يشهد سوق الصرف في الأراضي الفلسطينية حالة من التباين الملحوظ بين أسعار الدولار مقابل الشيقل في البنوك ومحال الصرافة والصرافين المتجولين، وهو ما دفع بعض المواطنين إلى استغلال هذه الفجوة في عمليات مضاربة سريعة تحقق أرباحاً فورية، في ظاهرة يصفها مختصون بأنها “مراجحة غير منظمة” بين قنوات السوق المختلفة.
أرباح سريعة من فرق السعر
يقول الشاب عاصم نابلسي إنه دخل هذا المجال بدافع الاستفادة من فرق الأسعار، دون أن يمتلك خبرة مالية متخصصة.
ويضيف: “لقد بعت دولاراً على سعر 3.03 شيقل بعد أن اشتريته على سعر 2.80 شيقل”، موضحاً أنه يعتمد على شراء الدولار من البنك ثم بيعه لصرافين متجولين يقدمون سعراً أعلى في بعض الأحيان.
ويشير إلى أن الفارق لا يقتصر على البنوك والصرافين المتجولين فقط، بل يمتد أيضاً بين محال الصرافة نفسها، قائلاً إن الأسعار “غير موحدة حتى بين بنك وآخر”.
ويتابع: “في أحد الأيام أردت تصريف 841 دولاراً، فحصلت على سعر من البنك أقل من السعر الذي عرضه صراف متجول، وعند المقارنة بين العمليتين كانت النتيجة أنني ربحت نحو 54 شيقلاً خلال دقائق قليلة فقط”.
دورة المضاربة: شراء من البنك وبيع في السوق
بحسب رواية نابلسي، فإن آلية الربح تقوم على سلسلة متكررة: إيداع الأموال في البنك، شراء الدولار بالسعر المعتمد، سحب النقد، ثم بيعه في السوق غير الرسمية بسعر أعلى، قبل إعادة إيداع الشيقل وتكرار العملية.
ويؤكد أن “العلاقات الشخصية مع بعض الصرافين تلعب دوراً في تحسين سعر الصرف أحياناً”، ما يزيد من فرص تحقيق أرباح إضافية خارج الإطار الرسمي.
خبراء: فجوة سعرية تتحول إلى “مراجحة”
الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي محمد عبد الله يوضح أن ما يحدث هو نتيجة اتساع الفجوة بين السعر الرسمي داخل البنوك والأسعار المتداولة في السوق النقدي.
ويقول إن البنوك تلتزم بهوامش محددة وفق التعليمات الرقابية، بينما تتغير الأسعار في السوق الموازية بشكل أسرع، ما يخلق فرصة لتحقيق أرباح دون نشاط اقتصادي إنتاجي.
ويضيف أن آلية المضاربة تقوم على شراء الدولار من البنوك ثم إعادة بيعه في السوق النقدية، لتتكرر العملية بهدف الاستفادة من فروقات السعر، وهو ما يخلق ما يشبه “المراجحة” بين السوقين.
ويحذر عبد الله من أن هذه الممارسات تؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار داخل البنوك لأغراض غير تجارية، ما يضغط على السيولة النقدية المتاحة من العملات الأجنبية، مشيراً إلى أن بعض البنوك بدأت بمراقبة العمليات المتكررة واتخاذ إجراءات داخلية للحد من الاستغلال الممنهج لفروقات الأسعار.
ثغرة هيكلية في السوق
من جانبه، يوضح الخبير المالي والمصرفي محمد سلامة أن الفجوة بين سعر الكاش وسعر البنك تعكس “ثغرة تسعير هيكلية” موجودة في السوق.
ويقول: “هناك فرق بين السعر النقدي وسعر الصرف الرسمي، وهذه الإشكالية ترتبط أساساً بعدم توفر الدولار النقدي بشكل كافٍ في السوق”.
ويضيف أن هذه الظاهرة لا تقتصر على السوق الفلسطينية فقط، بل تظهر أيضاً في أسواق مجاورة بدرجات متفاوتة، نتيجة اختلالات في توازن العرض والطلب على العملات الأجنبية.
سلطة النقد: مخالفات تحت المتابعة
من جهتها، أكدت سلطة النقد أن أسعار صرف العملات لدى محال وشركات الصرافة المرخصة تخضع للتعليمات والأنظمة المعمول بها، والتي تلزم الصرافين بالإعلان عن أسعار البيع والشراء بشكل واضح وشفاف.
وأوضحت أن أي بيع أو شراء بأسعار مخالفة للأسعار المعلنة يعد مخالفة قانونية تستوجب المتابعة واتخاذ الإجراءات اللازمة.
وأكدت سلطة النقد أنها تتابع بشكل مستمر التزام الصرافين بالتعليمات المنظمة لسوق الصرف، بهدف حماية حقوق المواطنين وتعزيز الشفافية.
ويبلغ عدد محال وشركات الصرافة المرخصة في الضفة الغربية نحو 195 محلاً وشركة، موزعة على أكثر من 280 فرعاً.
صدى نيوز
