كتب أنور عطالله .. غزة… محرقة الأوراق النقدية: لمصلحة من؟

بقلم: أنور محمد عطالله - باحث دكتوراه إدارة مخاطر وأزمات – جامعة القاهرة
ماجستير اقتصاد – جامعة الأزهر بغزة


كيف وصلت غزة إلى مرحلة أصبح فيها المواطن يملك المال، لكنه لا يستطيع استخدامه؟ ومن المستفيد من اقتصاد تتآكل فيه قيمة الورقة النقدية، ويضطر صاحبها أحيانًا إلى دفع ثمن إضافي حتى يحولها إلى نقود قابلة للتداول؟

ما يحدث للأوراق النقدية في غزة لم يعد مجرد مشكلة مصرفية أو أزمة سيولة، بل أصبح أزمة تمس تفاصيل الحياة اليومية وتؤثر في حركة الاقتصاد. فالرفض لم يعد مقتصرًا على الأوراق النقدية المهترئة أو التالفة، بل طال جميع فئات النقد، سواء كانت بحالة جيدة أو غير ذلك، حتى أصبح التعامل مع الأوراق النقدية نفسها مصدرًا للقلق وعدم اليقين. ومع اتساع هذه الظاهرة، تتعطل عمليات البيع والشراء، وترتفع تكاليف المعاملات، ويتسع هامش المضاربة والعمولات.

أما المواطن فهو الحلقة الأضعف. فالدفع الإلكتروني ليس بديلًا متاحًا للجميع في ظل عدم توفر الإنترنت بصورة دائمة، والنقص الحاد في الهواتف الذكية، وارتفاع أسعارها، إضافة إلى وجود شريحة كبيرة من كبار السن الذين لا يستطيعون التعامل بسهولة مع التطبيقات الإلكترونية. وهناك سلع وخدمات لا تتجاوز قيمتها بضعة شواكل، فكيف يمكن لمواطن أن يدفع ثمنها إذا أصبحت الفئات النقدية المختلفة مرفوضة، بغض النظر عن حالتها؟

ومن منظور إدارة المخاطر والأزمات، فإن استمرار هذه الحالة يخلق مخاطر نقدية متراكمة؛ تبدأ من صعوبة التداول، وقد تمتد مستقبلًا إلى تغير سلوك المواطنين والتجار تجاه النقد، وزيادة الاعتماد الإجباري على الوسطاء والتحويلات الإلكترونية، وارتفاع كلفة الحصول على السيولة، بما يضيف طبقة جديدة من الضغوط على اقتصاد يعاني أصلًا من اختلالات عميقة.

لكن يبقى السؤال الأهم: لمصلحة من؟

من زاوية المصلحة الإسرائيلية، يمكن النظر إلى تجفيف القطاع من الأوراق النقدية المتداولة من عدة جوانب.

أولًا: إعادة أرقام الأوراق النقدية التي فقدت أو خرجت من الدورة الاقتصادية، بما يعيد السيطرة على جزء من النقد المتداول.

ثانيًا: تعزيز القدرة على الرقابة على حركة الأموال والتحويلات، سواء عبر التطبيقات الإلكترونية أو من خلال النظام المصرفي.

ثالثًا: فرض نوع من الحصار النقدي على غزة، وتجفيف السيولة المتاحة، بما يزيد من صعوبة الحركة الاقتصادية ويضيّق الخناق على المواطنين والتجار.

وقد لا تظهر آثار هذه الإجراءات دفعة واحدة، لكنها في إدارة الأزمات تُقاس أيضًا بتراكم آثارها مع الزمن؛ فكلما طال نقص السيولة واستمر رفض الأوراق النقدية، أصبحت العودة إلى دورة نقدية طبيعية أكثر صعوبة، وازدادت المخاطر على التعاملات اليومية وعلى النشاط الاقتصادي مستقبلًا.

الحل يبدأ بالضغط من جانب سلطة النقد الفلسطينية والجهات الدولية من أجل استبدال الأوراق النقدية المتداولة بأوراق جديدة وسليمة، وضمان توفير جميع الفئات النقدية، خصوصًا الصغيرة منها، بما يعيد للنقد وظيفته الأساسية كوسيلة للدفع والتبادل.

كما أن مسؤولية القوة القائمة بالاحتلال تفرض عليها، وفق قواعد القانون الدولي، التزامات تجاه السكان المدنيين والظروف الاقتصادية في الأراضي المحتلة.

وفي الوقت نفسه، فإن المسؤولية لا تقع على المؤسسات الرسمية وحدها؛ فعلى جميع التجار ومنافذ البيع في غزة أن يراعوا ظروف أبناء شعبهم، وألا يتحول رفض الأوراق النقدية إلى عبء إضافي على المواطن. فهذه الظروف الاستثنائية تتطلب من الجميع أن ينحازوا إلى أبناء شعبهم، وأن يساهموا في تخفيف الأزمة لا في تعميقها.