حذرت ورقة بحثية صادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات السياسية من مخاطر ربط إعادة إعمار قطاع غزة بشروط سياسية وأمنية قد تعيد إنتاج التبعية الاقتصادية، وتحد من قدرة الفلسطينيين على التحكم في مسار التعافي وتحديد أولوياتهم بعد الحرب.
وجاءت الدراسة تحت عنوان اقتصاديات التبعية والإعمار المشروط التمويل الدولي لغزة بين متطلبات التعافي المبكر ومسارات الإخضاع السياسي، حيث تناولت تأثير آليات التمويل الخارجي في مستقبل الاقتصاد الفلسطيني، ومدى ارتباط تنفيذ المشاريع والإفراج عن الأموال باعتبارات تتجاوز الاحتياجات الإنسانية والتنموية.
وأشارت الورقة إلى أن التحدي لا يقتصر على حجم الأموال التي يتعهد المانحون بتقديمها، بل يشمل أيضا المبالغ التي تصل فعليا، وما يجري إنفاقه منها على الأرض، والقيود التي قد تتحكم في توجيهها واستخدامها.
فجوة مالية واسعة بين الاحتياجات والتعهدات
استندت الدراسة إلى تحليل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 لعام 2025، وتقرير مجلس السلام المقدم إلى المجلس في 15 مايو 2026، إضافة إلى خطة التعافي الممتدة لستة أشهر، التي أُعلنت في سبتمبر 2026، وتبلغ قيمتها نحو 2.45 مليار دولار، وتتضمن 66 مشروعا.
وقارنت الورقة هذه المعطيات بتجربتي إعادة الإعمار في عامي 2009 و2014، لتسليط الضوء على التحديات التي واجهت جهود التعافي في القطاع خلال السنوات الماضية.
ووفقا للأرقام الواردة في الدراسة، تصل الاحتياجات المقدرة لإعادة إعمار غزة على مدى عشر سنوات إلى نحو 71.4 مليار دولار، مقابل تعهدات من مجلس السلام بقيمة 17 مليار دولار، وهو ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة بين متطلبات الإعمار والمبالغ المعلنة.
ما المقصود بالإعمار المشروط
عرّفت الورقة الإعمار المشروط بأنه إخضاع تدفق التمويل، وإدخال مواد البناء، وتنفيذ المشاريع لمجموعة من المتطلبات السياسية والأمنية والإدارية والجغرافية التي قد لا تكون خاضعة للقرار الفلسطيني وحده.

وتشمل هذه الاشتراطات، بحسب الدراسة، آليات الرقابة على المؤسسات، والإجراءات والتصاريح اللازمة لتنفيذ المشاريع، إلى جانب القيود المرتبطة بالمناطق التي يمكن أن تصل إليها أعمال الإعمار.
وترى الورقة أن هذه الآليات قد تؤثر في سرعة الاستجابة للاحتياجات العاجلة، كما يمكن أن تحد من قدرة المؤسسات الفلسطينية على تحديد المشروعات الأكثر إلحاحا، إذا ارتبط التمويل باعتبارات سياسية أو أمنية.
القبول المقيد بدلا من الرفض أو القبول المفتوح
طرحت الدراسة نهجا وصفته بالقبول المقيد، يقوم على الاستفادة من التمويل الدولي اللازم لإعادة الإعمار، مع وضع ضوابط تحمي المصالح الفلسطينية وتمنع إخضاع الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية لشروط سياسية.
ويعتمد هذا التصور على التفاوض الجماعي بشأن متطلبات التمويل، بما يتيح التعامل مع الجهات المانحة دون التفريط في القدرة الفلسطينية على تحديد الأولويات الوطنية وإدارة الموارد المخصصة للتعافي.
كما أوصت الورقة بوضع آلية واضحة لرصد الشروط المفروضة على التمويل، ونشر تقارير دورية توضح الفارق بين التعهدات المالية والمبالغ التي جرى صرفها فعليا، بما يعزز الشفافية ويساعد على تقييم مدى تقدم عملية الإعمار.
الإنتاج المحلي في قلب خطة التعافي
ودعت الدراسة إلى الإفراج عن أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة، وتوسيع الاعتماد على القدرات الإنتاجية المحلية في تنفيذ مشروعات إعادة الإعمار، بدلا من الاقتصار على الاستيراد والتمويل الخارجي.
وشملت المقترحات دعم إعادة تدوير الركام الناتج عن الدمار، والتوسع في استخدام الطاقة الشمسية، وتعزيز الإنتاج الزراعي، بما يسهم في توفير فرص عمل وتحريك النشاط الاقتصادي داخل القطاع.
وشددت الورقة على ضرورة أن يكون للفلسطينيين دور أساسي في تحديد احتياجات التعافي وإدارة موارده، معتبرة أن نجاح إعادة الإعمار لا يرتبط فقط بتوفير الأموال، وإنما أيضا بآليات توزيعها، والجهات التي تتحكم في استخدامها، ومدى قدرتها على تلبية احتياجات السكان ودعم استقلال الاقتصاد الفلسطيني.
وكالة الصحافة الفلسطينية
