حنظلة يعود إلى الحائط ... حنظلة حارس الدم ومقرّع المتخاذلين... ماذا لو كان بيننا اليوم؟

حنظلة يعود إلى الحائط

حنظلة حارس الدم ومقرّع المتخاذلين... ماذا لو كان بيننا اليوم؟

قراءة استشرافية في ذكرى اغتيال ناجي العلي:

بقلم الدكتور: خالد الفقيه

أي قراءة استشرافية واستقرائية لفن ناجي العلي، ومسيرة ناجي العلي وشهادته في ذكرى نجاته من عار المرحله وعليائه إلى السماء قد تكون من محاولات الجمع بين فنون وعلوم وآراء تجتمع وتتلاقى في نقاط بيضاء أو سوداء ولكنها أيضاً تدخل الحيز الرمادي في معالم أخرى ومحطات زمكانية. وكل هذا التباين يدور في كادر لوحاته الكاريكاتيرية وإطاراتها والوانها وشخوصها التي حركها فيها كمخرج سينمائي راداري راصد دون خوف أو محاباة.

في رسوماته دوماً يحضر ضميره المتيقظ على الدوام حنظلة. حنظلة ذلك الطفل الشوكي المشيح برأسه عن الجمهور إلا في حالات معدودة والذي قال عنه الشهيد ناجي العلي أنه يلكزه كلما حاد عن الصواب، وتحضر صور الفقاميز المتهالكة والرجال الطيبين والفدائيين ورجال النظام السياسي من مخابرات ورأس دولة في تجسيد القمع والإرتهان للعدو والغرب، ويطل العدو نفسه برأس أنفه الحاد في بعض لوحاته، وتحضر فاطمة وخديجة والعمة حنيفة وساندريلا وبيروت وفلسطين، ويحضر المسيح المقاوم وغيرهم من الشخوص ولكل منهم دور ودلالة. ولم يغب الموروث الثقافي والفلكلوري ولا القضايا القومية والعالمية في مسيرة قصيرة زمنياً حبلى بما جادت به ريشته والتي خطت أربعين ألف لوحة بعضها حتى اليوم حبيس الأدراج.

 في الثاني والعشرين من تموز عام 1987، وقف مسلّحون مجهولون أمام مكتب جريدة القبس في لندن حيث كان ناجي في طريقه لمكتبه فيها، وأطلقوا الرصاص على رأسه النحيل، استهدفوا رجلاً يحمل قلماً لا مسدساً. لم يمت ناجي العلي في تلك اللحظة، بل ظل بين الحياة والموت خمسة أسابيع قبل أن تُسلمه غيبوبته إلى الرحيل نهائياً في التاسع والعشرين من آب عام 1987، أما القلم، فلم يمت أبداً. حنظلة، الطفل ذو العشر سنوات الذي يدير ظهره للعالم ويكتفي بالمراقبة، ما زال يقف حافي القدمين على الجدران والصفحات وشاشات الهواتف، شاهداً على وطن يتشظى أكثر مما كان يتخيله راسمه حتى في أحلك رسوماته.

ناجي اغتيل مرتين لا مرة واحدة: الأولى برصاص لندن، والثانية حين استهدف مجهولون نصباً تذكارياً أُقيم لتخليد ذكراه على مدخل مخيم عين الحلوة في لبنان، فأطلقوا النار على عينه ودمّروا يده قبل أن يختفي النصب بالكامل من مكانه. حتى الحجر الذي نُحت ليذكّر الناس به كان مزعجاً لأحد ما. أما الاغتيال الثالث، المؤجل والفاشل، فهو الذي يحاوله النسيان كل عام — ويفشل، لأن حنظلة ورسوماته الأخرى بقيت من بعده وما زالت تُنشر حتى اليوم رغم رحيله المفجع.

كل عام، حين تعود هذه الذكرى، يتكرر السؤال نفسه بصيغ مختلفة: ماذا لو كان ناجي العلي حياً اليوم؟ ماذا كان سيرسم وهو يرى غزة تُمحى حياً حياً وبيتاً بيتاً، والضفة تتقطع حاجزاً بعد حاجز وتسرق أراضيها، وفلسطين يستكمل إبتلاعها، ولبنان الذي عاش فيه سنوات طفولته اللاجئة يُقصف من جديد؟ وماذا كان سيقول عن إقليم بأكمله يعاد رسمه بالنار، من العراق إلى سوريا وليبيا والسودان واليمن، بينما تتبدّل خرائط النفوذ وتبقى الشعوب هي الثمن؟

في الرسالة التي أعددتها لنيل درجة الماجستير في التخطيط والتنمية السياسية من جامعة النجاح الوطنية في نابلس عام 2008، تحت عنوان( التنمية السياسية المترتبة على حركة الوعي في كاريكاتير الفنان ناجي العلي)، حاولت تناول هذا الربط الاستشرافي لأرصد بدقة الخيوط الفكرية التي حكمت ريشة ناجي على مدى عقدين: موقفه من الأنظمة العربية، من التطبيع، من أمريكا والغرب، من النفط، ومن فكرة الوحدة القومية التي اعتبرها همّه الأساس. هذه الخيوط، الموثقة بالأرشيف لا بالتخمين، هي ما يسمح اليوم بمحاولة استشراف موقف ناجي وحنظلته من عالم لم يعشه صاحبه.

من الشجرة إلى عين الحلوة: الطفولة التي سبقت حنظلة

لا يمكن فهم حنظلة دون فهم الطفل الذي كانه ناجي نفسه. وُلد ناجي سليم حسين العلي في قرية الشجرة بالجليل الأعلى قرب الناصرة عام 1936، وأُخرج منها مع أهله عام 1948 وهو صبي صغير— العمر نفسه الذي سيمنحه بعد عقدين لشخصيته الأشهر حنظلة. كان يقول إنه رغم صغر سنه يتذكر قريته جيداً: ليس البيوت والأشجار فقط، بل الأعشاب والحصى، وملامح المدافعين عنها.

في مخيم عين الحلوة قرب صيدا، قسم الأب خيمة العائلة الوحيدة نصفين: نصف لسكنى الأسرة، ونصف حوّله إلى دكان صغير تقتات منه العائلة. عمل ناجي طفلاً في قطف الحمضيات أجيراً بعد أن كان أهله ملاكين للأرض، ثم تعلم الميكانيكا في مدرسة للرهبان البيض في طرابلس، وافتتح ورشة لتصليح السيارات داخل خيمة في حرش مخيم شاتيلا. وبعد إصابة عمل ألمّت به، سافر إلى السعودية عام 1957، وعاد بعد عامين ليلتحق بحركة القوميين العرب متبنياً شعارها "وحدة، تحرر، ثأر"، وليُبعد عن صفوفها أربع مرات في عام واحد بسبب عدم انضباطه الحزبي— سيرة مبكرة لرجل لم يكن يحتمل أن يُملى عليه موقف.

في السجون والثكنات اللبنانية التي اعتقل فيها أكثر من مرة، حوّل ناجي جدران الزنازين إلى لوحات، وهناك اكتشف أنه يستطيع أن يسخر من جلاده من خلال رسمه على نحو يثير حنقه. وفي عام 1961 التقط الأديب غسان كنفاني رسوماته من جدران المخيم وأعاد نشرها في مجلة الحرية لسان حركة القوميين العرب، فكانت تلك أول إطلالة له على سلم الإعلام المكتوب. أما معلمه في المخيم، أبو ماهر اليماني، فقد ترك فيه وصية ظلت بوصلته العمر كله: "ارسم... لكن دائماً لفلسطين". وجاء في توصيفه لتلك المحطة من حياته: ( الدجاجة لها بيت –بيت الدجاجة إسمه القن- الأرنب له بيت – بيتت الأرنب اسمه الجحر الحصان له بيت – بيت الحصان إسمه الأسطبل.. الكتائب الـذين ذبحـوا.. أطفالنا في المخيمات لهم بيت. إسمه بيت الكتائب.. أمريكا التي تساعد الإسرائيلي لهـا بيـت.. إسمه البيت الأبيض- الفلسطيني يسكن في المخيمات وما عنده بيت..بيت الفلسطيني إسمه بيـت المقدس..كيف يعود الفلسطيني إلى بيته.. بالوعي و...).

ولذلك لم تكن مصادفة أن تكون أولى رسوماته المنشورة خيمة على شكل هرم، في قمتها بركان ترتفع منه يد مصممة على التحرير.

 وفي الكويت، حيث انتقل عام 1963 للعمل في مجلة الطليعة ثم في جريدة السياسة اليومية حتى عام 1974 — مشترطاً ألا يتدخل أحد في عمله — كانت أولى رسوماته هناك لصاً يدخل بلدية الكويت ويخرج صائحاً: سرقوني. منذ البداية، كان واضحاً أن هذا القلم لن يجامل أحداً: لا سلطة، ولا ثروة، ولا حتى البلد الذي يستضيفه.

حنظلة بالكوفية رافعاً قبضته.

حنظلة: وُلد في الكويت كي لا يتوه صاحبه

ظهر حنظلة للمرة الأولى في الكويت عام 1969، والاسم مشتق من نبات الحنظل الذي ينبت في فلسطين: شديد المرارة، محاط بالأشواك. لم يخشَ ناجي أن يتنكر الناس لشخصية تحمل اسماً مراً، فهو منهم ومثلهم: فقير، حافي القدمين. وقد شرح ناجي بنفسه لماذا احتاج إلى هذا الطفل، في شهادة تنقلها الرسالة:

"حملت بحنظلة في الكويت وولدته هناك، خفت أن أتوه، أن تجرفني الأمواج بعيداً عن فلسطين، أن تهزمني السيارات والثلاجات والمكيفات. ولد حنظلة أيقونة تحفظ لي روحي وتحفظني من الانزلاق. حنظلة شاهد وشاهد: شاف كل حاجة".

في البدايات، لم يكن حنظلة يدير ظهره للناس ولا يعقد يديه خلف ظهره. جاءت الإدارة والتكتيف بعد حرب رمضان 1973، احتجاجاً على نتائجها التي فتحت الطريق أمام التسوية السياسية التي سلكها السادات — أي قبل كامب ديفيد نفسها. وبقي حنظلة في العاشرة من عمره منذ ظهوره الأول حتى آخر نتاج لناجي قبل استشهاده، لأن صاحبه لم يرد أن تأخذ الأيام حنظلته كما تفعل بالبشر: "الولد الذي أرسمه هو الضمير الذي لا يملك استعداد للمساومة، فهو لن يخسر شيئاً لأنه فقير، كادح ومسحوق، ويمتلك القدرة على التحدي والتصدي أمام جميع قوى القمع".

وحين سئل ناجي عن موعد رؤية وجه حنظلة أخيراً، أجاب بما يشبه العهد: "عندما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته". وأسند إلى طفله مهام التحريض والرقابة والتفاعل والمشاركة والتخفيف من آلام الفقراء والثكالى؛ فطاف به الدنيا يقاتل إلى جانب المظلومين ويحتفل بانتصارات المقهورين، ودخل به الزنازين ليشد من أزر معتقلي الموقف والرأي، ورفض به التصفية الجسدية بكواتم الصوت — الكواتم نفسها التي ذهب ناجي ضحيتها بعد سنوات. وكان ناجي يعرف أن هذا الطفل سيبقى بعده، بل قالها صراحة:

"أريده مناضلاً ورافضاً لكل ما يجري على الساحة من مؤامرات وخذلان... هذا المخلوق الذي ابتدعته، لن ينتهي من بعدي بالتأكيد، ربما لا أبالغ إذا قلت أنني استمر به بعد موتي".

لم تكن مبالغة. فالطفل الذي رسمه ليحفظه من التيه في منافي الخليج، صار بعد رحيله أيقونة تتدلى من علاقات المفاتيح، ووشماً على السواعد، وشعاراً انتخابياً، ولافتة في تظاهرات لا تعرف حدودها الجغرافية.

قلم لا يجامل أحداً

لم يكن ناجي العلي رساماً هجومياً على جهة واحدة. هذه نقطة يتفق عليها كل من درس أعماله عن قرب، فمسلكيات منظمة التحرير الفلسطينية كما رآها ناجي، وموقفه من تقارب المنظمة مع أمريكا، ومن سلوك القيادات والمجلس الوطني والفصائل والنقابات والاتحادات، جاءت بالقدر نفسه الذي وثّق فيه موقفه من الاحتلال ومستوطناته وجداره وأسراه. اعتُقل، وطُرد من أكثر من بلد عربي، وعاش أغلب حياته لاجئاً بين لبنان والكويت ولندن، لأن رسمته الواحدة كانت تكفي لإغضاب أكثر من عاصمة في آن واحد.

كان لدى ناجي خط أحمر واحد معلن، صاغه بنفسه في عبارة باتت أشهر ما قال: "كلما ذكروا لي الخطوط الحمراء طار صوابي... أنا أعرف خطاً أحمراً وحداً... أنه ليس من حق أكبر رأس أن يوقع وثيقة استسلام وتنازل لإسرائيل... هكذا أفهم الصراع: أن نصلب قاماتنا كالرماح، ولا نتعب".

 

هذا الطابع بالذات هو ما يجعل التكهن بموقفه اليوم أمراً حسّاساً؛ فحنظلة لم يكن يوماً بوقاً لطرف بعينه، بل مرآة قاسية توضع أمام الجميع دون استثناء. ومع ذلك، فإن من يقرأ أرشيفه الكامل — آلاف الرسومات المنشورة على مدى عقدين — يجد خيطاً واضحاً لا يحتاج إلى تخمين كبير: رفض قاطع لتفتيت الجغرافيا العربية، وسخرية لاذعة من كل اتفاق يُقدَّم للناس على أنه سلام بينما يترجم على الأرض إلى مزيد من الاحتلال والتوطين، وتعاطف صريح لا يتزحزح مع من يُقصفون في بيوتهم، أياً كانت جنسيتهم أو طائفتهم.

وفي قلب هذا الخيط كله كانت كلمة واحدة هي مفتاح مشروعه كله: الوعي. أعطى ناجي الوعي أولوية كبرى في عملية التحرير والعودة، واعتبره عمود التنمية السياسية لبناء جيل العودة فرسوماته لم تكن تعليقاً على الحدث، بل أداة لخلق وعي يتراكم ويتحول فعلاً على الأرض.

الوحدة الغائبة: من بغداد إلى دمشق وطرابلس والخرطوم و...

خصّص ناجي العلي مساحة واسعة من كاريكاتيره لفكرتين متلازمتين: الوحدة القومية العربية كانت همّه الأساس، والديمقراطية المغيبة داخل الأنظمة العربية هي الثغرة التي تُستدرج منها هذه الأمة إلى الانكسار المتكرر. يصعب تخيّل أن رساماً عاش أزمة تشظي المخيمات الفلسطينية في لبنان، ورسم مجازر صبرا وشاتيلا بخط يده، كان سيمر مرور الكرام على ما جرى لبغداد بعد 2003، أو لسوريا وليبيا بعد 2011، أو للسودان في السنوات الأخيرة. واليمن وغزة والضفة وعموم فلسطين، والأرجح أنه كان سيرى في تفكك هذه الدول استمراراً لمشروع واحد طويل الأمد: إبقاء المنطقة مقسّمة وضعيفة ومشغولة بحروبها الداخلية عن قضيتها المركزية، بمساعدة أنظمة لم تمنح شعوبها يوماً هامش القرار الذي يحصّن الأوطان من الانكسار.

لم يكن حنظلة يوماً منحازاً لحاكم بعينه، لكنه كان دائماً ضد فكرة أن يُدفع الناس العاديون ثمن صراعات لا يد لهم فيها. ولعله كان سيرسم خريطة العراق أو سوريا أو السودان أو اليمن أو لبنان الذي أحب أو وطنه السليب وهي يتفتت إلى قطع صغيرة، وفي كل قطعة علم دولة أجنبية تغرس مخالبها فيها، بينما يقف حنظلة في الزاوية كعادته، يدير ظهره، لكن كتفيه هذه المرة منحنيتان أكثر من أي وقت مضى.

غزة ولبنان: الوجع الذي لا يتبدل

أما على الجبهة الفلسطينية واللبنانية، فمن الصعب تصديق أن رساماً اغتيل بسبب مواقفه من القضية الفلسطينية كان سيصمت عما جرى ويجري في غزة ولبنان، حيث تحوّل القصف والتجويع إلى نمط حياة يومي يصفه كثير من الحقوقيين والمنظمات الدولية بأنه استهداف ممنهج للمدنيين، وفي جنوب لبنان الذي طالما رسم أطفاله وهم يحملون مفاتيح بيوتهم المدمّرة. لكن الأرجح أيضاً أن قلمه لم يكن ليكتفي برسم الضحية فقط، بل كان سيسأل، كما كان يفعل دائماً: أين القيادات العربية من كل هذا؟ ولماذا يتحول الدم الفلسطيني واللبناني، مرة أخرى، إلى مادة للبيانات الرسمية أكثر منه دافعاً لفعل حقيقي؟

 هذا السؤال، تحديداً، هو ما جعل ناجي العلي مزعجاً لكل الأطراف في وقت واحد: الاحتلال الذي استهدفه بشكل غير مباشر، والأنظمة التي ضاقت به فطردته، والفصائل التي انتقدها حين رأى فيها تفريطاً أو مساومة. لم يكن مريحاً لأحد، وهذا بالضبط ما أبقى حنظلة حياً في الذاكرة الجماعية أكثر من أي شعار سياسي عابر.

قضية مركزية تحوّلت إلى ملف مؤجل

لعقود، كانت فلسطين تُقدَّم في الخطاب الرسمي العربي بوصفها "القضية المركزية". اليوم، ورغم أن الشارع العربي ما زال يخرج بعشرات الآلاف تضامناً مع غزة كلما اشتدت الحرب، فإن هذا التضامن الشعبي لم يعد يجد ترجمة موازية على مستوى القرار السياسي. الانقسام الفلسطيني الداخلي بين الضفة وغزة، والانشغال العربي بأزمات داخلية متراكمة، وتراجع أولوية القضية في أجندات القمم والمنظمات الإقليمية، كلها عوامل جعلت من فلسطين، كما يصفها كثير من المتابعين، قضية تُستحضر في المناسبات أكثر مما تُدار كأولوية استراتيجية.

ناجي العلي كان قد رسم هذا المشهد بشكل أو بآخر منذ الثمانينيات، حين صوّر قادة عرباً يتحدثون عن فلسطين في المؤتمرات بينما ظهورهم موجهة إلى خرائطها الفعلية. لو كان حياً اليوم، لوجد المادة نفسها متجددة: بيانات إدانة تصدر بسرعة، وقمم طارئة تُعقد ثم تنتهي دون قرار ملزم، بينما يستمر ما يصفه كثيرون بأنه استهداف ممنهج للمدنيين في غزة على الأرض دون رادع فعلي.

 التطبيع (خيانة) لا (خيار): من كامب ديفيد إلى أبراهام

موقف ناجي العلي من التطبيع تحت عنوان صريح لا لبس فيه: التطبيع عنده خيانة. منذ اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، التي خصّص لها ناجي مساحة واسعة من كاريكاتيره محرّضاً عليها ومفصّلاً تبعاتها، كان التطبيع من أكثر الملفات التي أثارت غضبه، إذ اعتبره تنازلاً يُبرم فوق رؤوس الناس لا باسمهم. اتفاقية وادي عربة عام 1994، ثم اتفاقيات أبراهام عام 2020 التي وقّعتها الإمارات والبحرين والمغرب، أعادت الجدل نفسه إلى الواجهة: هل يمكن فصل التطبيع الرسمي عن مصير القضية الفلسطينية، أم أن كل اتفاق جديد يُضعف الموقف التفاوضي الجماعي ويمنح إسرائيل شرعية إضافية دون أن تقدّم مقابلاً ملموساً للفلسطينيين؟

مؤيدو هذه الاتفاقيات يقدّمون حججهم الخاصة: أن التطبيع يفتح قنوات تأثير دبلوماسي واقتصادي كانت مغلقة، وأن استمرار المقاطعة الشاملة لعقود لم يُغيّر واقع الاحتلال على الأرض. لكن المعارضين لهذا الطرح، وناجي العلي في مقدمتهم بحسب موقفه الموثّق لو كان حياً، كانوا يرون أن التطبيع بلا ثمن فلسطيني واضح ليس تفاوضاً بل تنازلاً مجانياً، وأن استطلاعات الرأي العربية المتكررة التي تُظهر معارضة شعبية واسعة لهذه الاتفاقيات تُقابَل عادة بتجاهل رسمي، وهو ما كان كافياً وحده ليستفز قلماً لم يعرف يوماً كيف يجامل قراره الشعبي.

غصن الزيتون والمدفع: النفط والدعم الغربي

لا يمكن قراءة المشهد دون الإشارة إلى الموقف الغربي، الذي يجمع بين دعوات متكررة لحل الدولتين من جهة، واستمرار الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل من جهة أخرى، سواء عبر استخدام حق النقض في مجلس الأمن الدولي لعرقلة قرارات إدانة أو وقف إطلاق نار، أو عبر صفقات تسليح لم تتوقف حتى في أوج الحرب على غزة. هذه الازدواجية، بين الخطاب الإنساني والممارسة السياسية، كانت من الموضوعات المفضلة لدى ناجي العلي، الذي اعتاد رسم الدول الكبرى وهي تحمل غصن زيتون بيد ومدفعاً باليد الأخرى.

وموقف ناجي من النفط العربي بوصفه أداة في يد الغرب لا في يد أصحابه، وثروة يُنهبها الغرب بقدر ما توظَّف في التسوية السياسية أكثر مما تُستثمر في بناء موقف عربي موحّد. هذا التشخيص، الذي رسمه ناجي في الثمانينيات، يجد صدى مباشراً اليوم في نقاش متجدد حول علاقة الثروات العربية بملفات التطبيع وإعادة الإعمار المشروطة وصفقات السلاح، حيث يرى كثيرون أن فوائض هذه الثروات ما زالت بعيدة عن أن تتحول إلى أداة ضغط سياسي حقيقي لصالح القضايا العربية المشتركة، بينما يرى آخرون أن لهذه الدول حساباتها الأمنية والاقتصادية الخاصة التي لا يمكن اختزالها بسهولة.

هذا لا يعني أن كل السياسة الغربية كتلة واحدة متجانسة؛ فهناك أصوات برلمانية وحقوقية غربية انتقدت علناً استمرار الدعم العسكري غير المشروط، وهناك حكومات تباينت مواقفها بحدة من حرب غزة. لكن المحصلة العامة، من منظور الخطاب الذي مثّله ناجي العلي، ظلت أن ميزان القوة الدولي لم يتغير جوهرياً، وأن القرار الفلسطيني بقي رهينة توازنات لا يملك الفلسطينيون فيها الكلمة الأولى ولا الأخيرة.

من كيسنجر إلى اليوم: عداء لم يتبدل شكله

وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر كان الشخصية الأمريكية الأكثر حضوراً في كاريكاتير ناجي العلي، رمزاً لسياسة أمريكية رأى فيها ناجي عداءً مطلقاً للقضايا العربية، ودعا عبر ريشته أكثر من مرة إلى مقاومة المصالح الأمريكية في المنطقة. لم يكن ذلك العداء موجهاً لشخص بعينه بقدر ما كان موجهاً لدور وظيفي: صانع القرار الأمريكي الذي يرسم توازنات الشرق الأوسط من واشنطن بمعزل عن إرادة شعوبه.

من الصعب اليوم الجزم بمن كان ناجي سيختاره رمزاً لهذا الدور في الإدارات الأمريكية المتعاقبة؛ فهذا تفصيل لم يعاصره ولا يمكن نسبته إليه. لكن المنطق الذي حكم اختياره لكيسنجر — رفض فكرة أن يُدار مصير المنطقة من مكتب بعيد، بصرف النظر عن اسم من يجلس فيه — هو ما يمنح قراءة اليوم خيطها الأكثر ثباتاً فجوهر الاعتراض عند ناجي لم يكن على شخص، بل على بنية القرار نفسها، وهي بنية لم تتغير كثيراً منذ الثمانينيات وإن تغيّرت الوجوه التي تديرها.

النبوءة التي تحققت: لماذا يحق لنا أن نستشرف؟

قد يبدو السؤال المركزي لهذا المقال — ماذا كان ناجي سيرسم اليوم؟ — تمريناً تأملياً لا أكثر، فقد تصوّر ناجي بريشته بناء الجدار العنصري في الضفة الغربية قبل تشييده فعلياً بسنوات، وبشّر بانتفاضة الحجارة ورسم أطفالها وأدواتها قبل أن تهبّ الانتفاضة الأولى بشهور قليلة من رحيله، وحذّر من دخول الفلسطينيين "مطهر التسوية السياسية" وقبولهم بحكم ذاتي ترفضه الأكثرية — وجرى ذلك أيضاً بعد استشهاده.

هذا السجل الموثّق هو ما يمنح القراءة الاستشرافية مشروعيتها ومشروعية أدواتها: فنحن لا نخمّن أمام رسام عادي يعلق على يومياته، بل أمام عين درّبت نفسها عقدين على رؤية القادم قبل وقوعه، وأمام منهج — لا مجرد موهبة — قوامه قراءة بنية الصراع لا أخباره العابرة. حين نسأل اليوم (ماذا كان سيرسم؟) فنحن لا نستدعي شبحاً، بل نشغّل منهجاً على وقائع جديدة.

حنظلة يتمدد: من فلسطين إلى قضايا العالم

لو عاش ناجي العلي حتى اليوم، فمن غير المرجح أن يبقى حنظلة حبيس الملف الفلسطيني وحده. فناجي العلي كان ينظر إلى قضيته من زاوية أممية واسعة، متعاطفاً مع حركات التحرر العالمية بوصفها نموذجه المفضل، لا مع مركز قوة بعينه. لو رأى ناجي اليوم موجات اللجوء العابرة للبحار من إفريقيا وآسيا، أو الحروب المنسية في السودان والكونغو واليمن التي لا تحظى بجزء يسير مما تحظى به نزاعات أخرى من تغطية إعلامية، لوجد فيها المادة نفسها التي رسمها طوال حياته: شعوب تُترك وحيدة تدفع ثمن صراعات لا تملك فيها قراراً.

ولعل أكثر ما كان سيثير سخريته اليوم هو عالم الإعلام والتواصل الاجتماعي نفسه: فيضان الصور والمقاطع التي تتنافس على "التفاعل" بينما يتضاءل الفعل الحقيقي على الأرض، ومعارك التضليل والأخبار الملفّقة التي أصبحت أداة حرب موازية لأدوات القصف. حنظلة، الذي حذّر في زمنه من "مؤشرات الغرور"— تفاعل كثير وفعل قليل — كان سيجد في خوارزميات اليوم امتداداً طبيعياً لتلك الفكرة، لكن بحجم أكبر وأدوات أكثر تعقيداً: صحافة مواطنة حقيقية تنقل الحدث من قلبه من جهة، ومحتوى مصطنع وروايات مضادة تُنتَج بسرعة غير مسبوقة من جهة أخرى، في معركة لم تعد تدور فقط في الميدان بل في المساحة الرقمية التي يقضي فيها الناس ساعات يومهم.

حنظلة الذي لا يشيخ

بعد نحو أربعة عقود على اغتياله، لم يعد حنظلة مجرد شخصية كاريكاتيرية، بل تحوّل إلى رمز تستعيره أجيال لم تولد بعد، حين رُسم لأول مرة. واليوم يظهر على جدران غزة المهدمة، وعلى لافتات التظاهرات في بيروت وبغداد وعمّان، بل وفي وقفات تضامنية حول العالم من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا، حيث يستعيره متظاهرون لا علاقة مباشرة لهم بفلسطين لكنهم يرون في وقفته الصامتة رمزاً عابراً لكل قضية عادلة مؤجلة. وعلى صفحات التواصل الاجتماعي التي كان صاحبها نفسه سيسخر منها لو رآها، معتبراً إياها امتداداً لمؤشرات الغرور ذاتها التي حذّر منها في زمنه.

نعم نجح وأفلح ناجي في تحويل فن الكاريكاتير من فن للنخبة والمثقفين إلى فن للعامة، وأن الكاريكاتير عنده كان "فن الفكرة" لا فن الاستعراض: حركة لا تتسم بديناميكية عالية، وخطوط بسيطة بالأبيض والأسود وحدهما — الأسود خلفية للواقع المأساوي، والأبيض مدى التعبير — لكنها تصل إلى المتلقي في كل مكان فيشعر أنها مخصصة له. ولعل هذا هو سر بقائه: لم يكن يرسم الحدث اليومي، بل الموضوع الذي جاء الحدث في سياقه.

ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده في هذه الذكرى ليس التخمين بما كان سيرسمه ناجي العلي بالضبط، بل السؤال الأكثر إيلاماً: لماذا ما زالت رسوماته التي رُسمت قبل أكثر من ثلاثين عاماً صالحة لوصف واقع اليوم دون أي تعديل تقريباً؟ حين يبقى كاريكاتير عن التفتت العربي أو عن التطبيع أو عن قصف المدنيين صالحاً للنشر بعد ثلاثة عقود دون أن يفقد راهنيته، فتلك ليست شهادة على عبقرية الرسام وحده، بل إدانة صامتة لواقع لم يتغير.

يبقى حنظلة كما تركه صاحبه: طفل لا يكبر، يدير ظهره للعالم، بانتظار اليوم الذي يستحق فيه أن يستدير.