بقلم: المستشار التربوي د. علي شقور
يتناول هذا المقال جانباً أكاديمياً مؤسسياً محدداً: كيف استطاعت الجامعات السورية، في مرحلة تاريخية معينة، أن تعمل بروح الشبكة الواحدة لا بروح الجزر المتباعدة، وأن تجعل التعاون بين الجامعات أداة لضمان الجودة، وتوزيع الخبرة، وحماية استمرارية التعليم العالي. وبالتالي لا يقدّم هذا المقال قراءة سياسية في التجربة السورية، ولا يدخل في تقييم مواقف أو أحداث أو اصطفافات. من هذه الزاوية فقط تستحق التجربة أن تُقرأ وأن تُستعاد بوصفها نموذجاً أكاديمياً قابلاً للتأمل والاستفادة، خصوصاً في البيئات العربية التي تواجه ضغطاً مالياً، أو جغرافياً، أو سياسياً، أو بنيوياً يهدد انتظام التعليم الجامعي. وهنا تبرز الحاجة الماسة لقراءة هذه التجربة لا بوصفها سرداً تاريخياً، بل كموجه لتطوير آليات صمود أكاديمي وبيداغوجي يمكن استنباطها وتطبيقها في السياقات التي تعاني من الحصار والانقطاع الجغرافي وشح الموارد. ولعل الحالة الفلسطينية تمثل الميدان الأبرز الذي يستدعي استلهام هذا النوع من التكامل المؤسسي وتطويع الموارد المتاحة لتجاوز عقبات البنية التحتية، وضمان استمرار التعليم العالي بجودة وفاعلية.
عرفت الجامعات السورية منذ مراحل مبكرة نموذجاً لافتاً من التعاون المؤسسي الذي تجاوز المجاملات الأكاديمية والزيارات الرسمية، ليصبح جزءاً أصيلاً من بنية العمل الجامعي. لم تكن الجامعة السورية، في صورتها الحكومية التقليدية، جزيرة منعزلة، بل كانت جزءاً من منظومة وطنية مركزية تنظر إلى التعليم العالي بوصفه مورداً عاماً ينبغي تنظيمه وتوزيعه وتوجيهه. وقد ساعد هذا التصور على بناء علاقة وظيفية بين الجامعات: جامعة أقدم تمدّ جامعة أحدث بالخبرة، وكلية مستقرة تسند قسماً ناشئاً، وأستاذ خبير ينتقل للتدريس أو الإشراف أو المناقشة خارج جامعته الأصلية متى اقتضت الحاجة.
ومن المهم هنا تحديد الإطار الزمني لهذا النموذج حتى لا يبدو الكلام عاماً أو مفتوحاً على كل الأزمنة. يمكن القول إن ملامحه الأولى ارتبطت بتوسع التعليم العالي الحكومي بعد ترسخ جامعة دمشق، ثم اتضحت أكثر مع تأسيس جامعة حلب وتنامي دورها، وازدادت وضوحاً منذ سبعينيات القرن العشرين مع ظهور جامعات تشرين والبعث وتوسع الخارطة الجامعية باتجاه المحافظات. أما من الناحية القانونية والإدارية، فقد ترسخت هذه الروح بصورة أوضح مع قانون تنظيم الجامعات لعام 1975 وما تلاه من تعديلات، ثم أعيد تنظيم عدد من أحكامها في قانون تنظيم الجامعات رقم 6 لعام 2006. وقد ظل هذا النموذج قائماً وفاعلاً، بدرجات متفاوتة، حتى عام 2011، حين بدأت الأزمة السورية وما تبعها من آثار عميقة على البنية التحتية والكوادر والطلاب وحركة الجامعات، الأمر الذي أعاق استمرار النموذج بصورته الطبيعية، وإن لم يُلغِ الحاجة إليه بوصفه آلية صمود واستمرار.
كان القائمون على التعليم العالي في سورية ينظرون إلى الجامعات كأقطاب في شبكة معرفية متكاملة، لا ككيانات متنافسة تسعى كل واحدة منها إلى امتلاك كل شيء بمعزل عن غيرها. لذلك لم يكن توزيع التخصصات عشوائياً دائماً، بل غلبت عليه فكرة التوزيع المركزي للتخصصات والطاقة الاستيعابية وسياسات القبول. فالدولة، عبر وزارة التعليم العالي ومجلس التعليم العالي، كانت تحدد أين يُفتتح التخصص، وما حجم القبول فيه، وكيف ينتقل الطالب إليه عبر المفاضلة العامة. وبذلك نشأت منظومة جامعية تقوم على قدر من “الاختصاص الوظيفي”؛ فجامعة دمشق ظلّت مركزاً رئيساً للتخصصات الطبية والحقوقية والسياسية والإعلامية والدراسات العليا، وبرزت جامعة حلب في الهندسات والعلوم التطبيقية والطب، وتميزت جامعة تشرين بتخصصات علمية وبحرية وهندسية، وركزت جامعة البعث في حمص على الهندسات والطب والعلوم الزراعية، بينما جاءت جامعة الفرات لخدمة المنطقة الشرقية بتخصصات أكثر اتصالاً بالزراعة والنفط والموارد المائية.
هذا التوزيع لم يكن مثالياً دائماً، لكنه كان يحمل فكرة تخطيطية مهمة: ليس مطلوباً من كل جامعة أن تكرر كل البرامج، بل يمكن أن تتخصص الجامعات وتتساند. فبعض الاختصاصات الدقيقة أو برامج الدراسات العليا كانت تُفتح في جامعة أو جامعتين فقط، تجنباً للهدر في الكلفة والكوادر، ومحاولة لصناعة أقطاب جامعية متخصصة. وفي المقابل، ساعد توحيد الخطط الدراسية في التخصصات المتماثلة، ولا سيما في الطب والهندسة والعلوم الأساسية، على تسهيل معادلة المواد والتحويل المماثل بين الجامعات والاعتراف الموحد بالشهادات. لقد كانت المركزية هنا سلاحاً ذا حدين: حدٌّ إيجابي عندما ضمنت وحدة المعايير وسهولة الانتقال والتكافؤ النسبي بين المحافظات، وحدٌّ سلبي عندما قيّدت استقلالية الجامعات وأبطأت تحديث بعض البرامج.
لعبت جامعة دمشق، بوصفها الأقدم والأكثر تراكمًا في الخبرة، ثم جامعة حلب، دوراً محورياً في رفد الجامعات والكليات الناشئة بالأساتذة والخبرات. ومع إنشاء جامعات تشرين في اللاذقية والبعث في حمص، ثم توسع التعليم العالي إلى دير الزور وحماة وطرطوس وغيرها، برزت الحاجة إلى الاستفادة من الأساتذة ذوي الخبرة في الجامعات الأقدم. لم يكن هذا التعاون عرفياً فحسب، بل استند إلى إطار قانوني وإداري منظم. فقد أجاز قانون تنظيم الجامعات لعام 1975 ندب عضو هيئة التدريس جزئياً أو كلياً لمدة محددة من جامعة إلى أخرى داخل القطر، مع الاحتفاظ بالراتب والتعويضات، وبعد موافقة الجهات الجامعية المختصة. كما استمر هذا المعنى في التشريعات اللاحقة المنظمة للجامعات. وهكذا لم يكن انتقال الأستاذ من جامعة إلى أخرى حالة استثنائية، بل أداة من أدوات إدارة النقص، وتوزيع الخبرة، وبناء الأقسام الجديدة.
ومن اللافت أن هذا النهج، الذي يمكن أن نطلق عليه اليوم مفهوم الحركية الأكاديمية بين الجامعات، أو Mobility among Universities، لم يكن بعيداً عما اتجهت إليه لاحقاً تجارب دولية وإقليمية معروفة. ففي أوروبا، مثّل برنامج Erasmus، ثم Erasmus+، أحد أبرز النماذج المنظمة لحركية الطلبة وأعضاء الهيئات التدريسية والإدارية بين الجامعات، علماً ان هذا النموذج عبارة عن "حركة أكاديمية طوعية" بينما النموذج السوري كان يعتمد على "الندب والتكليف " من اعلى الهرم أي الوزارة، من خلال الدراسة أو التدريب أو التدريس في مؤسسات شريكة. كما جاء مشروع The Bologna Process وما انبثق عنها من فضاء التعليم العالي الأوروبي ونظام ECTS لتعزيز الاعتراف المتبادل بفترات الدراسة والمقررات والأرصدة الجامعية، بما يجعل انتقال الطالب أو الأستاذ بين المؤسسات أكثر انتظاماً وفاعلية. وعلى المستوى العربي، فقد تبنّى اتحاد الجامعات العربية صيغًا مؤسسية قريبة من فلسفة الحركية الأكاديمية، من خلال مجالس متخصصة تُعنى بالتدريب الطلابي، والتبادل الأكاديمي، والدراسات العليا والبحث العلمي، بما يعكس توجّهًا عربيًا نحو تنظيم انتقال الخبرات والفرص التدريبية والتعاون العلمي بين الجامعات.
وقد كان لكاتب هذا المقال حضور في بعض الاجتماعات ذات الصلة بهذه التوجهات خلال عمله مديرا لإدارة التربية في الألكسو. حيث طُرحت فكرة الحركية الأكاديمية بوصفها مدخلاً لتوسيع أفق الجامعة، وكسر عزلتها المؤسسية، وتعزيز الاعتراف المتبادل بالخبرات والمقررات والبرامج. غير أن ما يستحق التنويه هنا أن الجامعات السورية مارست، بصيغتها الخاصة وضمن إطارها الوطني، جوانب عملية من هذا التوجه قبل أن يتحول في كثير من السياقات الدولية والعربية إلى برامج معلنة وسياسات منظمة. فقد عرفت الجامعات السورية الندب، والتكليف، والإشراف المشترك، والمشاركة في لجان المناقشة، ودعم الكليات الناشئة، وتبادل الخبرات الأكاديمية بين الجامعات، وهي كلها ممارسات تنتمي في جوهرها إلى فكرة الحركية الأكاديمية، حتى وإن لم تكن تسمى آنذاك بهذا الاسم.
غير أن الإنصاف يقتضي القول أن التجربة لم تكن خالية من التحديات. فقد ارتبطت أحياناً بطابع إداري مركزي صارم، واعتمدت في بعض التخصصات على عدد محدود من الأساتذة، مما أدى إلى إرهاق بعض الكفاءات وكثرة تكليفها بالتدريس والإشراف والتنقل. كما بقيت الجودة والبحث العلمي متمركزين غالباً في دمشق وحلب أكثر من غيرهما، وظهر تفاوت في الإمكانات بين المحافظات، إلى جانب كثافة طلابية كبيرة وبطء في تحديث المناهج وضعف نسبي في استقلالية الجامعات في إنشاء برامج جديدة. ومع بداية الجامعات الخاصة بعد عام 2000، بدأ النموذج يتغير جزئياً، إذ ظهرت برامج أكثر مرونة وشراكات مختلفة، لكن بقيت وزارة التعليم العالي ممسكة بالإطار العام للاعتماد والقبول وضبط النظام الجامعي.
بعد عام 2011، اكتسب التعاون بين الجامعات السورية معنى إضافياً. فقد فرضت الأزمة السورية تحديات جسيمة على البنية التحتية والكوادر والطلاب، وتضررت حركة الانتقال والعمل الجامعي المنتظم في مناطق كثيرة. في تلك المرحلة، لم يعد التعاون مجرد آلية لتطوير الجامعات الناشئة، بل أصبح أداة لاستمرار العملية التعليمية نفسها: استقبال طلاب من جامعات متضررة، توفير بدائل للتدريس والامتحانات، إعادة توزيع الأعباء الأكاديمية، ومحاولة الحفاظ على الحد الأدنى من انتظام الدراسة. وبذلك تكشف التجربة جانباً آخر من قيمتها؛ فالمنظومات الجامعية التي تتدرب طويلاً على التعاون تكون أقدر على الصمود عندما تضيق الخيارات.
الدرس الأهم من ذاكرة الأكاديميا السورية أن الجامعة القوية ليست التي تنكفئ على ذاتها، بل التي تنفتح على نظيراتها لتصنع معها قصة نجاح وطنية. ليست العبرة في نسخ النموذج كما كان، ولا في تجاهل مشكلاته، بل في التقاط فكرته الجوهرية: أن المعرفة تقوى حين تتوزع، وأن الأستاذ الجامعي مورد وطني لا ملكية مغلقة لمؤسسة واحدة، وأن التخطيط الأكاديمي المشترك قد يكون أحياناً خط الدفاع الأخير عن التعليم العالي في الأزمنة الصعبة. بهذا المعنى، لا تُستعاد التجربة السورية بوصفها حنيناً إلى الماضي، بل بوصفها درساً عملياً في كيفية تحويل الجامعات من جزر متفرقة إلى جسور وطنية متصلة.
