كتب حيدر العيلة بين حانا ومانا ... ضاعت لِحانا، وضاعت القضية: "لا المفاوضات أقامت الدولة ولا المقاومة حققت التحرير"

بين حانا ومانا ... ضاعت لِحانا، وضاعت القضية: "لا المفاوضات أقامت الدولة ولا المقاومة حققت التحرير"

حيدر العيلة (أبو الأمير)
غزة – فلسطين

بعد أكثر من ثلاثة عقود على اتفاق أوسلو، وما يقارب العقدين على الانقسام الفلسطيني، يقف الفلسطيني اليوم أمام حقيقة قاسية يصعب إنكارها: فالمفاوضات لم تُفضِ إلى إقامة الدولة الفلسطينية، والمقاومة بصيغتها القائمة لم تحقق هدف التحرير، بينما واصل الاحتلال فرض الوقائع على الأرض عبر الاستيطان والضم الزاحف وتهويد القدس والحصار والحروب المتكررة، حتى بات الفلسطيني يدفع ثمن فشل الخيارات المتنافسة معاً.

لم تعد الأزمة الفلسطينية مجرد خلاف بين خيار المقاومة وخيار المفاوضات، بل أصبحت أزمة بنيوية تعكس عجز النظام السياسي الفلسطيني، بكل مكوناته، عن إنتاج استراتيجية وطنية جامعة، وتحولت أدوات النضال إلى ساحات للصراع الداخلي، بدلاً من توجيهها نحو مواجهة الاحتلال.

لقد راهنت السلطة الفلسطينية وحركة فتح على التسوية السياسية والمفاوضات باعتبارها الطريق الأقصر إلى الدولة، لكنها وجدت نفسها أمام عملية تفاوض مفتوحة بلا سقف زمني ولا ضمانات دولية ملزمة، فيما استغلت إسرائيل هذا المسار لتوسيع الاستيطان وتغيير الوقائع على الأرض، حتى أصبحت الدولة الفلسطينية الموعودة أبعد مما كانت عليه يوم توقيع اتفاق أوسلو.

وفي المقابل، تبنّت حركة حماس رؤية تقوم على التشكيك في جدوى المفاوضات والعملية السياسية برمتها، لكنها لم تنجح في تحويل قوتها العسكرية إلى مشروع سياسي وطني جامع يحظى بتوافق فلسطيني واسع، كما ظل أداؤها رهينة الانقسام الداخلي وتعقيدات البيئة الإقليمية، الأمر الذي جعل العوائد السياسية للمقاومة لا تُذكر أمام حجم التضحيات والكلفة الباهظة التي رافقت جولات المواجهة، وآخرها مغامرة السابع من أكتوبر وما تلاها من حرب إبادة مدمرة على قطاع غزة.

غير أن الأزمة لا تتوقف عند حدود إخفاق كل من المسارين، بل تمتد إلى الثقافة السياسية التي حكمت العلاقة بينهما، حيث تحولت المنافسة إلى حالة من التخوين والإقصاء واحتكار الحقيقة الوطنية، وأصبح كل طرف يتعامل مع الآخر بوصفه خصماً ينبغي إقصاؤه، لا شريكاً في معركة التحرر، وهكذا ترسخ الإنقسام واستُنزفت الطاقات الفلسطينية في صراع داخلي طويل، بينما كان الاحتلال يرسخ مشروعه الاستعماري بهدوء وثبات.

أما فصائل الحركة الوطنية الأخرى، وفي مقدمتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وعدد من القوى الوطنية اليسارية والقومية، فقد سعت إلى تقديم رؤية تجمع بين المقاومة والعمل السياسي ضمن استراتيجية تحرر وطني شاملة، إلا أن محدودية حضورها في موازين القوى حالت دون قدرتها على كسر حالة الاستقطاب الثنائي بين فتح وحماس، أو فرض بديل وطني جامع.

لقد كشفت حرب الإبادة على قطاع غزة أن امتلاك الإرادة القتالية وحده لا يكفي، كما أن التعويل على المجتمع الدولي وحده لا يصنع دولة، فالتحرر الوطني يحتاج إلى تكامل بين "المقاومة والعمل السياسي والدبلوماسية والمقاومة الشعبية"، في إطار قيادة وطنية موحدة، وبرنامج وطني واضح، يحدد الأهداف، ويوحد الطاقات، ويمنع تحويل الاختلاف إلى انقسام دائم.

إن جوهر الأزمة لا يكمن في المقاومة أو المفاوضات بحد ذاتهما، بل في غياب المشروع الوطني الجامع، وغياب القيادة القادرة على إدارة التعددية الفلسطينية باعتبارها مصدر قوة لا سبباً للصراع، فلا مقاومة بلا رؤية سياسية، ولا مفاوضات بلا عناصر قوة تحمي الحقوق وتفرضها، ولا يمكن لأي شعب أن يحقق أهدافه الوطنية وهو منقسم على نفسه.

لقد أثبتت التجربة أن الاحتلال كان الرابح الأكبر من الانقسام الفلسطيني، وأن الخاسر الحقيقي كان الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، فلم يكن الصراع بين المقاومة والمفاوضات بقدر ما كان بين مشروع وطني غائب ومصالح فصائلية متنافسة.
ومن هنا، فإن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية، وإنهاء الانقسام، وتجديد الشرعيات الوطنية، وصياغة برنامج كفاحي توافقي، لم تعد ترفاً سياسياً ولا شعاراً للاستهلاك، بل أصبحت شرطاً وجودياً لإنقاذ القضية الفلسطينية.

وبين حانا ومانا، لم تضِع اللحى وحدها، بل ضاعت الأرض، وتبددت الفرص، واستنزفت الطاقات، ودفع الشعب الفلسطيني أثمان باهظة من الدم والتهجير والدمار، وإذا لم يجرؤ الفلسطينيون اليوم على مراجعة التجربة بكل شجاعة، ومحاسبة الذات قبل الآخرين، وبناء شراكة وطنية حقيقية تتقدم فيها مصلحة الوطن على مصالح الفصائل، فإن التاريخ لن يرحم أحداً، وسيبقى الاحتلال هو الرابح الأكبر، بينما تستمر القضية الفلسطينية في دفع ثمن أخطاء الفصائل قبل عدوان الأعداء.