الشعب الفلسطيني ليس قاصراً لتُفرض عليه الوصاية
حيدر العيلة (أبو الأمير)
غزة فلسطين
منذ عقود والشعب الفلسطيني يخوض واحدة من أطول وأعقد حركات التحرر الوطني في العصر الحديث، مقدماً في سبيل حريته واستقلاله تضحيات هائلة من الشهداء والأسرى والجرحى، ومتحملاً الحصار والاحتلال والتهجير والانقسام والأزمات الاقتصادية والسياسية المتلاحقة، ورغم كل ما تعرض له خلال حرب الإبادة، لم يفقد هذا الشعب قدرته على التمسك بحقوقه الوطنية أو الإصرار على الدفاع عن هويته وحقه في تقرير مصيره.
ومع ذلك، يطل علينا بين الحين والآخر من يتعامل مع الفلسطينيين وكأنهم شعب عاجز عن إدارة شؤونه، أو غير مؤهل لاختيار قياداته وتحديد مستقبله السياسي، فيطرح مشاريع وصاية مباشرة أو غير مباشرة تحت عناوين مختلفة، تبدأ بالإصلاح وتنتهي بمصادرة الإرادة الوطنية، وكأن المشكلة الفلسطينية تكمن في الشعب نفسه لا في الاحتلال الذي يسلب حقوقه، ولا في السياسات التي أوصلت النظام السياسي إلى حالة العجز والتآكل التي يعيشها اليوم.
لا شك أن النظام السياسي الفلسطيني يمر بأزمة عميقة، وأن هناك إخفاقات كبيرة لا يمكن إنكارها أو التغطية عليها، فالقيادات التي تصدرت المشهد خلال العقود الماضية تتحمل مسؤولية واضحة عن حالة الانقسام، وعن تعثر المشروع الوطني، وعن الفشل في بناء مؤسسات قوية وفاعلة وقادرة على حماية المصالح الوطنية، كما أن غياب الحياة الديمقراطية وتجديد الشرعيات وتداول المسؤولية ساهم في تعميق الأزمة وإضعاف ثقة الناس بمؤسساتهم السياسية.
لكن الاعتراف بالفشل شيء، وتحويل هذا الفشل إلى مبرر لفرض وصاية خارجية شيء آخر تماماً.
فمن حق الشعب الفلسطيني أن يحاسب قياداته، وأن ينتقدها، وأن يطالب بتغييرها، وأن يسعى لإعادة بناء مؤسساته الوطنية على أسس ديمقراطية سليمة، بل إن ذلك يمثل ضرورة وطنية لا يمكن تأجيلها، غير أن هذا الحق يجب أن يبقى ملكاً للشعب نفسه، لا أن يتحول إلى أداة تستخدمها قوى خارجية للتدخل في الشأن الفلسطيني وفرض تصوراتها الخاصة لمستقبل الفلسطينيين.
لقد أثبتت تجارب الشعوب عبر التاريخ أن الوصاية الخارجية لا تنتج ديمقراطية حقيقية، ولا تبني مؤسسات وطنية مستقلة، بل تؤدي غالباً إلى خلق نخب مرتبطة بمصالح الجهات التي جاءت بها، وتُضعف ثقة الناس بالنظام السياسي، وتحوّل القرار الوطني إلى ساحة نفوذ وصراعات إقليمية ودولية.
ولهذا فإن أي حديث عن تشكيل لجان أو هيئات أو قيادات بديلة خارج الإرادة الشعبية الفلسطينية يجب أن يُقابل بالرفض، مهما كانت الشعارات التي تُرفع لتبريره، فالمشكلة ليست في أسماء الأشخاص، بل في المبدأ نفسه، إذ لا يمكن لشعب يناضل من أجل الحرية والاستقلال أن يقبل بأن تُصادر حريته السياسية تحت ذريعة إنقاذه من أخطاء قياداته.
إن بعض القوى الدولية والإقليمية تتحدث أحياناً عن "إعادة ترتيب البيت الفلسطيني" وكأن الفلسطينيين مجرد ملف إداري يحتاج إلى إدارة جديدة، بينما الحقيقة أن الشعب الفلسطيني ليس شركة تبحث عن مجلس إدارة جديد، بل شعب صاحب قضية وطنية وحقوق تاريخية وسياسية غير قابلة للتصرف، وأي حل يتجاوز إرادة هذا الشعب أو يحاول الالتفاف عليها لن يؤدي إلا إلى إنتاج أزمات جديدة وتعميق الانقسامات القائمة.
ومن المؤسف أن بعض الأصوات الفلسطينية تنجر أحياناً وراء هذه الطروحات بدافع الغضب من الواقع القائم أو الإحباط من أداء القيادات الحالية، فتتعامل مع أي مشروع خارجي باعتباره مخرجاً من الأزمة، لكن التجربة الفلسطينية والعربية مليئة بالدروس التي تؤكد أن الاستقواء بالخارج لحل المشكلات الداخلية غالباً ما يفتح أبواباً جديدة للتبعية والتدخل، ويجعل القرار الوطني رهينة لحسابات لا علاقة لها بمصالح الشعب.
إن البديل الحقيقي لا يكمن في استبدال وصاية بأخرى، ولا في استبدال فشل داخلي بتدخل خارجي، بل في استعادة دور الشعب نفسه كمصدر للشرعية وصاحب القرار الأول والأخير، فالإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة بناء المؤسسات الوطنية، وتجديد الشرعيات، وإطلاق حوار وطني شامل، واحترام التعددية السياسية، والاحتكام إلى إرادة الناس عبر آليات ديمقراطية شفافة تضمن مشاركة الجميع في صناعة القرار.
إن جوهر القضية الفلسطينية لم يكن يوماً متعلقاً بأسماء الحكام أو المسؤولين بقدر ما كان متعلقاً بحق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير، ومن هذا المنطلق فإن حق الفلسطينيين في اختيار قياداتهم لا يقل أهمية عن حقهم في مقاومة الاحتلال أو الدفاع عن أرضهم وحقوقهم الوطنية، فالحرية لا تتجزأ، ومن يرفض وصاية الاحتلال يجب أن يرفض أيضاً أي وصاية سياسية تُفرض عليه من الخارج.
قد تفشل القيادات، وقد تخطئ الأحزاب والفصائل، وقد تتعثر المؤسسات، لكن صاحب الحق الأصيل يبقى هو الشعب الفلسطيني، فهو وحده من يملك حق منح الشرعية أو سحبها، وهو وحده من يملك حق التغيير أو التجديد، وهو وحده القادر على رسم مستقبله الوطني.
لهذا نقول بوضوح لا لبس فيه: نعم لمحاسبة القيادات ومراجعة التجربة وتصحيح الأخطاء، ونعم لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية ووطنية سليمة، لكن لا للوصاية الخارجية، ولا لمصادرة القرار الوطني، ولا لفرض بدائل تُصنع خارج الإرادة الشعبية.
فالشعب الفلسطيني ليس قاصراً، ولا يحتاج إلى أوصياء، بل يحتاج إلى أن يُحترم حقه في أن يختار بنفسه من يمثله ومن يقوده، وأن يبقى القرار الوطني ملكاً لأصحابه الحقيقيين: أبناء الشعب الفلسطيني
والشعب الفلسطيني الذي سيظل الصخرة التي تتحطم عليها كل المشاريع المشبوهة.
