دخلت بولندا في مواجهة دبلوماسية جديدة مع إسرائيل، عقب قرار السلطات الإسرائيلية إغلاق ملف التحقيق الجنائي في مقتل 7 من العاملين في مؤسسة "المطبخ المركزي العالمي" خلال غارة على قطاع غزة عام 2024، بينهم مواطن بولندي في خطوة أثارت غضبًا رسميًا واسعًا في وارسو.
ولم تكتفي الحكومة البولندية بإبداء اعتراضها على القرار، بل استدعت السفير الإسرائيلي لديها وطالبت بالحصول على جميع المعلومات والوثائق التي توضح ملابسات الحادث، بالتزامن مع فتح تحقيق قضائي بولندي مستقل في الواقعة.
وارسو تستدعي السفير الإسرائيلي
استدعت وزارة الخارجية البولندية السفير الإسرائيلي لدى وارسو، معربة عن خيبة أملها الشديدة من قرار تل أبيب عدم توجيه اتهامات جنائية بشأن مقتل العاملين في المنظمة الإنسانية، وكانت إسرائيل قد أبلغت السلطات البولندية بقرارها في 19 أغسطس 2026، وهو ما دفع وارسو إلى اتخاذ موقف دبلوماسي رسمي، مؤكدة ضرورة الكشف الكامل عن ملابسات الحادث وتحديد المسؤوليات.
وأكدت الخارجية البولندية أنها قدمت تقييمًا ناقدًا للإجراءات التي اتخذتها إسرائيل حتى الآن للتحقيق في الواقعة، وطالبت الجانب الإسرائيلي بتزويد المحققين البولنديين بالمواد والمعلومات والتفسيرات الضرورية.
نائب وزير الخارجية البولندي: ننتظر إجابات حاسمة
لم يخفِ نائب وزير الخارجية البولندي إيجناتسي نيمتشيتسكي استياء بلاده من القرار الإسرائيلي، واصفًا إياه بالمفاجئ، وشدد المسؤول البولندي على أن استخدام القوة يجب أن يخضع لمبدأ التناسب، مؤكدًا أن استخدام القوة بصورة غير متناسبة يجب أن تترتب عليه عواقب.
وتعكس هذه التصريحات رغبة وارسو في الحصول على إجابات واضحة بشأن الظروف التي أدت إلى استهداف القافلة الإنسانية، خصوصًا أن الضحايا كانوا يعملون في مجال تقديم المساعدات للمدنيين داخل قطاع غزة.
مأساة تعود إلى أبريل 2024
تعود القضية إلى أبريل 2024، عندما استهدفت غارة جوية إسرائيلية مجموعة من العاملين في منظمة "المطبخ المركزي العالمي" وسط قطاع غزة، وأسفرت الغارة عن مقتل 7 من العاملين في المؤسسة الإنسانية التي أسسها الطاهي الأمريكي الشهير خوسيه أندريس، وأثارت الواقعة في حينها موجة واسعة من الإدانات الدولية.

وكان من بين الضحايا المواطن البولندي داميان سوبول، المنحدر من مدينة شيميشل جنوب شرقي بولندا، الأمر الذي منح القضية أهمية خاصة بالنسبة للسلطات البولندية.
بولندا تفتح تحقيقًا مستقلًا
بالتوازي مع تحركها الدبلوماسي، أعلنت الخارجية البولندية أن مكتب الادعاء العام في مدينة شيميشل بدأ تحقيقًا قضائيًا مستقلًا بشأن ملابسات مقتل المواطن البولندي، ويهدف التحقيق إلى دراسة تفاصيل الحادث من الجانب البولندي، في ظل اعتراض وارسو على الطريقة التي أغلقت بها القضية في إسرائيل، ورغبتها في الحصول على الأدلة والمواد التي يمكن أن تساعد في الوصول إلى صورة أكثر وضوحًا بشأن ما حدث.
وتشير هذه الخطوة إلى أن بولندا لا تنوي الاكتفاء بالاحتجاج الدبلوماسي، وإنما تسعى إلى مواصلة المسار القضائي الخاص بها.
أستراليا تدخل على خط الأزمة
ولم تكن بولندا الدولة الوحيدة التي اعترضت على القرار الإسرائيلي، إذ اتخذت أستراليا خطوة مماثلة، واستدعت السفير الإسرائيلي في كانبيرا احتجاجًا على إغلاق الملف، ويرتبط الموقف الأسترالي أيضًا بوجود مواطن أسترالي بين العاملين السبعة الذين قتلوا في الغارة الإسرائيلية.
وبذلك بدأت القضية تتجاوز حدود الخلاف الثنائي بين بولندا وإسرائيل، لتتحول إلى ملف دبلوماسي يثير اعتراض أكثر من دولة، خاصة أن الضحايا كانوا من جنسيات مختلفة ويعملون ضمن منظمة إغاثية دولية.
لماذا تثير القضية غضبًا دوليًا؟
تنبع حساسية القضية من طبيعة الضحايا ومهمتهم الإنسانية، إذ كانوا يعملون في إيصال المساعدات إلى المدنيين في قطاع غزة خلال ظروف إنسانية وأمنية شديدة التعقيد، ويزيد قرار إغلاق الملف دون توجيه اتهامات جنائية من الضغوط على إسرائيل، خصوصًا مع مطالبة الدول التي ينتمي إليها الضحايا بكشف ملابسات الواقعة وتحديد المسؤوليات.
وتسعى بولندا، من خلال تحقيقها المستقل، إلى الحصول على إجابات بشأن كيفية وقوع الضربة والظروف التي أحاطت بها، بينما تصر وارسو على ضرورة أن تكون أي عملية استخدام للقوة متناسبة مع طبيعة التهديد.
ملف "المطبخ المركزي العالمي" يعود إلى الواجهة
يعيد التصعيد البولندي والأسترالي قضية مقتل متطوعي "المطبخ المركزي العالمي" إلى واجهة المشهد الدولي، بعد مرور أكثر من عامين على الغارة، ومع استدعاء السفراء وفتح تحقيقات موازية، يبدو أن تداعيات الحادث لم تنتهِ بإغلاق الملف الإسرائيلي، بل بدأت تأخذ مسارًا دبلوماسيًا وقضائيًا جديدًا قد يزيد الضغوط الدولية على تل أبيب بشأن كيفية تعاملها مع الحوادث التي تستهدف العاملين في المجال الإنساني داخل غزة.
روسيا اليوم
