن الكميات الإجمالية للبضائع انخفضت بالنسبة نفسها.

وأوضحت المصادر أن محدودية الأصناف المتاحة لا تقتصر آثارها على السلع الاستهلاكية، بل تمتد إلى احتياجات قطاعات اقتصادية مختلفة، بما يشمل مستلزمات الإنتاج والتشغيل وقطع الغيار والمواد اللازمة لاستمرار الأنشطة التجارية والصناعية.

ويؤدي استمرار القيود على تنوع البضائع إلى تضييق الخيارات أمام التجار والمستهلكين، وزيادة صعوبة الحصول على احتياجات السوق، في وقت تراجعت فيه القدرة الشرائية للسكان وتضررت فيه قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي.

منتجات الضفة الغربية ممنوعة من الوصول إلى غزة

وفي موازاة القيود المفروضة على الاستيراد، قالت المصادر الاقتصادية إن المنتجات الفلسطينية المصنعة في الضفة الغربية ممنوعة من الوصول إلى أسواق قطاع غزة بفعل القيود التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي، مشيرة إلى أن البضائع التي تدخل القطاع حالياً هي إما أجنبية أو إسرائيلية.

وبحسب المصادر، فإن منع المنتجات الفلسطينية من دخول غزة يحرم المصانع في الضفة الغربية من الوصول إلى سوق فلسطينية واسعة، ويحد من قدرتها على تصريف إنتاجها، في وقت يحتاج فيه القطاع إلى تنويع مصادر التوريد وتوفير السلع للسكان.

ويثير هذا الواقع تساؤلات بشأن طبيعة السوق التي تتشكل في غزة، إذ لا تقتصر القيود على تحديد عدد التجار المسموح لهم بالاستيراد وتقليص أصناف البضائع، بل تمتد إلى منع المنتجات الفلسطينية من المنافسة داخل السوق المحلية.

وترى المصادر أن هذا الوضع يضع المنتجين الفلسطينيين أمام معادلة اقتصادية صعبة؛ فهم يواجهون صعوبات في الوصول إلى المستهلكين في غزة، بينما يستمر دخول بضائع أجنبية وإسرائيلية وفق القيود والمسارات التي تسمح بها سلطات الاحتلال.

كما أن إقصاء المنتجات الفلسطينية من السوق يحرم المستهلك من خيارات محلية، ويحد من فرص التكامل الاقتصادي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ويضعف إمكانية بناء سلاسل توريد داخلية تدعم استمرار المصانع والعمالة الفلسطينية.

اتحاد الصناعات الفلسطينية يلجأ إلى القضاء

وفي مواجهة هذه القيود، رفع الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية ومقره في رام الله، قضية ضد منسق أعمال حكومة الاحتلال الإسرائيلي وسلطة الضرائب الإسرائيلية لدى المحكمة العليا الإسرائيلية، على خلفية السماح لأربع شركات إسرائيلية فقط بإدخال البضائع إلى قطاع غزة، وحصر عملية التوريد من خلالها.

ويطالب الاتحاد برفع القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال المنتجات الفلسطينية المصنعة في الضفة الغربية إلى قطاع غزة، بما يتيح للمصانع الفلسطينية الوصول إلى السوق المحلية، ويحد من إقصاء المنتج الوطني لمصلحة البضائع التي تدخل عبر قنوات توريد محدودة.

ويكتسب هذا التحرك أهمية في ظل المعطيات المتعلقة بتقليص عدد التجار المسموح لهم بالاستيراد إلى غزة ومحدودية أصناف السلع التي تدخل القطاع، إذ يطرح الاتحاد مسألة القيود المفروضة على التجارة من زاوية أوسع تتعلق بحق المنتجين الفلسطينيين في الوصول إلى أسواقهم، ومبدأ المنافسة، والآثار الاقتصادية المترتبة على حصر قنوات التوريد.

كما يثير حصر إدخال البضائع عبر أربع شركات إسرائيلية، وفق ما أورده الاتحاد في قضيته، تساؤلات بشأن الأسس التي تستند إليها الجهات الإسرائيلية في تحديد الشركات المسموح لها بالتوريد، وأسباب منع المنتجات الفلسطينية من الوصول إلى غزة، وانعكاسات هذه الإجراءات على المنافسة والأسعار والقطاع الصناعي الفلسطيني.

ويضع التحرك القضائي القيود المفروضة على التجارة أمام اختبار قانوني، في محاولة لفتح قنوات التوريد أمام المنتجات الفلسطينية، وإنهاء القيود التي تحول دون وصولها إلى المستهلكين في القطاع.

توقف دخول البضائع منذ نحو عشرة أيام

وفي تطور يزيد الضغوط على الأسواق، قالت المصادر الاقتصادية إن قطاع غزة لم يشهد، وفق المعلومات المتوافرة لديها، دخول أي سلعة تجارية منذ نحو عشرة أيام، محذرة من أن استمرار التوقف قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، خصوصاً مع محدودية المخزون لدى التجار واعتماد السوق على الإمدادات الخارجية.

ويضع توقف الشحنات التجارية، إلى جانب محدودية أصناف البضائع المسموح بإدخالها، الأنشطة التجارية أمام تحديات متزايدة، لا سيما أن أي انقطاع في الإمدادات ينعكس على توافر السلع وتكاليف الحصول عليها وقدرة التجار على تلبية احتياجات المستهلكين.

ولا يعني توقف الشحنات التجارية بالضرورة توقف دخول المساعدات الإنسانية، إذ تختلف مسارات البضائع التجارية عن مسارات المساعدات، كما أن دخول شحنات عبر مسارات أخرى لا يثبت استئناف حركة الاستيراد التجاري المعتادة.

من تقييد الاستيراد إلى إعادة تشكيل السوق

وترى المصادر الاقتصادية أن تقليص عدد المستوردين، ومحدودية أصناف البضائع، ومنع المنتجات الفلسطينية من دخول غزة، وتوقف الشحنات التجارية، تشكل مجتمعة مؤشرات على تحولات عميقة في بنية السوق.

فالقضية لا تتعلق فقط بحجم البضائع التي تدخل إلى القطاع، بل أيضاً بهوية الجهات القادرة على الاستيراد، ونوعية السلع المتاحة، ومصادر التوريد التي يُسمح لها بالوصول إلى المستهلك الفلسطيني.

ومن شأن حصر الاستيراد في عدد محدود من التجار أن يزيد اعتماد بقية السوق عليهم، ويقلص قدرة التجار الصغار على المنافسة، خصوصاً في ظل غياب معلومات واضحة عن معايير منح الموافقات وآليات الاعتراض على قرارات الاستبعاد.

وفي المقابل، فإن منع المنتجات الفلسطينية من الوصول إلى غزة يضيف بُعداً آخر للأزمة، إذ لا يقتصر أثره على المستهلك أو التاجر، بل يمتد إلى المصانع والعمالة الفلسطينية، التي تخسر فرصاً للتسويق والإنتاج والاستمرار في ظل تراجع الطلب المحلي وتعطل قنوات التوزيع.

وتفتح هذه المعطيات الباب أمام تساؤلات بشأن الجهة التي تحدد قائمة المستوردين، والأسس التي يُسمح بموجبها بإدخال بعض السلع دون غيرها، ومدى وجود رقابة على إجراءات الاستيراد والأسعار، إضافة إلى الآليات المتاحة أمام التجار المستبعدين للاعتراض على قرارات منعهم.

وفي ظل غياب معايير معلنة لاختيار المستوردين، ومحدودية السلع المتاحة، ومنع المنتجات الفلسطينية من الوصول إلى القطاع، تتزايد الحاجة إلى نشر بيانات واضحة بشأن قائمة التجار المسموح لهم بالاستيراد، والكميات والأصناف التي تدخل إلى غزة، وأسباب القيود المفروضة على المنتجات الفلسطينية، وآليات الرقابة على الأسعار والمنافسة.

وفيما يتعلق بتكاليف تنسيق دخول البضائع، تثير آليات إدخال السلع إلى قطاع غزة تساؤلات إضافية بشأن الأعباء المالية التي يتحملها التجار، وانعكاساتها على الأسعار النهائية للمستهلكين.

وتشير تقديرات متداولة في الأوساط الاقتصادية إلى ارتفاع تكاليف التنسيق المرتبطة بإدخال الشحنات، بما يزيد من كلفة وصول البضائع إلى الأسواق، في ظل محدودية المستوردين وقنوات التوريد. وترى مصادر اقتصادية أن غياب الشفافية بشأن هذه التكاليف، والجهات التي تتقاضاها، وآلية تحديدها، يجعل من الضروري الكشف عن تفاصيلها، والتحقق من قيمتها الفعلية، ومدى انعكاسها على أسعار السلع، خصوصاً في ظل القيود المفروضة على دخول المنتجات الفلسطينية من الضفة الغربية، بما يحد من المنافسة ويضيّق خيارات المستهلكين في القطاع.

المصدر: معا