غزة/ أسامة أبو فرحان: زمن FM - في وقت تتزايد فيه الأزمات الاقتصادية وتضيق فرص العمل أمام آلاف المواطنين في قطاع غزة، وجد أصحاب البسطات أنفسهم أمام عبء مالي جديد يتمثل في رسوم تفرضها بعض البلديات مقابل استخدام الأرصفة والطرقات العامة، في خطوة أثارت تساؤلات قانونية وانتقادات واسعة بين الباعة الذين يؤكدون أن هذه الرسوم لم تكن مطبقة سابقًا ولم ترد ضمن الرسوم البلدية المعروفة، وهي ضمن رسوم غير قانونية يمكن وصفها بالأتاوة.
خلال الأشهر الأخيرة، بدأت بلديات في قطاع غزة بفرض مبالغ مالية على أصحاب البسطات مقابل السماح لهم بالعمل في أماكن محددة على الأرصفة أو جوانب الطرق العامة.
ويقول عدد من الباعة إن قيمة الرسوم تُحتسب وفق مساحة المكان المستخدم، بمعدل يصل إلى 50 شيكلًا للمتر الواحد شهريًا، الأمر الذي أدى إلى زيادة الأعباء المالية على فئة تعتمد أساسًا على دخل يومي محدود.
أبو محمد، وهو صاحب بسطة يعمل في أحد شوارع القطاع، يؤكد أنه اضطر لدفع 800 شيكل شهريًا للبلدية حتى يتمكن من الاستمرار في مزاولة عمله. ويقول إن موظفين تابعين للبلدية أبلغوه بضرورة الدفع أو مغادرة الموقع الذي يعمل فيه منذ فترة طويلة.
ويضيف: "أعيل أسرة كبيرة، والعمل على البسطة هو مصدر رزقي الوحيد. عندما طلبوا مني دفع 800 شيكل شهريًا لم يكن أمامي خيار آخر، لأنهم أوضحوا أن عدم الدفع يعني إزالة البسطة ومنعي من العمل في المكان".
ويشير أبو محمد إلى أن المبلغ المفروض عليه يستهلك جزءًا كبيرًا من أرباحه الشهرية، ما يضعه أمام معادلة صعبة بين الاستمرار في العمل أو البحث عن مصدر دخل آخر يكاد يكون غير متوفر في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
حالة أبو محمد ليست الوحيدة، فصاحب بسطة آخر يعمل بالقرب من مجمع ناصر، وأسمه أبو عمر أفاد بأنه دفع 700 شيكل للبلدية مقابل استئجار مساحة من الرصيف لممارسة نشاطه التجاري. ويقول إن البلدية أبلغته بأن دفع الرسوم شرط أساسي للبقاء في الموقع وعدم التعرض للمخالفة أو الإزالة.
ويرى عدد من أصحاب البسطات أن هذه الرسوم تحولت إلى عبء إضافي على فئة تعاني أصلًا من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، فيما يتساءلون عن الأساس القانوني الذي تستند إليه البلديات في فرض هذه المبالغ.
من الناحية القانونية، يثير فرض رسوم جديدة من قبل الهيئات المحلية تساؤلات تتعلق بمبدأ الشرعية المالية، وهو المبدأ الذي يقضي بعدم جواز فرض أي ضريبة أو رسم أو جباية مالية إلا استنادًا إلى نص قانوني أو نظام معتمد وفق الأصول القانونية.
ويؤكد خبراء قانونيون أن البلديات تمتلك صلاحيات تنظيم الأسواق والأماكن العامة وإصدار التراخيص اللازمة لبعض الأنشطة، إلا أن استحداث رسوم جديدة يتطلب وجود سند قانوني واضح يحدد طبيعة الرسم وقيمته وآلية تحصيله.
ويرى مختصون أن السؤال الجوهري في هذه القضية لا يتعلق فقط بقيمة الرسوم، بل بمدى قانونية فرضها من الأساس، وما إذا كانت قد أقرت وفق الإجراءات القانونية المطلوبة، أم أنها جاءت كإجراء إداري مؤقت لمواجهة واقع اقتصادي ومالي استثنائي تعيشه البلديات.
غير أن أصحاب البسطات يؤكدون أن تنظيم العمل في الشوارع لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لفرض أعباء مالية جديدة على الفئات الأكثر هشاشة اقتصاديًا، مطالبين بالكشف عن الأساس القانوني لهذه الرسوم ونشر القرارات التي استندت إليها البلديات عند فرضها.
المستشار القانوني أحمد موسى أكد أن البلديات لا تملك صلاحية مطلقة لفرض الرسوم على المواطنين وأصحاب المحال، موضحاً أن أي رسم يتم فرضه يجب أن يستند إلى نص قانوني أو نظام نافذ يحدد أساس فرضه وقيمته وآلية تحصيله.
وقال موسى إن قانون الهيئات المحلية الفلسطيني منح الهيئات المحلية صلاحيات مالية وإدارية، لكنه في الوقت ذاته قيّد ممارسة هذه الصلاحيات بأحكام القانون والأنظمة الصادرة بموجبه، مشدداً على أن الاستقلال المالي للبلديات لا يعني منحها الحق في استحداث رسوم دون وجود أساس تشريعي.
وأوضح أن قانون الهيئات المحلية رقم (1) لسنة 1997 وتعديلاته أشار إلى أن من إيرادات الهيئة المحلية الضرائب والرسوم المفروضة بمقتضى أحكام القانون أو أي نظام صادر بالاستناد إليه، أو بموجب قانون أو نظام آخر ينص على استيفاء تلك الرسوم.
وأكد موسى أن هذه القاعدة تنطبق عند الحديث عن الرسوم المتعلقة بإشغال الأرصفة أو الانتفاع بها، مشيراً إلى ضرورة التمييز قانونياً بين الرسم المفروض على إشغال الرصيف وبين تأجير الرصيف أو منح حق الانتفاع به، لأن لكل حالة طبيعتها القانونية وشروطها.
وقال إن السؤال الأساسي في أي حالة تتعلق بفرض رسوم على الأرصفة هو: «ما هو السند القانوني الذي تستند إليه البلدية في فرض هذا الرسم؟»، مشيراً إلى ضرورة وجود نظام أو لائحة نافذة تحدد طبيعة الرسم وقيمته والجهة المخولة باستيفائه.
وأضاف موسى أن البلدية إذا كانت تتعامل مع الرصيف باعتباره من أملاكها وتمنح أحد الأشخاص حق الانتفاع به، فإن الأمر يحتاج إلى بحث طبيعة ملكية الرصيف والأساس القانوني الذي يسمح للبلدية بإدارته أو تأجيره، إضافة إلى الإجراءات الواجب اتباعها في هذا الشأن.
وشدد المستشار القانوني على أن قرارات المجلس البلدي وحدها لا تكفي بالضرورة لإنشاء التزام مالي جديد على المواطنين، إذا لم يكن القرار مستنداً إلى تشريع أو نظام يمنح البلدية هذه الصلاحية.
وأكد موسى أن أي مواطن أو صاحب محل يُطلب منه دفع رسوم مقابل إشغال الرصيف من حقه أن يعرف الأساس القانوني للرسم، والقرار أو النظام الذي حدده، وقيمة المبلغ وآلية احتسابه، معتبراً أن وضوح السند القانوني يضمن حماية المال العام وحقوق المواطنين في الوقت نفسه.
وقال محمد عمر، صاحب بسطة لبيع الخضروات في وسط مدينة غزة، إنه يعمل في هذه المهنة منذ مارس/آذار 2024، مشيرًا إلى أن بلدية غزة بدأت مطلع يناير/كانون الثاني 2026 بتحصيل رسوم مقابل استغلال الرصيف.
وأضاف أن موظفًا من البلدية يتولى تحصيل الرسوم بشكل شهري من أصحاب البسطات، مؤكدًا التزامه بالدفع وفق الآلية المعمول بها منذ بدء تطبيق القرار.
وقال أبو أحمد، صاحب بسطة في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، إنه لا يعارض تنظيم الشوارع أو اتخاذ إجراءات تضمن انسيابية حركة المواطنين، مؤكدًا أن أصحاب البسطات يدركون أهمية الحفاظ على النظام العام وعدم التعدي على حقوق المارة.
وأضاف: "أنا موجود في الشارع منذ فترة طويلة، ولا أغلق الطريق أمام المواطنين أو المركبات، وأحرص دائمًا على أن تكون بسطتي ضمن المساحة المتاحة دون التسبب بأي إعاقة للحركة، ونحن مع تنظيم الشارع، بل ونطالب به، لكن المشكلة ليست في التنظيم، وإنما في الرسوم المفروضة علينا".
وأوضح أن البلدية تطالبه بدفع 300 شيكل شهريًا مقابل وجوده في الشارع، معتبرًا أن هذا المبلغ يفوق قدرته المالية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها سكان قطاع غزة.
وتابع: "نعمل لساعات طويلة من أجل توفير لقمة العيش لأسرنا، وفي كثير من الأيام لا نحقق أرباحًا تكفي لتغطية احتياجاتنا الأساسية. كيف يمكن لصاحب بسطة بالكاد يؤمن قوت أطفاله أن يدفع 300 شيكل شهريًا؟".
وأشار إلى أن غالبية أصحاب البسطات لجؤوا إلى هذا العمل بعد فقدان وظائفهم ومصادر دخلهم نتيجة الحرب والظروف الاقتصادية المتدهورة، لافتًا إلى أن البسطة أصبحت بالنسبة للكثيرين وسيلة النجاة الوحيدة من البطالة والفقر.
وقال: "لسنا تجارًا كبارًا ولا نمتلك محال تجارية، بل نعمل في ظروف صعبة للغاية. كثير منا نزح وفقد منزله أو مصدر رزقه، ثم اضطر إلى إنشاء بسطة صغيرة ليتمكن من إعالة أسرته. فرض رسوم مرتفعة في هذا التوقيت يزيد الأعباء بدلًا من التخفيف عنها".
وأكد أنه لا يرفض دفع رسوم رمزية مقابل تنظيم العمل واستخدام الأماكن العامة، لكنه يرى أن المبالغ الحالية تحتاج إلى إعادة نظر بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي للسكان.
وأضاف: "إذا كانت هناك رسوم معقولة وفي حدود إمكانيات الناس فلن يعترض أحد، لكن المطلوب هو تحقيق التوازن بين حق البلدية في التنظيم وحق المواطنين في العمل وكسب الرزق".
وطالب البلدية بإجراء حوار مباشر مع أصحاب البسطات والاستماع إلى مطالبهم وملاحظاتهم قبل اتخاذ أي قرارات تتعلق بالرسوم أو تنظيم أماكن العمل، مؤكدًا أن التعاون بين الطرفين هو السبيل الأفضل للحفاظ على النظام العام وحماية مصادر رزق مئات الأسر.
وختم حديثه بالقول: "نريد شوارع منظمة، ونريد أيضًا أن نعيش بكرامة. ما نطالب به ليس إعفاءً كاملًا من الرسوم، وإنما مراعاة ظروف الناس الصعبة وعدم تحميلهم أعباء إضافية في وقت يكافحون فيه من أجل البقاء".
بدورها، أكد رئيس بلدية خان يونس ونائب رئيس اتحاد البلديات علاء الدين البطة إن لقاءات موسعة ومكثفة عُقدت مع الفصائل والقوى الوطنية، واستمرت حتى ساعات متأخرة من الليل، بهدف وضع حد لهذه المعضلة وتنظيم عمل البسطات في المناطق المختلفة.
وأكد البطة أن الجهود المبذولة أسفرت عن إنهاء سطوة السماسرة الذين كانوا يسيطرون على مواقع البسطات، مشيرًا إلى أن إيجار المتر الواحد انخفض من 1000 شيكل إلى 40 شيكلًا فقط، في خطوة تهدف إلى تخفيف الأعباء عن الباعة وتحقيق قدر أكبر من العدالة في استغلال الأماكن العامة، لكن استمرت البلدية بفرض الرسوم بطريقة غير قانونية.
بلدية غزة بدورها، أكدت أنها رصدت بعض الممارسات غير المنظمة في استخدام الشوارع والأرصفة، الأمر الذي استدعى العمل على ترتيب هذا الواقع بما يحقق العدالة في الاستخدام ويحفظ حقوق الجميع.
وقالت البلدية إنها باشرت اتخاذ إجراءات تنظيمية تهدف إلى ترتيب وتنظيم عمل البسطات، وتنظيم استخدام الأماكن العامة وفق آليات واضحة تراعي الظروف العامة وتخدم الصالح العام.
وأكدت البلدية حرصها على الحفاظ على حق المواطنين في الحركة الآمنة داخل الشوارع والأرصفة، مشددة على ضرورة التعامل مع هذه الإجراءات بروح من التعاون والمسؤولية بما يضمن المصلحة العامة للجميع.
تجاوز للقانون
وبهذه الرسوم المستحدثة، تخالف البلديات المادة (22) من قانون الهيئات المحلية الذي ينص على مبدأ عام يقضي بأن فرض الضرائب والرسوم لا يكون إلا بموجب القانون، بينما ينظم قانون الهيئات المحلية رقم (1) لسنة 1997 وتعديلاته صلاحيات البلديات في الجباية
وينص القانون على أن إيرادات الهيئة المحلية تتكون من الضرائب والرسوم والأموال المفروضة أو المتأتية بمقتضى أحكام القانون أو أي نظام صادر بالاستناد إليه أو أي قانون أو نظام آخر. أي أن البلدية لا يجوز لها استحداث رسم من تلقاء نفسها، بل يجب أن يكون له سند قانوني أو نظام نافذ.
ويمنح القانون البلديات صلاحيات تنظيم الأسواق العامة، وتحديد أماكن البيع، وتنظيم الحرف والصناعات، بما في ذلك تخصيص أماكن لممارسة بعض المهن والأنشطة التجارية، وهو ما يشكل الأساس القانوني لتنظيم عمل البسطات في الأماكن العامة.
كما تنص المادة (27) على آلية جباية أموال الهيئة المحلية، وتحدد إجراءات تحصيل الرسوم المستحقة، بما في ذلك توجيه إنذار للمكلف قبل اتخاذ إجراءات التحصيل إذا لم يدفع المبلغ المستحق.
وينص قانون الهيئات المحلية الفلسطيني على حق البلديات في استيفاء الرسوم والأجور المقررة قانونًا مقابل الخدمات أو إشغال الأملاك العامة، إلا أن فرض أي رسوم يجب أن يستند إلى نظام أو قرار نافذ صادر وفق الأصول القانونية، وأن يطبق وفق معايير واضحة وعادلة على جميع المكلفين دون تمييز. لذلك يثار التساؤل حول الأساس القانوني للرسوم المفروضة على أصحاب البسطات، وآلية احتسابها، ومدى توحيد تطبيقها بين مختلف المناطق والأنشطة.
تنص المادة المتعلقة باختصاصات الهيئة المحلية على أن البلدية تتولى تنظيم الأسواق والأماكن العامة والشوارع والأرصفة، واتخاذ الإجراءات اللازمة للمحافظة على النظام والصحة والسلامة العامة. وهذا يمنحها أساسًا قانونيًا لتنظيم أماكن البسطات وإزالة التعديات على المرافق العامة.
كما يمنح القانون البلدية صلاحية إصدار التراخيص اللازمة للمهن والحرف والأنشطة التجارية الواقعة ضمن حدودها، وفق الأنظمة والتعليمات النافذة.
وينص القانون على أن للهيئة المحلية الحق في استيفاء الرسوم والأجور والبدلات مقابل الخدمات التي تقدمها أو مقابل الانتفاع من أملاكها أو المرافق العامة التابعة لها، شريطة أن تكون هذه الرسوم مقررة وفق القانون والأنظمة ذات العلاقة.
ويلزم القانون البلدية بإدارة أملاكها ومرافقها العامة بما يحقق المصلحة العامة والمساواة بين المواطنين، وهو مبدأ يمكن الاستناد إليه عند مناقشة تفاوت الرسوم بين أصحاب البسطات أو اختلاف آليات تطبيقها.
