"الفيسبوك" ... حين يتحول إلى محكمة إعدام لا أخلاقية !!!

حيدر العيلة ( أبو الأمير)
غزة – فلسطين
لم يعد الفيسبوك عند كثيرين مساحة للتعبير عن الرأي أو لتبادل المعرفة، بل تحوّل إلى محكمة ميدانية تُصدر أحكامها بلا قضاء، ومنصة لإعدام الناس أخلاقياً بلا دليل، وسوق مفتوح لتجارة الأكاذيب والاغتيال المعنوي.

في هذا الفضاء المنفلت لم يعد الصدق هو العملة الرائجة، بل الإشاعة، ولم تعد الحقيقة هي الغاية، بل صناعة الرواية الأكثر اثارة، حتى لو كانت كذباً وافتراء.
هناك من باع ضميره، وحوّل قلمه ولسانه إلى أدوات للتحريض والابتزاز وتصفية الحسابات السياسية والشخصية، حتى أصبح الكذب عند بعضهم مهنة، والافتراء وسيلة للشهرة، وتشويه سمعة الناس طريقاً إلى النفوذ والربح.
لكن المأساة الحقيقية ليست في وجود المرتزقة وباعة الضمائر؛ فهؤلاء وجدوا في كل زمان ومكان، وكانت وظيفتهم دائمًا تضليل الناس وخدمة أصحاب النفوذ والمال، إن الكارثة الحقيقية تكمن في جمهور تنازل طوعاً عن عقله، وعطّل ضميره، واستبدل التفكير بالتلقين، والحقيقة بالإشاعة، والبرهان بالدعاية،
فيكفي أن يُقدم إليهم مقطع مفبرك، أو رواية مبتورة، أو شائعة صُنعت بإتقان، حتى تتحول منصات التواصل إلى محاكم تفتيش رقمية، تُصدر أحكام الإدانة قبل سماع الدفاع، وتنفذ الإعدام الأخلاقي بحق الناس دون دليل أو محاكمة، هناك تنطلق جحافل الشتائم والتخوين والتشهير، جمهورٌ استقال من مسؤوليته الأخلاقية والفكرية، وانساق وراء ماكينة التضليل، يردد ما يُملى عليه، ويشارك في اغتيال الحقيقة وهو يظن أنه يدافع عنها.

والأشد مرارة أن بين هؤلاء من يحمل شهادات علمية، لكن الشهادة وحدها لا تصنع وعياً، ولا تمنح صاحبها حصانة من الانجرار وراء التضليل، فكم من متعلم غاب عنه التفكير النقدي، فصدّق كل ما يُلقى إليه، فَصَدَق فيه قول الله تعالى: كَمَثل الحِمَار يَحْمل أَسْفَاراً؛ يحمل المعرفة ولا ينتفع بها، ولا يحسن توظيفها في التمييز بين الحقيقة والزيف. 

شاهدت قبل مدة فيديو لأحدهم يوجّه اتهامات تمس شرف إنسان وكرامته، دون دليل أو بينة، وخلال دقائق تحولت التعليقات إلى ساحة للرجم المعنوي، وكأن آلاف القضاة اجتمعوا وأصدروا حكماً بالإدانة قبل أن يسمعوا كلمة واحدة من الطرف الآخر، وقبل أن يتعرفوا عليه، لم يتوقف أحد العقلاء ليسأل: أين الدليل؟ أين حق الرد؟ أين أبسط معايير العدالة؟ وهل أصبح الناشط رسولا يوحى إليه ومعصوماً من الخطأ حتى تُعامل كلماته وكأنها حقائق مطلقة؟

لقد صار التشهير عند البعض شكلاً من أشكال الترفيه، وأصبح تحطيم سمعة الآخرين بطولة، بينما غدا التحقق من صحة المعلومة تهمة، والدعوة إلى الإنصاف دليلاً على الانحياز، وهكذا ينقلب ميزان القيم؛ فيُكافأ الكاذب إذا كان من جماعتنا، ويُدان الصادق إذا كان من خارجها.

إن أخطر ما يهدد مجتمعنا ليس الكذب وحده، بل استعداد الناس لتصديقه وتداوله دون تفكير، فعندما يتخلى الإنسان عن عقله، يتحول إلى مجرد صدى لما يسمع، وجندي مجاني في جيش الشائعات، يشارك في اغتيال الأبرياء معنوياً وهو يظن أنه يؤدي واجباً وطنياً وأخلاقياً.

إن المجتمع الذي يستبدل القضاء بمحاكم نشطاء الفيس بوك، والدليل بالإشاعة، والعدالة بالتحريض، لا يبني وطناً، بل يهدم أسس الثقة وسيادة القانون والكرامة الإنسانية، فمن يصفق اليوم لإعدام غيره معنوياً، قد يجد نفسه غداً واقفاً في قفص الاتهام ذاته، ضحية إشاعة جديدة وجمهور لا يعرف سوى التصفيق.

لا تصدقوا كل ما يُنشر، ولا تجعلوا الدعاية بديلاً عن عقولكم، ولا تسمحوا لمنصات التواصل أن تتحول إلى مشانق لسمعة الناس باسم حرية التعبير، فحرية الرأي لا تعني حرية الكذب، ولا تبرر التشهير، ولا تمنح أحداً حق إصدار الأحكام خارج القانون، فالكلمة مسؤولية، والافتراء جريمة، والعدالة لا تُبنى بالإشاعات، بل بالأدلة والضمير الحي.