مجلس السلام يحتفي بعام على خطة ترامب لغزة ويعلن تعهدات بـ18 مليار دولار.. إعادة الإعمار تراوح مكانها واستمرار الاحتلال يعرقل التنفيذ
المجلس يشيد بدور ترامب وفريقه في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، ويستند إلى دعم مجلس الأمن وتصريحات هيلاري كلينتون لتأكيد جدوى خطته، فيما تكشف تقارير أميركية ودولية عن تعثر الانسحاب الإسرائيلي ونشر القوة الدولية وانتقال الإدارة إلى اللجنة الفلسطينية.
أشاد «مجلس السلام»، الذي يرأسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بما وصفه بالإنجازات التي تحققت خلال العام الأول من خطة وقف إطلاق النار في قطاع غزة، معلناً استمرار العمل على تنفيذ خطة النقاط العشرين وإعادة إعمار القطاع، وسط تقارير عن تعهدات مالية دولية تبلغ نحو 18 مليار دولار، في وقت لا تزال فيه الإجراءات العملية لإعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي ونقل إدارة غزة إلى لجنة فلسطينية تواجه عقبات سياسية وأمنية كبيرة.
وجاءت تصريحات المجلس بمناسبة مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ تنفيذه في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، إذ وجّه الشكر إلى ترامب وأعضاء فريقه، وفي مقدمتهم جاريد كوشنر، والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية ماركو روبيو، مشيداً بدورهم في التوصل إلى الاتفاق ووضع إطار سياسي وأمني لمستقبل القطاع.
ووصف المجلس الاتفاق بأنه محطة تاريخية في الشرق الأوسط، معتبراً أن العام الماضي شهد تأسيس آليات دولية لإدارة المرحلة الانتقالية، واستكمال ملف إعادة الأسرى الإسرائيليين، ووضع خطط للتعافي وإعادة الإعمار.
غير أن التقارير التي نشرتها وكالتا «رويترز» و«أسوشيتد برس» بمناسبة الذكرى الأولى أظهرت فجوة واضحة بين الأهداف المعلنة للخطة والواقع الميداني، إذ لا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر على مساحات واسعة من قطاع غزة، بينما تتواصل الهجمات وسقوط الضحايا الفلسطينيين، ولم تبدأ عملية إعادة الإعمار الشاملة حتى الآن.
تعهدات بـ18 مليار دولار ومشاريع تنتظر التنفيذ
وفي أحدث المعطيات المتعلقة بالتمويل، أوردت شبكة «فوكس نيوز» الأميركية، في تقرير نشرته في 13 أكتوبر الجاري، أن مجلس السلام حصل على تعهدات بنحو 18 مليار دولار لإعادة إعمار غزة، استناداً إلى معلومات نقلتها عن هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».
وأوضح مسؤول في المجلس للشبكة أن المرحلة المقبلة تشمل برنامجاً مدته ستة أشهر، يتضمن 66 مبادرة للتعافي، بينها إزالة الركام والذخائر غير المنفجرة، وتوفير مساكن مؤقتة، وتنفيذ أعمال مرتبطة بالبنية التحتية.
وكان مجلس السلام قد أعلن، في تقرير رسمي قدمه إلى مجلس الأمن الدولي في مايو/أيار الماضي، بلوغ التعهدات المالية آنذاك نحو 17 مليار دولار، مؤكداً استعداده للانتقال إلى التنفيذ بمجرد استكمال الترتيبات الأمنية والسياسية اللازمة.
كما أعلن المجلس خلال اجتماعه التأسيسي في واشنطن، في 19 فبراير/شباط 2026، إنشاء صندوق لإعادة إعمار غزة وتطويرها بإدارة البنك الدولي، بهدف توفير آلية لتمويل المشاريع والإشراف على تنفيذها.
لكن التعهدات المالية لا تعني أن الأموال صُرفت بالفعل أو أن المشاريع بدأت على الأرض.
فقد أفادت صحيفة «واشنطن بوست»، في تقرير نشرته في 8 أكتوبر، بأن مجلس السلام يمتلك مشروعات معدّة للتنفيذ وموارد أولية، لكن الخلافات مع الحكومة الإسرائيلية بشأن نزع سلاح حماس وترتيبات دخول الإدارة الفلسطينية والقوة الدولية تعرقل الانتقال إلى إعادة الإعمار.
وتقدر المؤسسات الدولية احتياجات التعافي وإعادة إعمار قطاع غزة بنحو 70 مليار دولار أو أكثر، ما يعني أن التعهدات المعلنة، حتى في حال صرفها كاملة، لا تغطي سوى جزء من الاحتياجات المقدرة.
دعم أممي لخطة ترامب دون اكتمال تنفيذها
ويستند مجلس السلام إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، الصادر في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، الذي أيد الخطة الأميركية الشاملة بشأن غزة، ورحب بإنشاء مجلس السلام بوصفه جزءاً من ترتيبات الإدارة الانتقالية.
كما أجاز القرار إنشاء قوة دولية لتحقيق الاستقرار، ولجنة فلسطينية تكنوقراطية تتولى المسؤوليات الإدارية والمدنية في القطاع خلال المرحلة الانتقالية.
وفي تقريره المقدم إلى مجلس الأمن، قال المجلس إن 28 دولة انضمت إلى عضويته، وإنه أحرز تقدماً في إنشاء الهياكل السياسية والمالية والأمنية اللازمة لتنفيذ الخطة.
لكن التقرير أقرّ أيضاً بأن إعادة الإعمار لا تزال مرتبطة بالتوصل إلى ترتيبات نهائية بشأن نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي ونقل المسؤوليات الأمنية والإدارية.
وبذلك، فإن تأييد مجلس الأمن للإطار السياسي لا يعني إقراراً أممياً باكتمال تنفيذ أهدافه، ولا يلغي الالتزامات المتعلقة بحماية المدنيين وحقوق الفلسطينيين وتقرير المصير.
هيلاري كلينتون تدعم الخطة رغم خلافها مع ترامب
وفي موقف سياسي لافت، استشهد مجلس السلام بدعم وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون لخطة ترامب، رغم الخلافات السياسية العميقة بينها وبين الرئيس الأميركي.
وكانت كلينتون قد نشرت مقالاً في صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية في 18 يونيو/حزيران الماضي، اعتبرت فيه أن خطة النقاط العشرين، رغم تحفظاتها على بعض جوانبها، تمثل الإطار المتاح الذي يجمع النفوذ السياسي والموارد المحتملة لدفع الأطراف نحو التنفيذ.
ودعت كلينتون الحكومات الأوروبية والقوى الدولية إلى المشاركة في تطوير الخطة بدلاً من الابتعاد عنها، مع إقرارها بوجود اعتراضات تتعلق بآليات الحكم الفلسطيني والتمثيل السياسي وطبيعة الإدارة الدولية المقترحة.
ولا يمثل موقف كلينتون تأييداً غير مشروط لجميع بنود الخطة، بل دعوة إلى التعامل معها باعتبارها فرصة دبلوماسية ينبغي العمل على تحسينها.
إدارة فلسطينية لم تتسلم مهامها داخل غزة
ومن أبرز التحديات التي تواجه مجلس السلام تعثر انتقال إدارة القطاع إلى اللجنة الوطنية الفلسطينية التي أُنشئت للإشراف على الشؤون المدنية والخدمات وإعادة الإعمار.
وبحسب تقرير نشرته «الجزيرة» في 10 أكتوبر، فإن اللجنة، التي يرأسها علي شعث وتضم شخصيات فلسطينية متخصصة، لم تتمكن من دخول قطاع غزة ومباشرة مهامها من داخله، وتواصل عملها من القاهرة.
وأشار التقرير إلى أن تعثر دخول اللجنة يتزامن مع عدم تشكيل القوة الدولية المقترحة على الأرض، واستمرار الخلافات بشأن انسحاب جيش الاحتلال ونزع سلاح الفصائل الفلسطينية.
وكان مجلس السلام قد نشر في 30 يوليو/تموز 2026 خارطة طريق جديدة، تضمنت ترتيبات تدريجية لإدارة غزة وانسحاب القوات الإسرائيلية وإعادة الإعمار، مع التأكيد على توحيد السلطة والقانون والسلاح في القطاع.
ونصت الوثيقة على ضرورة تنفيذ إسرائيل التزاماتها بوقف العمليات العسكرية، واستكمال إجراءات الانسحاب، بالتوازي مع الترتيبات الأمنية الفلسطينية والدولية.
لكن بقاء اللجنة خارج القطاع، وعدم انتشار القوة الدولية، يجعلان الحديث عن إدارة فلسطينية انتقالية مكتملة أمراً سابقاً لأوانه.
استمرار الضحايا الفلسطينيين رغم وقف إطلاق النار
وفي المقابل، تكشف التقارير الميدانية والإنسانية عن استمرار الأوضاع الصعبة في غزة بعد مرور عام على الاتفاق.
فبحسب تقرير لوكالة «رويترز» نُشر في السادس من أكتوبر الجاري، لا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر على نحو ثلثي مساحة قطاع غزة، فيما أسفرت الهجمات الإسرائيلية منذ بدء سريان الاتفاق عن استشهاد أكثر من 1400 فلسطيني، وفق بيانات السلطات الصحية في القطاع.
وأوضح التقرير أن عملية إعادة الإعمار لم تحقق تقدماً جوهرياً، وأن أكثر من مليون فلسطيني ما زالوا يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، رغم تحسن نسبي في دخول المساعدات مقارنة بفترات الحرب السابقة.
وأفادت «أسوشيتد برس» بأن الاتفاق نجح في وقف العمليات العسكرية الكبرى وإتمام تبادل الأسرى، لكنه لم يؤد إلى استقرار دائم، في ظل استمرار الخلافات بشأن الترتيبات الأمنية والإدارة الفلسطينية ومستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي.
كما لا تزال أعداد كبيرة من الفلسطينيين تعيش داخل الخيام ومراكز الإيواء المؤقتة، وسط دمار واسع في المساكن والمرافق الصحية والتعليمية وشبكات المياه والصرف الصحي.
تساؤلات بشأن دور الأونروا في إعادة الإعمار
ويواجه مجلس السلام أيضاً انتقادات بشأن موقفه من وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، في ظل استمرار الحاجة إلى خدماتها في التعليم والصحة والإغاثة.
ونقلت «فوكس نيوز» عن منشور للمجلس على منصة «إكس» موقفاً يستبعد التعاون مع الأونروا، استناداً إلى اتهامات تتعلق بمدى استيفائها المعايير التي يعتمدها المجلس لشركائه.
وهذه الاتهامات تمثل موقف المجلس، ولا ينبغي اعتبارها إثباتاً بحق الوكالة أو العاملين فيها دون نتائج تحقيقات مستقلة.
وتبرز المسألة في ظل الدور الواسع الذي تؤديه الأونروا في تقديم الخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين، وما قد يترتب على استبعادها من تعقيدات إضافية في تنفيذ خطط التعافي وإعادة تشغيل الخدمات العامة.
بين إعلان الإنجازات وتعثر التنفيذ
وبعد عام من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، يبرز اختلاف واضح بين تقييم مجلس السلام لنتائج خطته وبين المؤشرات الميدانية والإنسانية.
فالمجلس يركز على إتمام ملف الأسرى الإسرائيليين، وتأسيس مؤسساته، وحشد التعهدات المالية، والحصول على دعم سياسي دولي، باعتبارها إنجازات تمهد لمرحلة جديدة.
في المقابل، تشير التقارير المستقلة إلى أن الأهداف الأساسية المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل، وإعادة الإعمار، وانتقال الإدارة إلى الفلسطينيين، وتوفير الحماية والاستقرار لسكان القطاع، لم تُنفذ بصورة كاملة.
ويجعل ذلك نجاح الخطة في عامها الثاني مرهوناً بقدرة الأطراف على تحويل التعهدات والوثائق السياسية إلى إجراءات ملموسة، تنهي استمرار العمليات العسكرية وتسمح بعودة الفلسطينيين إلى مناطقهم وإعادة بناء منازلهم ومرافقهم الأساسية.
وبين احتفاء مجلس السلام بالذكرى الأولى لخطة ترامب والواقع الإنساني الصعب في غزة، تبقى إعادة الإعمار الفعلية واستعادة الفلسطينيين حياتهم الطبيعية المعيار الأساسي للحكم على نتائج الاتفاق.
