لا يكاد يمر أسبوع أو أقل حتى تتداول المواقع الإخبارية أخبارًا عن وقوع إصابات أو شهداء في مخيم حلاوة شرق جباليا، شمالي قطاع غزة، جراء إطلاق النار من المناطق التي تسيطر عليها قوات الاحتلال خلف ما يُعرف بـ"الخط الأصفر".
ويعيش آلاف النازحين في المخيم تحت تهديد إطلاق نار متقطع وغير متوقع، يضطرهم عند حدوثه إلى الانبطاح أرضًا، في ظل غياب أماكن آمنة أو سواتر ترابية تحميهم من الرصاص.
مخيم حلاوة شهد خلال الأشهر الماضية استشهاد 17 فلسطينيًا وإصابة 65 آخرين من مختلف الأعمار.. ودعوات لإقامة سواتر ترابية مرتفعة حول المخيم لصدّ رصاصات الاحتلال.
ويقع مخيم حلاوة شرق معسكر جباليا، شمالي قطاع غزة، على بعد نحو 350 مترًا من الخط الأصفر، وتحيط به ثلاثة مواقع عسكرية مستحدثة تقع أعلى تلال رملية أنشأها جيش الاحتلال خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة.
خوف مستمر
يقول محمد البرش (37 عامًا)، وهو مصور صحفي ونازح في المخيم، إن إطلاق النار يتكرر بشكل شبه يومي، ويصل إلى الخيام التي يعيش فيها السكان النازحون، ما أدى إلى سقوط شهداء وإصابات خلال الفترة الماضية.
ويقول البرش، لـ"الترا فلسطين"، إن الأطفال والنساء وكبار السن يعيشون حالة خوف مستمرة بسبب إطلاق النار والقصف القريب من المخيم، مشيرًا إلى أن تكرار هذه الحوادث ترك آثارًا نفسية على المواطنين النازحين، خصوصًا الأطفال والنساء.
ويشير إلى أن بعض العائلات حاولت حماية خيامها باستخدام ألواح الزينكو والصفيح المهترئة، ووضعها في محيط الخيام، لكنها لا توفر حماية كافية، خاصة أن الرصاص الذي يطلقه جيش الاحتلال من أماكن مرتفعة قوي، ويخترق ألواح الصفيح بسهولة.
ويضيف البرش أن هاجس الخوف دفع أحد أطفاله إلى الانتقال للعيش في منزل خالته في حي الشيخ رضوان، بسبب الخوف من إطلاق النار، بعد مشاهدته لحظة إصابة صديقه في المخيم.
ويستعيد البرش واقعة وثقها بنفسه داخل المخيم، حين أصيب طفل (13 عامًا) برصاص الاحتلال العشوائي، ويقول: "في البداية كان هناك صوت إطلاق نار، ثم سمعنا صراخ سيدة داخل إحدى الخيام، وعندما توجهنا إلى مصدر الصوت، وجدنا الطفل غارقًا في دمائه، وهو في حضن أمه التي أصيبت بالصدمة".
ويضيف البرش: "لا تزال الأم تعاني من صدمة شديدة رغم مرور عدة أشهر على الحادثة، وما زلت أشاهدها وهي في حالة ذهول وصدمة، وتتحدث مع نفسها خلال سيرها في أزقة المخيم".
"لا خيارات"
أما سميح أبو وردة (47 عامًا) فيقول إن إطلاق النار لا يقتصر على ساعات معينة، وقد يقع في أي لحظة من الليل أو النهار، وإن السكان يضطرون عند بدء إطلاق النار إلى البقاء داخل خيامهم والانبطاح أرضًا لحماية أنفسهم وأطفالهم، قبل أن يعودوا إلى الحركة بعد توقفه.
ويقول أبو وردة، لـ"الترا فلسطين"، إن سكان المخيم لا يملكون خيارًا للانتقال إلى مكان آخر، في ظل اكتظاظ المناطق الأخرى بالنازحين، مضيفًا أن شدة إطلاق النار دفعته في إحدى المرات إلى التفكير في مغادرة المخيم، لكنه لم يجد مكانًا بديلًا مناسبًا، كما أنه لا يملك القدرة المالية على ذلك.
"فقدت طفلًا وأخشى على الآخرين"
بالنسبة إلى أحمد حلاوة (38 عامًا) فإن إطلاق النار أصبح خطرًا محتمًا يهدد عائلته، بعدما فقد ابنه آدم، البالغ من العمر 11 عامًا، إثر إصابته برصاصة داخل المخيم.
ويقول أحمد، الذي يعاني من مرض القلب، لـ"الترا فلسطين"، بينما لا يتمالك دموعه، إن آدم كان يساعد أسرته في جلب المياه وتوفير بعض احتياجاتها من خلال العمل في جمع البلاستيك وبيعه، وكانت العائلة تستعد للاحتفال بعيد ميلاده والخروج إلى البحر، قبل أن يصاب برصاصة طائشة وهو داخل الخيمة.
وعن يوم استشهاده، يقول أحمد إن نجله آدم عاد من عمله في جمع قطع البلاستيك، وكانت الساعة قرابة الحادية عشرة صباحًا، وقدم له 15 شيكلًا ثمن البلاستيك، ثم توجه إلى داخل الخيمة لجلب جالونات المياه، إلا أن رصاصة إسرائيلية استقرت في رأسه.
ويبدي أحمد خوفًا وقلقًا شديدًا على طفليه الاثنين من الإصابة برصاص الاحتلال، مشيرًا إلى أنه لا يملك خيارًا آخر سوى البقاء في المخيم، لعدم توفر مكان بديل يمكنه الانتقال إليه.
أكبر تجمع بالشمال
يقول مصعب النجار، عضو مجلس إدارة ومندوب في مخيم حلاوة، إن المخيم يضم نحو 3 آلاف عائلة، أي قرابة 12 ألف شخص، ويمتد على مساحة تقارب 160 دونمًا، ويبعد نحو 350 مترًا عن الخط الأصفر.
ويضيف النجار، في حديث لـ"الترا فلسطين"، أن إطلاق النار يتكرر بشكل شبه يومي ومن دون وقت محدد، وأن السكان يضطرون عند بدء إطلاق النار إلى البقاء داخل الخيام والانبطاح أرضًا، ثم استئناف حياتهم بعد توقفه.
وبحسب النجار، فإن مخيم حلاوة يُعد من أكبر تجمعات النازحين في شمال قطاع غزة، وقد أُقيم في هذه المنطقة لعدم وجود مساحة واسعة أخرى قادرة على استيعاب هذا العدد من النازحين، خصوصًا أن المنطقة كانت أقل تعرضًا للركام مقارنة بمناطق شمال القطاع.
ويشير إلى أن إقامة سواتر ترابية مرتفعة حول المخيم تحتاج إلى تكلفة كبيرة، بسبب ارتفاع المكان الذي أُقيمت عليه المواقع الإسرائيلية المحيطة بالمخيم، داعيًا المؤسسات الداعمة إلى المساعدة في تنفيذها.
ويقول النجار إن المخيم شهد خلال الأشهر الماضية، وفق ما وثقته إدارته، ارتقاء 17 شهيدًا وإصابة 65 شخصًا آخرين من مختلف الأعمار.
ويقول النجار إن سكان مخيم حلاوة يعانون من نقص كبير في الخدمات، خصوصًا الصحية منها، موضحًا أن هناك نقطتين طبيتين فقط تخدمان المخيم والمناطق المحيطة به.
ويضيف أن إحدى النقطتين تقدم خدمات الرعاية الأولية وتغلق أبوابها عند الساعة الثانية ظهرًا، بينما تعمل نقطة تابعة لوزارة الصحة على مدار الساعة، إلا أن توفر الأدوية فيها يقتصر في الغالب على بداية كل شهر.
ويشير النجار إلى أن المخيم كان يواجه سابقًا مشكلة في نقل المصابين، إذ كانوا يضطرون إلى الانتظار أو نقلهم بسيارات خاصة، وقد فقد عدد منهم حياته نتيجة لذلك، قبل توفير سيارة إسعاف للحالات الطارئة تنقل المصابين إلى مستشفى المعمداني، الذي يبعد نحو أربعة كيلومترات عن المخيم.
ويضيف أن الوضع الاقتصادي لسكان المخيم صعب جدًا، ويعتمدون في طعامهم بصورة أساسية على "التكية"، إذ فقد كثير منهم مصادر رزقهم وأراضيهم الزراعية، فيما يعانون من اهتراء خيامهم مع قرب قدوم فصل الشتاء.
وبينما يستمر إطلاق النار من دون وقت محدد، يبقى سكان مخيم حلاوة أمام واقع لا يملكون تغييره؛ خيامهم لا توفر أدنى حماية، والانتقال إلى مكان آخر ليس خيارًا متاحًا لمعظمهم، فيما يتحول صوت الرصاص في كل مرة إلى إنذار جديد يجبرهم على الانبطاح أرضًا وانتظار أن ينتهي.
المصدر: الترا فلسطين
