تشريعيات فلسطين 2026 بين الاستحقاق القانوني وتحديات التنفيذ: لجنة الانتخابات تستكمل التسجيل لاقتراع 28 نوفمبر ورحال يقرأ رهانات تجديد المؤسسات وسط تعقيدات غزة والقدس

تتسارع الاستعدادات القانونية والفنية لإجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في الثامن والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، في وقت تبرز فيه أسئلة سياسية ولوجستية تتصل بإمكان تنظيم الاقتراع في قطاع غزة والقدس، وتأثير القيود الإسرائيلية في حركة الناخبين والطواقم والمواد الانتخابية، إلى جانب النقاش بشأن شكل المجلس المقبل ومدى قدرة الانتخابات على إعادة تنشيط المؤسسات الدستورية الفلسطينية بعد توقف الانتخابات التشريعية منذ عام 2006.

وناقش المتحدث باسم لجنة الانتخابات المركزية فريد طعم الله، وأستاذ العلوم السياسية الدكتور عمر رحال، خلال برنامج "ملف اليوم" على شاشة تلفزيون فلسطين، الجوانب الفنية والقانونية والسياسية للعملية الانتخابية، بدءًا من تسجيل الناخبين وشروط الاقتراع والترشح، مرورًا بالنظام الانتخابي ونسبة الحسم وتمثيل النساء والمواطنين المسيحيين، وصولًا إلى السيناريوهات المتعلقة بغزة والقدس والأسرى والمعيقات التي قد تواجهها العملية الانتخابية.

وكان مرسوم رئاسي صدر في 9 تموز/يوليو قد حدد السبت 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 موعدًا للاقتراع في الانتخابات التشريعية في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة. ووفق الجدول الرسمي للجنة الانتخابات، تمتد مرحلة تسجيل الناخبين من 15 إلى 19 آب/أغسطس، على أن يبدأ الترشح في 26 أيلول/سبتمبر ويستمر حتى 7 تشرين الأول/أكتوبر، فيما تقررت الدعاية الانتخابية بين 6 و26 تشرين الثاني/نوفمبر، قبل الاقتراع العام في 28 من الشهر نفسه.

التسجيل.. المرحلة الأولى ولا تمديد بعد إغلاق السجل

وقال طعم الله إن لجنة الانتخابات بدأت تحضيراتها العملية فور تحديد موعد الاقتراع، بما شمل تجهيز طواقمها ومكاتبها، وإعادة تأهيل وجودها التنظيمي في قطاع غزة بعد تضرر مقارها خلال الحرب، إلى جانب التواصل مع مؤسسات المجتمع المدني والجهات الدولية المعنية بالرقابة على الانتخابات.

وأوضح أن تسجيل الناخبين يمثل المرحلة القانونية الأولى التي تُبنى عليها المراحل اللاحقة، مشددًا على أن المواطنين المسجلين سابقًا ولا يحتاجون إلى تعديل بياناتهم ليس مطلوبًا منهم التسجيل مجددًا.

وتركز المرحلة الحالية، وفق طعم الله، بصورة خاصة على الشباب والشابات الذين بلغوا السن القانونية للتسجيل، وعلى من طرأ تغيير على أماكن إقامتهم أو بياناتهم، إضافة إلى سكان المخيمات في الضفة الغربية الذين لم تكن الانتخابات المحلية السابقة تشملهم بالطريقة ذاتها.

وتؤكد بيانات لجنة الانتخابات أن التسجيل الميداني يجري عبر 467 مركزًا في محافظات الضفة الغربية والمخيمات، إلى جانب إمكانية التسجيل الإلكتروني. وقالت اللجنة عند إطلاق المرحلة إن عدد المسجلين في الضفة تجاوز 1.6 مليون شخص، بما يمثل نحو 86.5% من أصحاب حق التسجيل.

وشدد طعم الله على أن إغلاق باب التسجيل في 19 آب ليس قرارًا فنيًا يمكن تعديله لاحقًا، وإنما مرتبط بالتسلسل القانوني للعملية الانتخابية، إذ يتعين إغلاق سجل الناخبين قبل الانتقال إلى مرحلة النشر والاعتراض ثم الترشح، وصولًا إلى إعداد السجل النهائي المستخدم يوم الاقتراع.

وبحسب اللجنة، يمكن التسجيل اعتبارًا من سن 17 عامًا، لكن حق التصويت يقتصر على من يكون قد أتم 18 عامًا يوم الاقتراع.

132 مقعدًا ونظام القوائم ودائرة انتخابية واحدة

وتطرق البرنامج إلى التعديلات القانونية التي ستجري الانتخابات بموجبها. وكان تعديل صدر في حزيران/يونيو قد رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 200 عضو، قبل أن يعاد تعديل القانون في آب/أغسطس وإرجاع العدد إلى 132 عضوًا.

ويعتمد القانون الساري نظام التمثيل النسبي الكامل، بحيث تعتبر الأراضي الفلسطينية دائرة انتخابية واحدة، ويجري الترشح من خلال قوائم انتخابية مغلقة على المستوى الوطني، وليس من خلال ترشح أفراد في دوائر محلية كما كان الحال في جزء من انتخابات عام 2006.

وأوضح طعم الله أن القائمة يمكن أن تكون حزبية أو ائتلافية أو تضم مجموعة من المواطنين المستقلين، على أن تستوفي الشروط القانونية المطلوبة. ويبلغ الحد الأدنى لعدد المرشحين في القائمة 16 مرشحًا، في حين يمكن أن يصل عددها إلى 132 مرشحًا، وهو إجمالي مقاعد المجلس.

وأبقى التعديل الأخير كذلك على نسبة حسم تبلغ 1% من الأصوات الصحيحة، وخفض سن الترشح لعضوية المجلس التشريعي من 28 إلى 23 عامًا، كما اشترط ألا يقل تمثيل النساء في القوائم المترشحة عن 33%.

نسبة الحسم بين توسيع التمثيل واحتمال تشظي المجلس

وفي تعليقه على خفض نسبة الحسم إلى 1%، قال طعم الله إن لجنة الانتخابات لا تتخذ موقفًا سياسيًا من النظم الانتخابية وإنما تنفذ القانون، لكنه أشار إلى وجود مدرستين في تقييم النسبة المنخفضة.

فمن جهة، يمكن لنسبة الحسم المنخفضة أن تفتح المجال أمام عدد أكبر من القوائم والقوى السياسية والاجتماعية للدخول إلى المجلس، بما يعزز التعددية ويتيح تمثيل تيارات وفئات قد تجد صعوبة في اجتياز عتبة أعلى.

وفي المقابل، قد يؤدي ارتفاع عدد الكتل الصغيرة إلى مجلس أكثر تشتتًا، بما قد يجعل بناء التحالفات البرلمانية وتشكيل الحكومات أو منحها الثقة أكثر تعقيدًا.

ورأى رحال أن توسيع المشاركة يظل جانبًا إيجابيًا في الحالة الفلسطينية، معتبرًا أن دخول أصوات وقوى مهنية وشبابية ومستقلة إلى المجلس يمكن أن يضيف تعددية إلى الحياة السياسية، مع إقراره بأن كثرة الكتل قد تجعل تشكيل الحكومات والتحالفات أكثر صعوبة.

انتخابات بعد عقدين وتجديد للمؤسسات

سياسيًا، رأى رحال أن أهمية الانتخابات تتجاوز اختيار أعضاء مجلس تشريعي جديد، بالنظر إلى أنها ستكون أول انتخابات تشريعية منذ انتخابات كانون الثاني/يناير 2006.

وأشار إلى أن شريحة واسعة من الفلسطينيين لم تشارك طوال هذه السنوات في انتخابات تشريعية أو رئاسية، ما يجعل انتخابات 2026 فرصة لدخول أجيال جديدة إلى العملية السياسية، سواء كناخبين أو مرشحين.

وقال رحال إن انتخاب مجلس تشريعي جديد يمكن أن يعيد تفعيل أحد أركان النظام السياسي، وخصوصًا ما يتعلق بوظائف الرقابة والمساءلة والتشريع، معتبرًا أن وجود سلطة تشريعية فاعلة يمثل عنصرًا أساسيًا في التوازن بين السلطات.

وفي هذا السياق، اعتبر خفض سن الترشح إلى 23 عامًا خطوة يمكن أن توسع مشاركة الشباب، لكنه أشار إلى أن التحدي لن يكون في وجود مرشحين شباب على القوائم فقط، وإنما في مواقعهم داخل ترتيب القوائم وفرص وصولهم الفعلية إلى المجلس.

واتفق طعم الله مع هذا الطرح، معتبرًا أن مشاركة الشباب تصبح أكثر أثرًا عندما يتم إدراجهم في مواقع متقدمة تسمح لهم بالمنافسة الفعلية على المقاعد، وليس باعتبار وجودهم استكمالًا شكليًا للقوائم.

تمثيل النساء وسبعة مقاعد للمواطنين المسيحيين

ويتضمن القانون الجديد حدًا أدنى لتمثيل النساء يبلغ 33% في القوائم الانتخابية، بحيث توجد امرأة واحدة على الأقل بين الأسماء الثلاثة الأولى، ثم امرأة واحدة ضمن كل ثلاثة أسماء تالية على امتداد القائمة.

ورأى رحال أن تخصيص حد أدنى لمشاركة النساء يبقى ضروريًا في ظل ما وصفه بعوائق اجتماعية واقتصادية وسياسية تحد من وصول النساء إلى مواقع صنع القرار، رغم اعتقاده بأن الأصل على المدى البعيد هو الوصول إلى مشاركة قائمة على المساواة دون الحاجة إلى نظام حصص.

وفي موازاة ذلك، أصدرت الرئاسة مرسومًا يخصص سبعة مقاعد على الأقل للمواطنين المسيحيين في المجلس التشريعي المقبل، وهو ما أكدته لجنة الانتخابات في 11 آب/أغسطس.

وأوضح طعم الله أن الفرق بين تمثيل النساء والمقاعد المسيحية يتمثل في أن نسبة النساء ترتبط أساسًا بترتيب المرشحين داخل القوائم، بينما يتعلق تخصيص المقاعد المسيحية بالنتيجة النهائية للمجلس، بحيث يجب ألا يقل عدد الفائزين المسيحيين عن سبعة.

الأسرى وتسهيلات التسجيل والترشح

وتناول طعم الله الإجراءات المتعلقة بالأسرى الفلسطينيين، موضحًا أن اللجنة أتاحت تسجيل الأسير بواسطة وكيله القانوني أو من خلال أحد أقاربه وفق الضوابط المعتمدة، وذلك للحفاظ على إمكانية مشاركته في العملية الانتخابية إذا توافرت لاحقًا الظروف القانونية والعملية لذلك.

وأكدت لجنة الانتخابات رسميًا عند إطلاق التسجيل أن الأسرى في السجون الإسرائيلية يمكن تسجيلهم من خلال الوكيل القانوني أو بالإنابة عن طريق الأقارب.

وقال طعم الله إن اللجنة تعمل كذلك على توفير ترتيبات قانونية لتمكين من يستوفي شروط الترشح من الأسرى من تقديم الإجراءات المطلوبة بواسطة وكيل.

ووصف رحال إدراج الأسرى في العملية الانتخابية بأنه يحمل بعدًا سياسيًا وحقوقيًا إلى جانب البعد القانوني، باعتبارهم جزءًا من المجتمع الفلسطيني ومن الفئات التي يمكن أن تكون لها مشاركة في الشأن العام وفق ما يسمح به القانون.

أوضاع خاصة لحملة جوازات السفر الأجنبية

وتطرق طعم الله إلى الفلسطينيين المقيمين في الأراضي الفلسطينية الذين لا يحملون بطاقة هوية فلسطينية ويستخدمون جواز سفر أجنبيًا، موضحًا أن تسجيل هؤلاء يتطلب إجراءات لإثبات صفتهم الفلسطينية ومكان إقامتهم، بالتنسيق مع وزارة الداخلية.

كما دعا من سبق تسجيلهم قبل سنوات استنادًا إلى جوازات أجنبية إلى تحديث بياناتهم، نظرًا إلى احتمال انتهاء صلاحية الوثائق القديمة أو تغير أوضاع حامليها.

وكانت لجنة الانتخابات قد دعت رسميًا المواطنين المسجلين بجوازات سفر أجنبية قبل عام 2021 إلى مراجعة مكاتبها وتحديث بياناتهم قبل إغلاق التسجيل.

غزة.. سجل الناخبين أمام واقع النزوح والدمار

ويبرز قطاع غزة بوصفه أحد أكثر الملفات تعقيدًا في التحضير للاقتراع، في ضوء الحرب والدمار الواسع والنزوح وتغير أماكن إقامة أعداد كبيرة من السكان.

وقال طعم الله إن سجل الناخبين التقليدي في القطاع لا يعكس بالضرورة التوزيع السكاني الحالي، نظرًا إلى تغير أماكن إقامة السكان ووجود أعداد من القتلى والمفقودين والنازحين، فضلًا عن تضرر أو اختفاء بعض التجمعات السكانية.

وأوضح أن اللجنة تدرس الاعتماد على السجل المدني باعتباره قاعدة أكثر تحديثًا لبناء سجل الناخبين في غزة، مع تطوير إجراءات تسمح للناخب بالتصويت في مركز قريب من مكان وجوده الفعلي، إلى جانب إجراءات تقنية لمنع التصويت أكثر من مرة.

ومع ذلك، لا تزال هذه التفاصيل ضمن الترتيبات التي تعمل عليها اللجنة، إذ أكدت في إعلانها الرسمي أن سكان قطاع غزة ليس مطلوبًا منهم التسجيل خلال المرحلة الحالية، وأن حقهم في المشاركة محفوظ، على أن تعلن آلية مشاركتهم وترتيباتها في وقت لاحق.

ويعكس ذلك محاولة للتعامل مع واقع استثنائي تختلف فيه الجغرافيا السكانية الحالية عن خرائط السكن والتسجيل السابقة، وهو ما يجعل إجراءات غزة واحدة من أكثر مراحل العملية الانتخابية حاجة إلى ترتيبات خاصة.

القدس.. ملف سياسي قبل أن يكون فنيًا

أما القدس، فوصف طعم الله مسألة الاقتراع فيها بأنها ذات بعد سياسي يتجاوز الحلول الفنية التي تستطيع لجنة الانتخابات وضعها منفردة.

وقال إن اللجنة تملك تصورات فنية لتمكين المقدسيين من المشاركة، لكنها تحتاج إلى غطاء وقرار سياسيين قبل الإعلان عن تفاصيلها.

وأكدت اللجنة رسميًا أن حملة الهوية المقدسية ليس مطلوبًا منهم التسجيل خلال الفترة الحالية، وأنها ستعلن لاحقًا الآلية التي ستضمن مشاركتهم في الترشح والاقتراع. أما المقدسيون المقيمون حاليًا في محافظات الضفة الغربية فيمكنهم التسجيل وفق مكان إقامتهم بعد تقديم ما يثبت ذلك.

ورأى رحال أن مشاركة القدس وغزة والضفة في عملية انتخابية واحدة تحمل، من وجهة نظره، دلالة سياسية تتصل بالتأكيد على التعامل مع الأراضي الفلسطينية كوحدة جغرافية وسياسية واحدة، محذرًا في الوقت نفسه من إمكانية أن تواجه الانتخابات عوائق إسرائيلية، ولا سيما في القدس.

الحواجز والقيود الإسرائيلية وخطط اللامركزية

وأشار طعم الله إلى أن القيود على الحركة والحواجز في الضفة الغربية تمثل تحديًا مباشرًا أمام إدارة يوم الاقتراع، سواء فيما يتعلق بحركة الطواقم أو وصول المواد الانتخابية أو انتقال المواطنين.

وأوضح أن اللجنة تعمل على نموذج أكثر لامركزية، يعتمد قدر الإمكان على موظفين من المناطق نفسها، وعلى إيصال التجهيزات والمواد إلى المراكز قبل موعد الاقتراع بفترة تسمح بتقليل تأثير الإغلاقات المفاجئة.

لكنه أقر بأن هناك إجراءات لا يمكن للجنة معالجتها بوسائل فنية فقط، مثل إدخال مواد انتخابية إلى قطاع غزة أو القيود التي قد تفرض على إجراء الانتخابات في القدس، معتبرًا أن هذه الملفات تحتاج إلى معالجة سياسية ودولية موازية للاستعداد الفني.

وفي هذا السياق، بدأت اللجنة توجيه دعوات إلى البعثات الدبلوماسية والمؤسسات العربية والدولية المتخصصة للمشاركة في مراقبة الانتخابات، في إطار مساعيها لتوسيع الرقابة الخارجية على مختلف مراحل العملية الانتخابية.

بين الجاهزية الفنية والاختبار السياسي

وتكشف المناقشة بين طعم الله ورحال عن مستويين متوازيين في التحضير لانتخابات 28 تشرين الثاني/نوفمبر: الأول قانوني وفني تعمل لجنة الانتخابات على إنجازه ضمن جدول زمني محدد، والثاني سياسي يرتبط بقدرة الأطراف الفلسطينية على خوض العملية وقبول نتائجها، وبإمكان تنفيذ الاقتراع فعليًا في غزة والقدس وفي ظل القيود المفروضة على الحركة في الضفة الغربية.

وبينما يركز طعم الله على بناء سجل الناخبين وإعداد الطواقم والمراكز وتطوير الحلول الفنية للحالات الاستثنائية، ينظر رحال إلى الانتخابات باعتبارها فرصة لإعادة تنشيط المؤسسات السياسية وإدخال أجيال وفئات جديدة إلى دوائر صنع القرار.

ويظل الاختبار الأساسي خلال الأشهر المقبلة مرتبطًا بقدرة الترتيبات القانونية والفنية المعلنة على الانتقال من مرحلة التسجيل إلى الترشح والدعاية ثم الاقتراع، مع معالجة الملفات المفتوحة في غزة والقدس وضمان أوسع مشاركة ممكنة في أول انتخابات تشريعية فلسطينية منذ نحو عقدين.