أنور محمد عطالله - باحث دكتوراه إدارة مخاطر وأزمات – جامعة القاهرة
ماجستير اقتصاد – جامعة الأزهر بغزة
مع استمرار الحرب في قطاع غزة لقرابة ثلاث سنوات، لم تتوقف الخسائر عند حدود الأرواح والمساكن والمنشآت الاقتصادية، بل امتدت إلى أحد أهم مقومات المجتمع ومستقبله: التعليم.
فالمدارس والجامعات تعرضت لأضرار واسعة، وتوقفت العملية التعليمية بصورتها الطبيعية لفترات طويلة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على جودة التعليم، وعلى قدرة الطلبة، وخاصة طلبة الجامعات، على مواصلة دراستهم والانتقال إلى مراحلهم التعليمية التالية. وتشير تقديرات اليونسكو إلى أن عشرات الآلاف من طلبة التعليم العالي في غزة اضطروا إلى تعليق دراستهم، فيما تعرضت غالبية الحُرُم الجامعية للدمار أو الأضرار.
لكن الخطر الأكبر لا يتمثل فقط في توقف الدراسة، وإنما في احتمال فقدان جيل كامل فرصته في التعليم.
فمع استمرار الحرب وارتفاع معدلات البطالة وتراجع دخل الأسر، أصبحت قدرة كثير من العائلات على دفع الرسوم الجامعية محدودة للغاية، وربما معدومة لدى بعضها. وهنا يجد الطالب نفسه أمام معادلة صعبة: إما أن يواصل دراسته في ظل ظروف اقتصادية قاسية، أو يضطر إلى التوقف عنها بسبب عدم قدرة أسرته على تحمل تكاليف التعليم.
وفي المقابل، تواجه الجامعات نفسها أزمة مالية، فهي بحاجة إلى موارد تمكنها من دفع رواتب الأساتذة والعاملين والاستمرار في تقديم خدماتها التعليمية. لذلك، فإن إعفاء الطلبة من الرسوم يحتاج إلى مصدر تمويل بديل يحافظ على قدرة الجامعات على الاستمرار.
من هنا، فإن دعم التعليم في غزة يجب أن يتحول من استجابة مؤقتة إلى خطة عاجلة ومستدامة لإدارة الأزمة التعليمية.
والحل المقترح يتمثل في إنشاء صندوق لدعم التعليم العالي في غزة، بمساهمة الدول المانحة والمؤسسات الدولية والجهات الداعمة، تكون مهمته الأساسية توفير التمويل اللازم لاستمرار العملية التعليمية، من خلال مسارين متوازيين:
أولًا: دعم الطلبة، عبر دفع الرسوم الجامعية عن الطلبة غير القادرين، أو إعفائهم منها، أو تخفيضها إلى مستويات يمكن للأسر تحملها، مع إعطاء الأولوية للأسر الأكثر تضررًا والأشد فقرًا.
ثانيًا: دعم الجامعات، من خلال توفير مساهمات مالية مباشرة تساعدها على دفع رواتب الأساتذة والعاملين، واستمرار تقديم الخدمات التعليمية، وتوفير المستلزمات التقنية والتعليمية الضرورية.
ولا ينبغي أن يتوقف هذا الدعم عند الرسوم الجامعية فقط، بل يجب أن يشمل الأجهزة الإلكترونية، والإنترنت، والمواد التعليمية، والمساحات التعليمية المؤقتة، والتعليم الإلكتروني، والدعم النفسي للطلبة.
لذلك، فإننا نطالب وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الفلسطينية، ومنظمة اليونسكو، والدول المانحة والمؤسسات الدولية بالعمل العاجل على وضع آلية تمويل واضحة ومستدامة للتعليم العالي في غزة، وإنشاء صندوق خاص لدعم الطلبة والجامعات، بما يضمن عدم حرمان أي طالب من حقه في التعليم بسبب ظروف الحرب أو الفقر.
إن إنقاذ التعليم اليوم ليس مجرد مساعدة للطالب، بل هو حماية لمستقبل غزة، وحفظ لرأس مالها البشري، واستثمار في قدرتها على تجاوز الأزمة وإعادة بناء مجتمعها واقتصادها.
