غزة خارج الأولويات.. ترامب يلوّح بلقاء نتنياهو فيما تُرسم خرائط المنطقة بعيداً عن القطاع المنهك

 في وقت تتجه فيه الأنظار إلى جولة جديدة من المفاوضات الأميركية الإيرانية وترتيبات ما بعد الحرب الإقليمية، برز تطور سياسي جديد مع حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن لقاء محتمل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض قد يُعقد في وقت مبكر من الأسبوع المقبل، في مشهد يعكس استمرار انشغال القوى المؤثرة بإعادة ترتيب ملفات المنطقة، بينما تتراجع غزة إلى هامش الأجندة السياسية رغم هشاشة وقف إطلاق النار واستمرار القصف والقتل والأزمة الإنسانية.

وقال ترامب، في تصريحات نقلها موقع «أكسيوس» السبت 4 يوليو/تموز 2026، إن نتنياهو طلب لقاءً معه في البيت الأبيض، مشيراً إلى إمكانية عقده الأسبوع المقبل. ويأتي ذلك بعد إعلان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أن ترامب ونتنياهو اتفقا، خلال اتصال هاتفي الجمعة، على الاجتماع قريباً في الولايات المتحدة.

ويضيف هذا التطور بعداً جديداً إلى المشهد السياسي الإقليمي، إذ يأتي اللقاء المحتمل بينما تتمحور التحركات الدولية حول المفاوضات بين واشنطن وطهران، ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة، في حين لا تظهر غزة حتى الآن بوصفها ملفاً مركزياً في التفاهمات الكبرى، رغم الحرب المدمرة التي عاشها القطاع والواقع الإنساني والسياسي الهش الذي خلّفته.

وبحسب وكالة فرانس برس، تراجع الاهتمام الدولي بقطاع غزة مع انتقال مركز الثقل السياسي والعسكري إلى الحرب الإقليمية والمفاوضات الأميركية الإيرانية، رغم أن وقف إطلاق النار المعلن في القطاع منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025 لا يزال هشاً.

وكان وقف النار في غزة قد أُعلن على أساس خطة للرئيس الأميركي دونالد ترامب تتحدث عن إنهاء الحرب بصورة كاملة وإعادة إعمار القطاع، إلا أن مسار الأحداث اللاحقة دفع غزة تدريجياً إلى خلفية المشهد، مع تصاعد المواجهة مع إيران ثم انتقال الجهود الدولية إلى تثبيت ترتيبات وقف الحرب الإقليمية.

ترامب ونتنياهو يلتقيان.. وغزة تنتظر

ويمنح الحديث عن لقاء جديد بين ترامب ونتنياهو مؤشراً إضافياً إلى حجم الحركة السياسية التي تشهدها ملفات المنطقة، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً أساسياً حول موقع غزة في أي مباحثات مرتقبة بين الرجلين.

فحتى الآن، لم يكشف ترامب عن جدول أعمال تفصيلي للقاء المحتمل، بينما جاء الإعلان عنه في سياق إقليمي مثقل بالخلافات حول إيران والتفاهمات الأميركية الجديدة، وسط تقارير عن توترات بين واشنطن وتل أبيب بشأن بعض مسارات إدارة الحرب والتفاوض. وكان مكتب نتنياهو قد قال إن الرجلين اتفقا على لقاء قريب في الولايات المتحدة، قبل أن يوضح ترامب لاحقاً أن نتنياهو هو من طلب الاجتماع وأن الموعد قد يكون الأسبوع المقبل.

وبينما قد يفتح اللقاء المحتمل الباب أمام بحث ملفات إيران ولبنان والعلاقات الأميركية الإسرائيلية، تبقى غزة أمام خطر أن تتحول مجدداً إلى ملف ثانوي، أو ورقة مؤجلة، بدلاً من أن تكون في صدارة أي تحرك سياسي بالنظر إلى حجم الدمار والأزمة الإنسانية وغياب تصور مستقر لمستقبل القطاع.

«العالم نسي غزة»

وفي هذا السياق، قال أحمد جمّالي، وهو نازح يبلغ من العمر 53 عاماً ويقيم في مخيم للنازحين بحي تل الهوى في مدينة غزة، لـفرانس برس إن العالم نسي غزة ومأساتها منذ اندلاع الحرب على إيران.

وأضاف أن الفلسطينيين يشعرون بأنهم الطرف الأضعف والأكثر ظلماً، في وقت تواصل فيه إسرائيل القتل والتدمير، بينما يغيب التحرك الدولي القادر على تغيير الواقع.

وتختصر هذه الشهادة شعوراً متنامياً داخل القطاع بأن غزة، التي كانت طوال أكثر من عامين في قلب الاهتمام العالمي، باتت اليوم ضحية تحوّل استراتيجي أوسع: الحروب الإقليمية الكبرى تتقدم، والمفاوضات الأميركية الإيرانية تستحوذ على الاهتمام، وترامب ونتنياهو يستعدان للقاء محتمل، بينما يبقى سكان القطاع عالقين بين الدمار والنزوح ووقف نار لا يوفر لهم أمناً حقيقياً.

تفاهمات كبرى بلا غزة

وبحسب فرانس برس، فإن التفاهمات التي أعقبت الحرب الإقليمية ركزت على إنهاء المواجهة الأميركية الإسرائيلية الإيرانية ووقف العمليات على جبهات أخرى، لكن قطاع غزة لم يحضر بوضوح في صلب هذه الترتيبات.

وقالت مصادر مقربة من حركة «حماس»، رفضت الكشف عن هوياتها، للوكالة إن هذا الغياب أثار خيبة أمل لدى بعض مسؤولي الحركة.

ويرى هيو لوفات، من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، بحسب ما نقلت عنه «فرانس برس»، أن التطورات تعكس تراجع الوزن الاستراتيجي لـ«حماس» في الحسابات الإيرانية، محذراً من أن غزة تختفي تدريجياً من دائرة الاهتمام الدولي.

وهنا تبرز المفارقة السياسية بصورة أكثر حدة: فبينما يستعد ترامب لاحتمال استقبال نتنياهو في البيت الأبيض، وتواصل واشنطن إدارة مفاوضات كبرى مع إيران، لا يزال قطاع غزة بلا إطار سياسي واضح لليوم التالي، ولا خطة قابلة للتنفيذ لإعادة الإعمار، ولا تسوية نهائية لمسألة الحكم والسلاح.

لا إطار موثوقاً لـ«اليوم التالي»

ونقلت فرانس برس عن دبلوماسي غربي مقيم في القدس أن غياب غزة عن الاتفاقات لا يعكس تقدماً حقيقياً، بل حالة من الجمود السياسي، مشيراً إلى عدم وجود إطار موثوق به لليوم التالي.

وتتمحور العقدة الأساسية حول مستقبل «حماس» وسلاحها وإدارة القطاع؛ إذ تصر إسرائيل على نزع سلاح الحركة قبل أي انتقال سياسي، في حين ترفض «حماس» التخلي عن سلاحها من دون ضمانات سياسية وترتيبات تتعلق بمستقبل الحكم والسلطة الفلسطينية البديلة.

ورغم استمرار اتصالات خلف الكواليس، بما في ذلك اجتماعات في القاهرة شاركت فيها فصائل فلسطينية وأطراف إقليمية، لا تزال الفجوة كبيرة بين التصورات المطروحة وبين القدرة على تحويلها إلى واقع.

وبحسب مصادر دبلوماسية وأمنية تحدثت إلى فرانس برس، يجري بحث خريطة طريق تجمع بين نزع تدريجي لسلاح «حماس» وإنشاء سلطات انتقالية لإدارة غزة، لكن تقارير إسرائيلية تشير إلى رفض داخل الحكومة لمثل هذه الصيغ.

«حماس» ترفع الرايات لإثبات أنها لم تُهزم

وفي موازاة تراجع غزة عن صدارة المشهد الدولي، تحاول حركة «حماس» إعادة إظهار حضورها داخل القطاع.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة «الشرق الأوسط»، عادت رايات «حماس» و«كتائب القسام» للظهور في جنازات عناصر وقادة ميدانيين قتلتهم إسرائيل، بعد فترة طويلة من الانكفاء، كما ظهر مسلحون في بعض الجنازات ورددت شعارات ذات طابع «جهادي».

وقالت أربعة مصادر من «حماس» في قطاع غزة للصحيفة إن قيادة الحركة اتخذت قراراً جرى تعميمه على المناطق بالعودة إلى رفع الرايات وترديد شعارات تؤكد استمرار «المقاومة» خلال جنازات عناصر الحركة.

ووفق المصادر، يهدف القرار إلى توجيه رسالة بأن «حماس» ما زالت موجودة ولم تُهزم عسكرياً، وأنه لا يمكن تجاوزها في ترتيبات مستقبل قطاع غزة.

لكن هذا الظهور يحمل في الوقت نفسه دلالة معاكسة: فالحركة التي كانت لاعباً مركزياً في إشعال سلسلة المواجهات الإقليمية بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، باتت اليوم مضطرة إلى إثبات وجودها داخل القطاع بالرايات والجنازات والشعارات، بينما تُناقش الترتيبات الكبرى للمنطقة في مسارات لا تكون غزة دائماً جزءاً رئيسياً منها.

استعراض قوة فوق أرض مدمرة

ووفق «الشرق الأوسط»، أثارت عودة رايات «حماس» وظهور المسلحين انتقادات حتى داخل أوساط قريبة من الحركة، خشية أن تمنح إسرائيل ذريعة إضافية للتصعيد، أو أن تساعد أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في رصد ناشطين ميدانيين واغتيالهم لاحقاً.

في المقابل، قالت مصادر من الحركة للصحيفة إن إسرائيل لا تحتاج إلى ذرائع جديدة، معتبرة أن الاغتيالات والقصف لم يتوقفا فعلياً منذ إعلان وقف إطلاق النار.

وتزامنت هذه التطورات مع تقارير إعلامية إسرائيلية عن محاولات «حماس» إعادة بناء جزء من قدراتها العسكرية، وتصنيع أسلحة وترميم أنفاق وتجنيد عناصر جدد.

وبحسب ما نقلته «الشرق الأوسط» عن صحيفة «يسرائيل هيوم»، يعمل الجيش الإسرائيلي على زيادة وتيرة الاغتيالات لإعاقة محاولات الحركة إعادة ترسيخ وجودها. كما ذكرت «يديعوت أحرونوت» أن قائد المنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي يدفع باتجاه استئناف قتال أوسع في غزة، من دون أن ينجح حتى الآن في ذلك.

غزة الأضعف على طاولة الأقوياء

ويكشف المشهد الراهن عن واقع سياسي بالغ القسوة بالنسبة إلى قطاع غزة: ترامب يتفاوض مع إيران، ويفتح الباب أمام لقاء جديد مع نتنياهو، والقوى الإقليمية تعيد ترتيب مواقعها، بينما يبقى القطاع بلا أفق سياسي واضح وبلا ضمانات حقيقية لإعادة الإعمار أو إنهاء القصف.

والأكثر دلالة أن الحديث عن لقاء محتمل في البيت الأبيض يأتي في وقت لا تزال فيه الأسئلة الكبرى المتعلقة بغزة بلا إجابات: من سيحكم القطاع؟ ما مصير سلاح «حماس»؟ من سيمول إعادة الإعمار؟ وما الضمانة لعدم العودة إلى حرب واسعة؟

في المقابل، تبدو «حماس» منشغلة بإثبات أنها لم تختفِ، من خلال إعادة رفع الرايات وإظهار التماسك في الجنازات، بينما تحاول إسرائيل تثبيت واقع أمني وعسكري يمنع الحركة من استعادة قوتها.

وبين الطرفين، يبقى أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة الحلقة الأضعف: لا يملكون وزناً كافياً لفرض حضورهم على المفاوضات الدولية، ولا إطاراً سياسياً موثوقاً يحمي مستقبلهم، فيما تتحول قضيتهم تدريجياً من مركز الصراع الإقليمي إلى ملف مؤجل على هامش صفقات أكبر.

وهكذا، فإن اللقاء المحتمل بين ترامب ونتنياهو لا يمثل مجرد محطة جديدة في العلاقات الأميركية الإسرائيلية، بل يسلط الضوء على السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة للفلسطينيين: هل ستكون غزة حاضرة على الطاولة، أم أن مصيرها سيبقى معلقاً بينما يعيد الآخرون رسم خريطة الشرق الأوسط من دونها؟

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - زمن - واشنطن/غزة