بقلم: حيدر العيلة
الخلاصة
الانتخابات الإسرائيلية ليست صراعاً بين اليمين واليسار، بل تمثل انقساماً داخل المعسكر الصهيوني بين اليمين الديني‑القومي المتشدد بقيادة نتنياهو واليمين العلماني‑الوسطي الذي يسعى لإسقاطه. يسعى نتنياهو لتوحيد القوائم الصغيرة وضمان عتبة 61 مقعداً، بينما يقود غادي إيزنكوت تحالفاً واسعاً غير أيديولوجي يهدف إلى تغيير القيادة دون الخروج من الإطار الصهيوني. ...
ملخص بالذكاء الاصطناعي. تحقق من الخبر في النص الأصلي.
من يقرأ الانتخابات الإسرائيلية المقبلة باعتبارها معركة بين اليمين واليسار، يخطيء فما يسمى باليسار الإسرائيلي، بالمعنى السياسي التقليدي، لم يعد منذ زمن قوة انتخابية منافسة، وما يجري فعلياً هو صراع داخل المعسكر الصهيوني نفسه: يمين ديني وقومي متشدد يقوده نتنياهو وحلفاؤه، ويمين علماني أو وسطي يحاول إعادة تشكيل الخريطة السياسية من بوابة إسقاط نتنياهو.
نتنياهو، الذي أتقن على مدى سنوات هندسة معسكر اليمين الإسرائيلي، يدرك أن الخطر الحقيقي عليه لا يأتي فقط من خسارة الليكود، وإنما من تفكك معسكر اليمين. فالنظام الانتخابي الإسرائيلي يحدد نسبة الحسم النصف + واحد (3.25%) أي 61 مقعد وفي حال عدم وصول أي حزب يميني لنسبة الحسم قد يحرم كتلة نتنياهو من المقاعد التي تحتاجها للوصول إلى عتبة الـ61 مقعد وتشكيل الحكومة. ولهذا يخوض نتنياهو في الأسابيع الأخيرة معركة لتوحيد القوائم الصغيرة ومنع تشتت أصوات اليمين.
وهنا تكمن مفارقة الانتخابات: معسكر نتنياهو أكثر وضوحاً من خصومه من حيث الهوية الأيديولوجية، لكنه أكثر هشاشة من حيث الحسابات الانتخابية. فهو يجمع اليمين القومي والديني والمتشدد، وبين أطرافه خلافات حقيقية حول التجنيد، والدين والدولة، وشكل الحكم، وحتى مستقبل نتنياهو نفسه.
أما المعسكر المقابل، الذي انتقلت رايته إلى غادي إيزنكوت، بعد تراجع وزن بينت ولابيد، فهو ليس معسكراً أيديولوجياً متجانساً، بقدر ما هو تحالف واسع تتقاطع أطرافه عند هدف إسقاط نتنياهو.
ويحاول آيزنكوت مخاطبة الوسط واليمين العلماني والناخبين الذين يريدون تغيير نتنياهو من دون مغادرة المعسكر الصهيوني اليميني في قضايا الأمن والموقف من الحل السياسي، بل إن إيزنكوت نفسه لا يطرح قيام دولة فلسطينية في المدى المنظور.
وهذا هو جوهر المشهد الإسرائيلي: فالناخب الذي يذهب إلى صندوق الاقتراع لا يختار بين مشروعين متناقضين حول القضية الفلسطينية بقدر ما يختار بين طرق مختلفة لإدارة إسرائيل بعد السابع من أكتوبر.
نتنياهو يقول للناخب الإسرائيلي: الأمن يحتاج إلى اليمين القوي، ولا مكان للتنازلات. وإيزنكوت يقول، بصورة مختلفة: المشكلة ليست في قوة إسرائيل العسكرية، وإنما في القيادة التي أدارتها وأخفقت في منع السابع من أكتوبر، ولذلك يجب تغيير القيادة وإعادة بناء الثقة ومؤسسات الدولة. ومن هنا أصبحت قضية المسؤولية عن إخفاق السابع من أكتوبر ورقة انتخابية مركزية في مواجهة نتنياهو.
لكن معسكر إيزنكوت يحمل تناقضه الخاص. فهو ليس حزباً متجانساً، وإنما ائتلاف مصالح انتخابية واسعة يضم قوى وشخصيات لا يجمعها بالضرورة مشروع سياسي واحد بقدر ما يجمعها هدف تغيير نتنياهو. وقد بدأت بعض أحزاب المعارضة بالفعل في تنسيق فائض الأصوات لتعظيم عدد المقاعد التي يمكن أن يحصل عليها المعسكر.
وهنا تظهر العقدة العربية.
إذا عجز أي من المعسكرين اليهوديين عن الوصول إلى 61 مقعداً، فقد يصبح النواب العرب عاملاً حاسماً في تشكيل الحكومة أو دعمها من الخارج. وهذه ليست مسألة هامشية؛ فارتفاع نسبة التصويت العربي يمكن أن يغير توزيع المقاعد، خصوصا أن نسبة التصويت العربي كانت في الانتخابات السابقة أقل بكثير من المتوسط العام.
لكن المفارقة السياسية أن قوى إسرائيلية تطلب من المواطنين العرب إنقاذ الديمقراطية من حكومة نتنياهو، بينما لا تزال أجزاء واسعة من المعسكر الصهيوني ترفض الاعتراف بالعرب كشريك طبيعي في الحكم. بل إن بينيت، الذي يقود تحالفاً انتخابياً منافساً لنتنياهو، أعلن بوضوح أنه يريد حكومة تعتمد على الأحزاب الصهيونية فقط، رغم أن حكومته السابقة قامت عام 2021 بمشاركة حزب عربي.
لذلك، إذا احتاج معسكر إيزنكوت إلى الأصوات العربية لتشكيل الحكومة، فقد يكون أمام انتصار انتخابي بطعم الهزيمة السياسية: يسقط نتنياهو، لكن العرب (كتلة عباس منصور) يصبحون مرة أخرى أصواتا مطلوبة في صندوق الاقتراع، لا شركاء متساوين في تعريف شكل الدولة وسياساتها.
أما بالنسبة للفلسطينيين، فالأهم ألا يقعوا في وهم أن سقوط نتنياهو يعني سقوط اليمين الإسرائيلي أو ولادة يسار إسرائيلي جديد. المشكلة الفلسطينية أعمق من اسم رئيس الحكومة الإسرائيلية.
قد يسقط نتنياهو، وقد يصعد إيزنكوت، وقد يعود بينيت، وقد تتشكل حكومة جديدة بأسماء مختلفة؛ لكن الاتجاه العام للمجتمع الإسرائيلي ظل، خصوصاً بعد السابع من أكتوبر، بعيداً جداً عن أية حلول تعترف بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة عاصمتها القدس .
ولهذا فإن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ليست، في جوهرها، انتخابات بين يمين ويسار، وإنما انتخابات بين يمين يريد مواصلة الطريق نفسه بقيادة نتنياهو، ويمين آخر يريد تغيير السائق مع إبقاء السيارة على الطريق ذاته، مع اختلافات في السرعة وطريقة القيادة.
وهنا تحديداً تكمن أهمية الانتخابات بالنسبة للفلسطينيين: لا ينبغي انتظار معجزة إسرائيلية من صندوق الاقتراع؛ فالمشكلة الفلسطينية أعمق من اسم رئيس الحكومة الإسرائيلية، والتغيير الحقيقي لن يقاس فقط بمن يسكن مكتب رئيس الوزراء، وإنما بما إذا كان المجتمع الإسرائيلي نفسه مستعداً لمراجعة المسار الذي أوصله إلى ما بعد السابع من أكتوبر.
فقد يتغير السائق، وقد تتغير طريقة القيادة، لكن السؤال الذي يبقى مطروحاً أمام الفلسطينيين هو: هل ستتغير الوجهة؟
وهذا ما ينبغي أن يدركه الفلسطينيون جيداً. فلا نتنياهو هو المشكلة كلها، ولا إزاحته هي الحل. فحتى خصومه الذين يرفعون شعار التغيير يتحركون داخل منظومة سياسية ومجتمعية أصبحت أكثر يمينية وأشد تشدداً تجاه الفلسطينيين.
