كتب حيدر العيلة ... «لا أحد بريء ... ولا أحد فوق المساءلة»

في خضم الكارثة الكبرى التي يعيشها قطاع غزة، وبين مشاهد القتل والجوع والتشريد وانهيار مقومات الحياة، تبرز محاولات حثيثة لإعادة تعريف الصراع واختزال أسباب المأساة في طرف فلسطيني واحد، وكأن الاحتلال تحول فجأة إلى مراقب محايد لما يجري، أو كأن الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني ليست سوى نتاج أخطاء داخلية فلسطينية معزولة عن السياق الاستعماري الذي أنتج المأساة بأكملها، وصنع واقع القتل والحصار والتهجير والتدمير المستمر.
ومع أنني لا أبرئ أي فصيل فلسطيني وتحديدا حماس من مسؤولية أخطائها أو من تبعات قراراتها الخاطئة وإخفاقاتها في قراءة المشهد السياسي وتحولاته، إلا أن تحميل هذه الأخطاء لوحدها مسؤولية الكارثة الجارية يمثل تجاهلًا متعمدًا للجذر الحقيقي للصراع، ويكاد يبرئ المشروع الاستعماري من جرائمه التاريخية والمستمرة بحق الشعب الفلسطيني.

الحقيقة أن الاحتلال لا يسعى فقط إلى إلحاق الهزيمة بأحد الفصائل ، كما يحاول البعض تصوير الأمر، بل يعمل على تفكيك المجتمع الفلسطيني بأكمله، وتحطيم عناصر صموده، وإغراقه في الفوضى والانقسام واليأس.
فالمجتمعات المنهكة والمنقسمة تصبح أكثر قابلية للسيطرة وأكثر استعداداً للقبول بحلول تنتقص من حقوقها الوطنية، ولذلك فإن الفوضى بالنسبة للاحتلال هدف استراتيجي وليست مجرد نتيجة جانبية للحرب.

من حق الناس أن تغضب، ومن حقها أن تنتقد وتحاسب كل من أخطأ أو قصر في أداء واجبه تجاهها، بل إن غياب المراجعة والنقد والمحاسبة كان أحد أسباب الوصول إلى هذا الواقع الكارثي، لكن ما ليس من حق أحد أن يتحول النقد إلى انتقائية سياسية، أو أن يصبح أداة لتبرئة طرف وإدانة آخر، أو وسيلة لتوجيه غضب الناس نحو جهة واحدة مع تجاهل بقية المسؤولين عن هذا المشهد المأساوي.

لا أحد يستطيع إنكار أن حماس تتحمل مسؤوليات كبيرة بحكم موقعها ودورها فيما آلت إليه الأوضاع المأساوية والقرارات الخاطئة التي اتخذتها خلال السنوات الماضية، ومن حق الشعب الفلسطيني أن يناقش سياساتها ويحاسبها على أخطائها بل ويحاكمها، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل حماس وحدها مسؤولة عما وصلنا إليه؟ وهل بقية القوى والقيادات بريئة من كل ما جرى ويجري؟

إن التركيز المفرط على طرف واحد، مع تجاهل أدوار ومسؤوليات الآخرين، لا يخدم الحقيقة ولا يساعد على فهم الواقع، بل يساهم في إنتاج وعي مشوه يرى جزءاً من الصورة ويتجاهل الجزء الآخر.

فأين النقد الموجه للسلطة الفلسطينية؟ وأين المساءلة لحركة فتح التي ما زالت تمثل القوة الأكبر داخل مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير المغيبة؟ وأين الحديث عن الصمت الطويل أمام المجازر التي يتعرض لها أهل غزة؟ وأين النقاش حول السياسات والإجراءات التي ساهمت في تعميق معاناة الناس وزيادة أزماتهم الاقتصادية والاجتماعية؟

لقد كان يفترض أن تكون هذه اللحظة لحظة انحياز كامل للشعب الفلسطيني وللضحايا الذين يسقطون كل يوم، وللأسر التي فقدت أبناءها ومنازلها ومصادر رزقها، لكنها تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة لتبادل الاتهامات وانتظار نتائج الحرب وترتيبات ما بعدها.

والأخطر أن بعض الأطراف بدت وكأنها تراقب المشهد من بعيد، بانتظار لحظة القطاف السياسي، فيما يتعرض الشعب لأبشع أشكال القتل والتجويع والتشريد، وكأن المطلوب أن يدفع المواطن الفلسطيني وحده ثمن الصراع، بينما تبقى الحسابات السياسية والتنظيمية هي الحاكمة للمواقف والقرارات.

إن الاحتلال يدرك جيداً أن تدمير المجتمع الفلسطيني لا يقل أهمية بالنسبة له عن تدمير البنية العسكرية للمقاومة، ولذلك يعمل باستمرار على نشر الفوضى وإضعاف الثقة بين مكونات المجتمع وتعميق الانقسامات الداخلية، ودفع الفلسطينيين نحو صراعات جانبية تستنزف طاقتهم وتبعدهم عن معركتهم الأساسية.

ومن المؤسف أن بعض القوى الفلسطينية، بقصد أو بغير قصد، تساهم في هذا المسار عندما تتعامل مع الأحداث بمنطق تسجيل النقاط السياسية بدلاً من البحث عن حلول وطنية جامعة.

فالقضية اليوم ليست قضية حماس وحدها، ولا قضية فتح وحدها، ولا قضية الجبهة الشعبية والجهاد والديمقراطية والحزب والمبادرة وباقي الفصائل، بل قضية شعب بأكمله يتعرض لمحاولة كسر تاريخية، ووطن يواجه مشاريع تهجير وتصفية غير مسبوقة، وحقوق وطنية يراد شطبها تحت ضغط الحرب والجوع والانقسام.

ولذلك فإن المطلوب ليس المزيد من الانتقائية في النقد، بل المزيد من الصدق والشجاعة في مواجهة الحقيقة كاملة، فكل من أخطأ يجب أن يُحاسب، وكل من قصر يجب أن يُسأل، وكل من استغل معاناة الناس لتحقيق مكاسب سياسية أو فصائلية يجب أن يتحمل مسؤوليته أمام الشعب والتاريخ.

فلا أحد فوق المساءلة، ولا أحد يملك حق التنصل من مسؤوليته، وعندما يكون الوطن مهدداً، والشعب يدفع أثماناً باهظة من دمه ومستقبله وكرامته، فإن الواجب الوطني والأخلاقي يفرض على الجميع الوقوف أمام الحقيقة بلا مواربة، لأن إنقاذ الشعب لا يبدأ بتبرئة هذا الطرف أو إدانة ذاك، بل بإخضاع الجميع لميزان واحد من المحاسبة والمسؤولية.